جولة لـ"تيلرسون" في الشرق الأوسط لرسم الوضع ما بعد داعش.. لكن لن يستطيع تحقيق أهداف أميركا بسوريا لهذه الأسباب

تم النشر: تم التحديث:
REX TILLERSON
| Jaime Saldarriaga / Reuters

صرَّح مسؤولون ودبلوماسيون أميركيون، الخميس 8 فبراير/شباط 2018، بأنَّ وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، سيسافر إلى مصر والكويت والأردن ولبنان وتركيا الأسبوع القادم، في جولةٍ تُركِّز على الاستقرار وإعادة الإعمار بعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، بحسب تقرير لموقع "مونيتور" الأميركي.

ويحذِّر خبراء ودبلوماسيون أميركيون سابقون من أنَّ غموض أهداف واشنطن فيما يتعلَّق بسوريا ما بعد داعش، قد يتسبَّب في مشكلاتٍ لصانعي السياسة. وهم يشعرون بعدم ارتياحٍ من قول إدارة ترامب إنَّها تنوي إبقاء نحو 2000 من القوات الأميركية شرق سوريا إلى أن تُحقِّق أهداف سياستها الأوسع في سوريا.

وبحسب الموقع الأميركي، فإن هذه الأهداف، على النحو المُبيَّن في الخطاب الذي ألقاه تيلرسون الشهر الماضي (يناير/كانون الثاني 2018)، لا تتضمَّن منع عودة داعش فحسب؛ بل كذلك التصدي للوجود الإيراني في سوريا، وردع التهديد الإيراني لحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وإفساح المجال أمام عودة اللاجئين، وطرح تسوية سياسية لسوريا ما بعد الحرب، من شأنها أن تؤدي إلى رحيل بشار الأسد.

وحذَّر روبرت فورد، السفير الأميركي السابق لدى سوريا، من أنَّ القوات الأميركية شرق سوريا لا تمنح واشنطن نفوذاً كافياً لفرض النتائج السياسية في الجزء الغربي من سوريا الخاضع لسيطرة الأسد، وحيث يعيش معظم السكان، بصورةٍ مجدية. في الوقت نفسه، وفقاً لفورد، قد تصبح القوات والمسؤولون المدنيون الأميركيون الذين يعملون على إرساء الاستقرار شرق سوريا، أهدافاً للعنف بغية توليد معارضةٍ سياسية داخل أميركا لمواصلة وجودهم هناك، بحسب موقع "مونيتور".

وقال فورد، الزميل بمعهد الشرق الأوسط، للـ"مونيتور"، في مقابلةٍ الثلاثاء 7 فبراير/شباط 2018: "في ظل وجود بعثة عسكرية غير محددة المعالم ولا تحظى بدعم الشعب في الداخل.. لا أدري مدى التسامح الذي يمكن أن يُقابل به سقوط ضحايا. ولن تُحقِّق إدارة ترامب شيئاً. ثُمَّ سيبدأ الضغط".

وأضاف: "التصور الأميركي بأنَّنا قادرون على الانخراط في الدبلوماسية لإنهاء الحرب، ينبغي له تذكُّر أنَّ العمليات العسكرية في الحروب تُمثِّل عاملاً حاسِماً بالنسبة للنفوذ الدبلوماسي. وإن كنت ستحاول التأثير على الحرب الأهلية الأوسع، فإنَّ مسرح العمليات الرئيسي هو غرب سوريا، حيث يوجد السكان. لكن الأميركيين موجودون في شرق سوريا. ومن ثم، فليس لديهم نفوذٌ دبلوماسي لإنهاء الحرب الأوسع نطاقاً".

تيلرسون في القاهرة ومِن بعدها الكويت

وبعد زيارته للقاهرة أولاً، سيحضر تيلرسون مؤتمرين يُعقَدان في الكويت بين 12 و14 فبراير/شباط 2018: مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق، والاجتماع الوزاري للتحالف الدولي لمحاربة داعش، وفقاً للسفير الأميركي لدى الكويت لورانس سيلفرمان.

