بين تهديدات الحكومة وإغراءات فرنسا.. الأطباء الجزائريون يواصلون إضرابهم ويعلنون "سنبقى هنا كي يزول الألم"

تم النشر: تم التحديث:
ALGERIA HOSPITAL
Algerian doctors and dentists who are completing their residency stage of their studies stage a sit-in outside the Mustapha Bacha hospital in Algiers, on January 30, 2018, as part of a two-month-long strike protesting against compulsory civil service. / AFP PHOTO / RYAD KRAMDI (Photo credit should read RYAD KRAMDI/AFP/Getty Images) | RYAD KRAMDI via Getty Images

يركب الطبيب الجزائري المقيم موفق لهلالي، سيارته البيضاء الصينية الصنع متوجهاً إلى العاصمة، وبرفقته والدته المريضة، وفي أجندته هدفان رئيسيان: مواصلة اعتصام الاحتجاج وعلاج الوالدة.

ويعتبر لهلالي وقفة الإثنين، 12 فبراير/ شباط 2018، هي وقفة الحسم لاسترجاع كرامة ومكانة الطبيب في الجزائر، بعد أكثر من شهرين من الاحتجاجات التي اجتاحت أغلب المستشفيات الجامعية الكبرى عبر البلاد.

وينحدر موفق من قرية معزولة لم يصلها غاز المدينة بعد، وهي قرية تيلماتين جنوب ماوكلان بسطيف شرقي العاصمة الجزائر، قضى جل عمره في الدراسة، منها 7 سنوات كاملة في الطب، وهو اليوم متدرج في تخصص الإنعاش الذي يفرض عليه دراسة 5 سنوات أخرى قضى منها 3 سنوات.

تحدّى لهلالي كل الصعاب، وسهر الليالي الطوال، حتى وصل إلى مبتغاه، لكن هذه الشهادة التي كانت حلمه وحلم كل العائلة والأقارب، اعتبر قيمتها قد سقطت يوم الاعتداء عليه من قبل عناصر الأمن، في 3 يناير/كانون الثاني 2018، لما خرج في مسيرة سلمية مع زملائه بمستشفى مصطفى باشا بقلب العاصمة الجزائر.


التصعيد بوقفة وطنية ضخمة


حيرة الطبيب المقيم لهلالي موفق ابن ولاية سطيف، بلغت ذروتها بعد الصمت الكبير للجنة المعنية في الجزائر، لدراسة مطالب الأطباء والاستجابة لها، رغم أنها حقوق كرّسها الدستور قبل كل شيء في نظره.

واختارت تنسيقية الأطباء المقيمين، يوم 12 فبراير/شباط 2018، موعداً لتنظيم أكبر حركة احتجاجية سلمية ضد القرارات التي وصفتها بالتعسفية من قبل وزارة الصحة والحكومة الجزائرية.

algeria hospital

ويرى لهلالي باعتباره ممثل تخصص الإنعاش الطبي ضمن تنسيقية الأطباء المقيمين، "أن وقفة الإثنين 12 فبراير/ شباط 2018، هي الحركة الاحتجاجية الأضخم منذ بدأ الاحتجاجات قبل شهرين من الآن".

ويصرح لهاف بوست عربي "بأن كل الأطباء المقيمين، وحتى العاملين وطلبة الطب عبر مختلف الكليات والمعاهد والمدارس العليا، قرَّروا الالتحاق بالإضراب بداية من هذا التاريخ".


الحكومة تمنع 15 ألف طبيب من رواتبهم


الأطباء المقيمون ومن بينهم موفق، وككل بداية شهر، توجّهوا إلى مراكز البريد لتسلم رواتبهم الشهرية، مع بداية فبراير/شباط 2018، لكن الأرصدة كانت خاوية على عروشها، فوزارة الصحة الجزائرية قرَّرت خصم أيام الإضراب، ونسقت مع المديريات الجهوية، وإدارات المستشفيات الجامعية لتنفيذ قرار الخصم الذي بلغ شهراً كاملاً.

الأطباء المقيمون اصطدموا بهذا القرار، واعتبروه غاية الإجحاف، خاصة أنهم يؤدون واجبهم الاستعجالي والحد الأدنى من الخدمات وفق ما تمليه القوانين والدساتير.

وفي هذا الشأن يقول لهلالي موفق "نحن نقدم الحد الأدنى، ونؤدي واجب المناوبات الليلية، ونسهم في التدخل في علاج الحالات الطارئة والاستعجالية، ولا نفهم قرار السلطات بحرماننا من المنحة الشهرية".

algeria hospital

واعتبر ممثل أطباء العاصمة في تنسيقية الأطباء المقيمين محمد طايلب في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أن هذه الخطوة هي بمثابة "تهديد صريح من الحكومة الجزائرية لكل الأطباء، وليس فقط الأطباء المقيمين".


التهديد بالأطباء الكوبيين


وزارة الصحة في الجزائر، وأمام تواصل الإضراب، توصلت إلى حلٍّ يمكن من خلاله سد العجز الذي تعاني منه المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات، من خلال إبرام اتفاق مع دولة كوبا، ينص على تزويد الجزائر بكادر طبي مقابل شحنات من النفط.

