لا يمكن تخبئة الطائرات في الحظيرة..كيف تحمي الحكومات أراضيها وبياناتها الحساسة من التصوير بالأقمار الصناعية؟

تم النشر: تم التحديث:
SATELLITES
Satellite orbiting earth, photo-realistic high-res 3D rendering | cristimatei via Getty Images

خلال الحرب الأميركية في العراق، استخدمت وكالات الأنباء والتلفزيونات قصصاً خبرية وتغطية باستخدام صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، التي أعطت لقراء الصحف ومشاهدي التلفزيون منظوراً جديداً للحرب، يعوض نقص المعلومات من أرض الواقع!

تقليدياً كان التصوير بالأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد عمل حكومي وحتى عسكري، لكن استخدام الشركات الخاصة للستالايت توسع كثيراً في مجالات الإعلام والأبحاث والتجارة والاتصالات وغيرها، ولدينا حالياً 2,271 قمراً صناعياً في مدارات حول الأرض.

DigitalGlobe هي شركة تجارية أميركية لصور الفضاء ومحتوى الجغرافيا المكانية، وهي تعمل أيضاً كمشغل للمركبات الفضائية المدنية للاستشعار عن بعد، تعطي الشركة لعملائها ومنهم مخططو المدن وشركة أمازون وFBI والاستخبارات الأميركية وحتى جوجل إيرث وخرائط آبل صوراً حية وعالية الجودة ومحدثة للمواقع التي يريدونها.


لا يمكن تخبئة الطائرات في الحظيرة بعد اليوم.. كيف تتحكم الحكومة الأميركية في صور الأقمار؟


خلال الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفيتي، وضع الجيش الأميركي طائرات تجسس "شبح"، أطلق عليها اسماً رمزياً معيناً في منطقة قاحلة تسمى 51 حول بحيرة مجففة بأميركا، وأدى موظفو المشروع القسم متعهدين بالحفاظ على السرية التامة للمشروع، لكن المسؤولين الأميركيين كانوا قلقين للغاية من أن السوفيت يمكن أن يعرفوا بالطائرة والمشروع السري عبر الأقمار الصناعية والكاميرات المثبتة عليها.

وللحفاظ على سرية الأمر، كان المهندسون يقومون بمتابعة حركة الأقمار الصناعية ونقل الطائرات السرية إلى حظائر خاصة، عندما يتوقعون مرور الأقمار الصناعية فوق المنطقة!

لكن هذا الحل المؤقت الذي كان يناسب عالماً لا توجد فيه إلا مجموعة قليلة من الأقمار الصناعية لا يصلح حالياً في عالم به أكثر من ألف مدار حول الأرض به المئات من الأقمار الصناعية المزودة بكاميرات مراقبة تابعة لدول أميركا وأوروبا وإفريقيا واليابان والهند والصين وروسيا وغيرها، ولا شيء يمنعهم من التقاط الصور لأكثر المواقع سرية وخصوصية، حسب تقرير لموقع wired الأميركي.

ولكن الحكومة الأميركية لديها طرق أخرى لتقييد المعلومات والصور. فيمكن ضبط ما تحصل عليه الشركات أو إصدار أمر منع التصوير لموقع معين.

فعندما أقرّ قانون سياسة الاستشعار عن بعد للأرض في أميركا في بداية التسعينيات، كان العالم مكاناً أصغر وأبسط، وكانت صناعة التصوير بالأقمار الصناعية طريقة مختلفة. يقول والتر سكوت، مؤسس DigitalGlobe وكبير التقنيين في شركة Maxar Technologies التي اشترت DigitalGlobe في العام الماضي: لقد سمح القانون للشركات الخاصة بحق الحصول على بيانات عن الأرض من الفضاء، كان هذا عام 1992.

ويشكل هذا القانون أساس النظام الحكومي للاستشعار عن بعد في أميركا، لكنه احتفظ للحكومة بحق "السيطرة على الكاميرات"، وإذا قالت الحكومة إنه يجب عليك إغلاق القمر الخاص بك فعليك أن تستجيب"، يقول سكوت.