وقال سيلفرمان في أثناء مائدة مستديرة إعلامية: "ربحنا أغلب الجهود العسكرية ضد داعش، المتمثلة في تحرير العراق وسوريا بالكامل تقريباً، لكنَّنا بحاجة لربح صراع ما بعد الحرب؛ لإلحاق هزيمة دائمة بداعش والقاعدة في المنطقة".

وأضاف: "أعتقد أنَّنا عند نقطة تحوُّل، نقطة أساسية لترسيخ المكاسب، وضمان هزيمة داعش والقاعدة، واستعادة الحياة الطبيعية"، بحسب الموقع الأميركي

وبعد الكويت، سيزور تيلرسون الأردن، حيث يُتوقَّع أن يُوقِّع مذكرة تفاهم للمساعدات والمعونات الأميركية لمدة 5 سنوات، وفقاً للكاتب داود كتَّاب بموقع "مونيتور". ويوم الإثنين 5 فبراير/شباط 2018، قدَّمت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأميركي قانون توسيع التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة والأردن. وقالت راعية مشروع القانون، النائبة إليانا روز ليتينين، وهي نائبة جمهورية عن ولاية فلوريدا، إنَّ هدف مشروع القانون هو "دفع القطاع الخاص في المملكة ومساعدة اقتصادنا"، وذلك وفق ما ذكره المُعلِّق بالـ"مونيتور" بريانت هارس.

وذكرت جويس كرم، الكاتبة بصحيفة ذا ناشيونال الإماراتية، أنَّ تيلرسون سيُجري بعد ذلك زيارة من يومٍ واحد إلى العاصمة اللبنانية بيروت في 15 فبراير/شباط 2018. ويوجد القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد ساترفيلد، بالفعل، في لبنان؛ للإعداد لزيارة تيلرسون.

وسيسافر تيلرسون بعد ذلك إلى تركيا، حيث يحاول المسؤولون الأميركيون والأتراك تسوية العديد من الخلافات، بينها الهجوم التركي الأخير ضد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً في عفرين السورية، وتهديد أنقرة بالسيطرة على منبج، بحسب الموقع الأميركي.

وبينما يحضر تيلرسون الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي لمحاربة داعش في الكويت الأسبوع المقبل، من المقرر أن يلتقي وزراء دفاع التحالف بروما في 14 فبراير/شباط 2018 تقريباً. وستستضيف واشنطن بعد ذلك اجتماعاً لكبار مسؤولي إنفاذ القانون بدول التحالف الدولي لمحاربة داعش بين 27 و28 فبراير/شباط 2018.

على أميركا خفض سقف أهدافها في سوريا

وتأتي جولة تيلرسون في وقتٍ يقول فيه فورد وخبراء آخرون بالشأن السوري، إنَّ الولايات المتحدة عليها خفض سقف أهدافها في سوريا والاستفادة من الفوائد التي حصلت عليها، وإلا فإنَّها تخاطر بالتحسُّر لاحقاً.

فقال فورد: "هكذا أنظر إلى الأمر، من واقع خبرتي في العمل بالخارج، هناك في مناطق كالعراق وسوريا والجزائر في أثناء الحرب الأهلية بالتسعينيات. حين تضع العسكريين في موقفٍ حرج، وتضع بعض مدنيي وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية في موقفٍ حرج، سيلاحظ الأشخاص السيئون هذا، وفي نهاية المطاف، سيصبح هؤلاء العسكريون والمدنيون أهدافاً"، بحسب الـ"مونيتور".

وأضاف: "يمكنك اتخاذ إجراءات جيدة لـ(حماية القوة).. لكنَّهم سيصبحون أهدافاً في نهاية المطاف، وسيكون هناك تساؤل بعدما نبدأ في الحصول على ضحايا: كم المدة التي ترغب في البقاء هناك فيها؟".

وتابع فورد قائلاً إنَّ الرئيس رونالد ريغان أمر بالانسحاب الفوري للقوات الأميركية بعد تفجير ثكنات قوات مشاة البحرية (المارينز) في بيروت عام 1982. وبعد الإدلاء بشهادته أمام لجنة فرعية تابعة للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب بخصوص سوريا الثلاثاء 6 فبراير/شباط 2018، عبَّر عن إحباطه العميق مما يبدو من كون الكونغرس يطرح الأسئلة نفسها التي كان يطرحها في عام 2011 حول الوضع السوري، وكونه لا يزال غير مدركٍ مدى تغيُّر الوضع على الأرض، وأنَّه (الوضع) تقرَّر بفعل المكاسب العسكرية لصالح الأسد. ووصف عملية جنيف، التي ترعاها الأمم المتحدة، باعتبارها "ميتة".