ويأتي هذا القرار بعد انخفاض استيراد كوبا للنفط من فنزويلا، ما دفعها إلى اللجوء إلى الجزائر، إذ اشترت حوالي 2.1 مليون برميل من الذهب الأسود الجزائري سنة 2017، وستلتزم الجزائر بنفس الكمية خلال السنة الجارية.

الاتفاق الجزائري الكوبي نص على زيادة حجم صادرات النفط نحو هافانا خلال السنوات الثلاث المقبلة، وفي المقابل تحصل الجزائر على "تقوية صادرات الخدمات الطبية من كوبا، بما فيها الكادر الطبي".

الأطباء المقيمون اعتبروا الخطوة أيضاً تهديداً لهم، وضغطوا لوقف حركتهم الاحتجاجية، وتوحي بعدم اتباع وزارة الصحة لخطة ممنهجة ومدروسة للقضاء على مشكلات الصحة في البلاد، وراحت تلجأ إلى هذه التهديدات.

ويعتبر الطبيب المقيم لهلال موفق، أن لجوء الجزائر إلى هذا الحل، هي صفعة لمصداقية الوزارة في التحاور مع الأطباء المحتجين، وصورة تعكس هشاشة المنظومة الصحية في الجزائر.

ويضيف في هذا الشأن "حركتنا الاحتجاجية الأخيرة كشفت عن مرض المنظومة الصحية في البلاد، وبدل تحرك الوزارة في إيجاد الحلول ومساندتنا للوصول إلى مستقبل مقبول، راحت تلتوي في اتخاذ القرارات الاعتباطية".


حقيقة الأجور


وقفات الأطباء المتكررة واحتجاجاتهم كانت مناسبة لإثارة الجدل فيما يخص رواتبهم، سواء من المحلييين أو المستوردين من كوبا أو الصين.

فالطبيب العام في الجزائر يتلقى شهرياً ما قيمته 80 ألف دينار جزائري (700 دولار)، فيما يصل راتب الطبيب المتخصص 160 ألف دينار جزائري (ألف دولار) بحسب تقرير سابق للنهار الجزائرية.

لكن هذه الرواتب بحسب الطبيب المقيم لهلالي موفق مغلوطة، فالطبيب العام في الجزائر يبدأ عمله بـ50 ألف دينار جزائري (400 دولار)، أما الطبيب المتخصص فيبدأ راتبه من 60 ألف دينار جزائري (500 دولار)، ويصل في المناطق الصحراوية والهضاب العليا إلى 80 ألف دينار جزائر (700 دولار).

لهلالي يعرف زميلاً له وهو طبيب عام منذ 15 سنة كاملة، اسمه ياسين روابح من منطقة بوقاعة 350 كلم شرقي الجزائر، ورغم الفترة الطويلة التي قضاها خدمة في الصحة العمومية فراتبه لم يصل 60 ألف دينار جزائري (500 دولار).

الطبيب الكوبي العامل في الجزائر حسب المتحدث، وبعد دراسة بسيطة للاتفاقية النفطية المبرمة بين البلدين، اتضح أنه يتقاضى ما يقارب 85 مليون سنتيم بالعملة المحلية شهرياً (6500 دولار)، تضاف إلى 35 مليون سنتيم بالعملة المحلية للمترجم (2500 دولار)، أي بمجموع 120 مليون سنتيم شهرياً للطبيب الواحد (8 آلاف دولار).

نفس العملية تسقط على الأطباء الصينيين العاملين في الجزائر، لكن بتعاملات مالية مباشرة، وليس اتفاقاً نفطياً كسابقه، ويتميز الأطباء الصينيون عن زملائهم من كوبا كونهم يتمتعون بحصانة ولا يتحملون تبيعات الأخطاء الطبية المرتكبة يضيف لهلالي.

وزارة الصحة الجزائرية فنَّدت هذه الأرقام، وقالت إن الأطباء الكوبيين يتلقون نفس أجور الأطباء الجزائريين، أما الصينيون فإن دولتهم هي من تقدم الأجور، والجزائر تكتفي بتقديم أجر المناوبات، بعض المردوديات.


فرنسا تترصد وتغازل


واقع الصحة في الجزائر، دفع بفرنسا إلى تقديم تحفيزات وتسهيلات لاستقطاب الأطباء الجزائريين للعمل في مستشفياتها.

ففي الـ25 من يناير/كانون الثاني 2018، قررت الحكومة الفرنسية، إسقاط شهادة المعادلة من شروط توظيف الأطباء الوافدين إليها من الجزائر، وهو التحفيز الذي اعتبره المتتبعون مسيلاً للعاب وسيكون فرصة لامتصاص العقول الجزائرية.

ويشكل الأطباء الجزائريون أكثر من 25% من الأطباء الناشطين في فرنسا، أي ما يقارب 15 ألف طبيب.

ويتم التركيز على الكفاءات الطبية الجزائرية، بحسب ممثل العاصمة في تنسيقية الأطباء المقيمين محمد طاليب في تصريح لهاف بوست عربي "بالنظر إلى التكوين الذي يكون في الجزائر باللغة الفرنسية، وهذه نقطة مهمة لدى الفرنسيين".