بالقانون أم بالشيكات.. كيف منعت أميركا الآخرين من التقاط صور لأفغانستان أثناء الحرب؟


لكن الحكومة الأميركية لم تستخدم هذا الحق القانوني لإغلاق أي قمر، لكنها فعلت شيئاً آخر، فعندما شنَّت أميركا حرب أفغانستان قامت السلطات بشراء "الحق الحصري" من قمر إكونوس الفضائي عالي الدقة، لكل الصور الملتقطة لأفغانستان وهي الوحيدة عالية الدقة المتاحة في السوق الأميركية، مما يجعل من المستحيل عملياً لأي شخص أو جهة أخرى في أميركا مراقبة أفغانستان عبر الأقمار الصناعية الخاصة، وسميت هذه الخطوة "بالمراقبة عبر دفتر الشيكات"، حسب تقرير موقع wired .

يقول سكوت إن الحكومة اتبعت طريقة "نود منك أن تلتقط هذه الصورة، ولكن لا تجعلها متاحة علناً، بل حصرية لنا فقط".

ولم تنته هذه المعركة حول الحق في بيع وشراء الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية الخاصة حتى الآن، فعلى سبيل المثال قامت الشركة ذاتها أيضاً باستخدام الأشعة تحت الحمراء للتصوير من الفضاء، وهذا شيء رائع، لأنه يستطيع تحديد مواقع وحركة الكائنات بدقة عالية للغاية، لكن الشركة لا يمكنها بيع هذه البيانات بحسب السلطات.

في الوقت نفسه فإن بلداناً أخرى تعمل في التصوير من الفضاء والأقمار الصناعية، لا توجد فيها نفس اللوائح والقوانين الأميركية، وتستطيع الشركات غير الأميركية العمل فيها والحصول على بيانات لا تسمح السلطات الأميركية بنشرها.


التصوير بالأقمار الصناعية عالي الجودة، بماذا يفيد؟


هناك استخدامات كثيرة للتصوير والأقمار الصناعية بينها الأرصاد الجوية، وعلم المحيطات والبيئة، وصيد الأسماك، والزراعة، وحفظ التنوع البيولوجي ومراقبة الغابات والمناظر الطبيعية، والجيولوجيا، ورسم الخرائط، والتخطيط الإقليمي والحضري للمدن والمناطق، والتعليم، والاستخبارات والحصول على معلومات، والحرب والأمن. ويمكن أن تكون الصور بألوان واضحة أو بطرق أخرى.

وتقوم تطبيقات الاستشعار عن بعد المتخصصة بتحليل الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية وتفسيرها.

ويستخدم التصوير بالأقمار الصناعية في تطبيقات مدنية وعسكرية مختلفة، بينها أيضاً رصد الكوارث وتخطيط المشاريع الإنشائية والنقل وتوجيه الدفاع المدني، وتستخدم أيضاً للتنقيب عن المعادن والبترول واستخراجها.

وتختلف صور الأقمار الصناعية تبعاً للأداة والتكنولوجيا المستخدمة وارتفاع مدار القمر. فعلى سبيل المثال، يوفر أرشيف قمر لاندسات صوراً متكررة بوضوح 30 متراً من سطح الأرض، ويحتاج أكثر من أسبوعين للعودة لنفس النقطة بعد إكمال دورته في المدار حول الأرض.

وفي بعض الأحيان تستكمل صور الأقمار الصناعية بالتصوير الجوي، الذي يتسم بدرجة عالية من الدقة، ولكنه أكثر تكلفة لكل متر مربع. ويمكن الجمع بين صور الأقمار الصناعية وبيانات الأقمار الصناعية مع أحداثيات المواقع في نظم المعلومات الجغرافية GPS، شريطة أن تكون الصور قد تم تصحيحها مكانياً بحيث تتماشى مع البيانات الأخرى.

وفي الصحافة نحن نعتمد كثيراً على صور الأقمار الصناعية، فمثلاً نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، مطلع فبراير/شباط الحالي، قصة من ميانمار اعتمدت فيها على الصور الملتقطة بالقمر الصناعي التابع لـDigitalGlobe
myamnmar
حيث تظهر قرية تسمى غو دار بينفي ميانمار قبل وبعد الدمار، وتقول وكالة أنباء أسوشيتد برس إنه حسب شهادات من عشرين ناجياً في مخيمات اللاجئين ممن وصلوا إلى بنغلاديش، وتحليل صور الأقمار الصناعية، فإن هناك أكثر من خمسة مقابر جماعية لم يتم الإبلاغ عنها سابقاً، في القرية بينما اعترفت حكومة ميانمار بمقبرة جماعية واحدة فقط منها قالت إنها تحتوي على 10 إرهابيين.