وقال المحلل العسكري نيكولاس هيراس إنَّ إدارة ترامب تحاول الاستفادة من حضورها الحالي شرق سوريا وسيطرتها على حقول نفطٍ سورية حيوية، لتعزيز موقفها في المساعدة على الدفع بحلٍ سياسي في سوريا، بحسب الموقع الأميركي.

وقال هيراس، الذي يعمل بمركز الأمن الأميركي الجديد، للـ"مونيتور"، في مقابلةٍ جرت الأربعاء 7 فبراير/شباط 2018: "الطريقة التي أنظر بها إلى استراتيجية ترامب في سوريا.. وما حاولوا فعله عبر خطاب تيلرسون، هو أنَّهم يضعون رؤية واسعة ويشيرون إلى الوضع النهائي الحقيقي الذي يتطلَّعون إليه".

وأضاف: "ما نراه الآن من حيث الموقف الأميركي في سوريا يهدف حقاً إلى استهداف مرحلة الاستقرار المؤقتة؛ لاستخدام الحضور الأميركي حيث هو الآن كوسيلةٍ لإظهار التصميم والالتزام الأميركيَّين بالصراع السوري، وأيضاً إرسال إشارة أكبر لتحالف الأسد، خصوصاً إيران وروسيا، بأنَّ الولايات المتحدة استثمرت في سوريا. وتدرك الولايات المتحدة أنَّ لديها موقفاً ونصيباً في مستقبل سوريا، ولديها رأي في كيفية تطور هذا المستقبل"، بحسب الموقع الأميركي.

الأهداف الأميركية الغامضة

وفي حين كان العديد من المحللين قلقين حيال ما بدت تعريفاتٍ غامضة للأهداف الأميركية المُعبَّر عنها في سوريا، وضمن ذلك ما تعنيه برغبتها في تقليص الحضور الإيراني هناك- أشار هيراس إلى أنَّ ذلك أمرٌ مقصود.

فقال هيراس: "أعتقد أنَّ فريق ترامب يصبح غامضاً عن عمد حين يتعلَّق الأمر بما يعنيه (تقليص إيران) في هذه المرحلة؛ لأنَّه يرغب في الإبقاء على المرونة العملياتية".

وفيما يتعلَّق بالانتخابات الرئاسية المقبلة في 2020، وافق هيراس على أنَّ التطورات على الأرض قد تُحدِّد ما إذا كانت هناك معارضة سياسية متنامية داخل الولايات المتحدة للوجود الأميركي في سوريا أم لا. لكن، كما قال هيراس، إن كان الضحايا قليلين، فربما تُنسى مسألة الوجود الأميركي في سوريا إلى حدٍ كبير. وقال: "إذا ما نُسيَت هذه المسألة، فقد تَدُسّ إدارة ترامب حضوراً صغيراً لأجلٍ غير مُسمَّى".

لكنَّ فورد قال إنَّ استخدام القوات الأميركية شرق سوريا لإظهار "التصميم" الأميركي، لن ينجح. وقال إنَّ التهديدات الأميركية والغربية بوقف مساعدات إعادة الإعمار للمناطق السورية الخاضعة لسيطرة الأسد -على الأرجح- لن تحمله على تقديم تنازلاتٍ سياسية كبيرة.

وأضاف: "لم يُقدِّم الأسد أي تنازلٍ حقيقي طوال 7 سنوات، وضمن ذلك للأكراد. ويمتلك الإيرانيون والروس مصلحة قومية حيوية في التأكُّد من عدم انهيار الحكومة السورية اقتصادياً. لقد رأيتُهم مراراً يُقدِّمون القروض والمساعدات السلعية؛ صحيح لم يُقدِّموها عن طيب خاطر، لكنَّهم قدَّموها مراراً. والأسد يعي ذلك".