كما أنه يضيف "العقول الجزائرية في مختلف التخصصات الطبية أثبتت كفاءتها في المستشفيات الفرنسية، وهو ما كان بمثابة المسهل الأول لإلغاء شهادات المعادلة من ملفات توظيف الأطباء الجزائريين في فرنسا".


استفزاز أم منافسة مشروعة؟


بعد ربط التحفيزات الأخيرة من قبل الحكومة الفرنسية لاستقطاب العقول الجزائرية في مجال الطب، بالتدخل واستفزاز الحكومة، اعتبر إلياس مرابط رئيس النقابة الجزائرية لممارسي الصحة العمومية، أن الخطوة ما هي إلا دعم لواقع الصحة في فرنسا".

وقال مرابط لهاف بوست عربي "نعرف أن فرنسا بلد القوانين والدساتير والحريات، فهي تسعى دائماً لتحسين أوضاعها ليس فقط في المجال الصحي، بل في كل المجالات، لذا فإلغاء شهادة المعادلة هي استراتيجية لتحسين منظومتها الصحية أكثر".

وقال أيضاً "لا يمكن ربط ما قامت به فرنسا، بعامل التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، أو استفزازا للحكومة أو الأطباء، فالجزائر قادرة على مواجهة مثل هذه القرارات بتحسين واقع الطبيب في بلده، فلا يعقل أن يتحصل الطبيب الجزائري على منحة لا تكفيه حتى في استئجار بيت".


"سوف نبقى هنا كي يزول الألم"


الضغوط الجزائرية، والإغراءات الفرنسية، لم تؤثر في الأطباء المقيمين في الجزائر، والذين ينوون مواصلة النضال كما سموه من أجل تحسين واقع الصحة من خلال تحسين واقع الطبيب.

ورد الأطباء على تهديدات حكومتهم، وإغراءات الحكومة الفرنسية، بفيديو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال إنشاد جماعي لرائعة "سوف نبقى هنا".

وقال محمد طايلب ممثل أطباء العاصمة في تنسيقية الأطباء المقيمين لهاف بوست عربي، "بأن الأطباء غير آبهين بما بدر من الجزائر كتهديدات، أو من فرنسا كإغراءات، لأن احتجاجات هذه المرة جاءت لتحسين واقع الصحة في الجزائر، ووجب الالتفاف لتحقيق هذه المطالب".

وقال الطبيب المقيم لهلالي موفق "احتجاج اليوم، هو بناء لمنظومة صحية سليمة، ونحن اليوم أمام مهمة نبيلة لتحسين واقع الصحة، لا للهروب إلى الخارج وترك الأمور مريرة داخل البلد".

ويضيف "ليست الماديات هي التي قادتنا لهذه الاحتجاجات كما يروج لها البعض، بقدر ما هي غيرة على واقع المستشفيات والمراكز الصحية، وأنا شخصياً لا أفكر في ترك بلدي إلا أذا سدت جميع الأبواب والنوافذ".


الوزارة: استجبنا لمطالبهم


وزارة الصحة في الجزائر، عمدت إلى تنظيم ندوة صحفية، في 4 فبراير/شباط 2018، أكدت فيها بأن الوزير أصدر تعليمات للتكفل بجملة المطالب التي قدمها الأطباء المقيمون، وتعني أيضاً الأطباء المتخصصين".

وقال المفتش العام للوزارة عمر برجوان، إن الوزارة استجابت للمطالب خاصة المتعلقة بالخدمة المدنية، ومن أهمها توفير السكن الوظيفي قبل تعيين الطبيب المقيم بالولايات النائية، والترخيص للتجمع العائلي مع ضمان أجواء "محفزة" خلال أدائها".

كما استجابت الوزارة لمطالب أخرى كالحق في الاستفادة من الخدمات الاجتماعية وتخصيص يوم في الأسبوع للتكوين البيداغوجي، وكذا دمج الأطباء المقيمين ضمن اللجان الوطنية للخبراء".

الأطباء اعتبروا أن ما تطرقت إليه الوزارة هي حقوق كانت مهضومة، فالقانون كما قال الطبيب المقيم لهلالي موفق "يكفل هذه النقاط منذ 30 عاماً، إلا أن هناك أسباباً ملتوية جعلت الطبيب لا يستفيد منها".

تنسيقية الأطباء المقيمين اتهمت الوزارة بعدم الجدية، وقال ممثل الأطباء في العاصمة محمد طايلب "كل مفاوضاتنا كانت مع لجنة ترفع يدها عن أي مطلب نقوم بتقديمه، وتقول إن هذا من صلاحيات الوزير، هذا الأخير الذي عجز عن تنظيم لقاء وحوار جاد لإنهاء المشكلات التي يعرفها القطاع قبل الأطباء المقيمين".

وبين التصريحات الرسمية للمسؤولين الجزائريين وتواصل إضرابات الأطباء ومطالبهم، تتواصل معاناة المرضى، خاصة من ذوي الأمراض المزمنة.