أبرمت صفقات بـ6 مليارات دولار خلال شهرين.. الجزائر تغازل الشركات النفطية الأجنبية بمراجعة قانون المحروقات.. فهل تنجح؟

تم النشر: تم التحديث:
OIL ALGERIA
| Bloomberg via Getty Images

شرعت الجزائر في العمل على مراجعة قانون المحروقات الحالي، بغرض استقطاب الشركات الأجنبية للاستثمار في قطاع النفط ورفع مداخيلها المالية.

ورغم أن الحكومة لم تحدد سقفاً زمنياً لإنهاء التعديلات اللازمة على النص القانوني الجديد، فإن العديد من المؤسسات النفطية العملاقة، قطعت خطوة استباقية وشرعت في إبرام عقود شراكة لاستغلال الحقول النفطية.

وعانت الجزائر صدمة تهاوي أسعار النفط في السوق الدولية، باعتباره المصدر الرئيسي لاقتصادها، حيث تراجعت مداخليها بأكثر من 50 في المائة في السنوات الأخيرة، وهو ما جعلها تبحث عن مسالك جديدة لإنعاش قطاع الطاقة.


بداية العزوف


في 21 يناير/كانون الثاني 2014، دعت وزارة الطاقة وسائل الإعلام إلى ندوة صحفية، في أحد فنادق العاصمة الجزائر، وأعلن الوزير يوسف يوسفي، آنذاك، إطلاق المناقصة الدولية الرابعة للاستكشاف والتنقيب النفطي والغازي وغير التقليدي.

ونُشرت في اليوم الموالي تفاصيل الصفقات المستقبلية على صفحات الجرائد كإشهار مدفوع التكاليف.

بعد أسابيع قليلة، بدت النتيجة مخيبة للغاية، حيث لم تتلقَّ الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات(النافت)، سوى 4 أظرف، تمثل 4 مؤسسات أجنبية حازت استغلال 4 حقول من أصل 31 حقلاً طُرحت للمنافسة، وبلغت قيمة الاستثمارات 270 مليون دولار.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من السنة ذاتها، أعلنت وكالة النفط عن مناقصة خامسة بحثاً عن مستثمرين أجانب، ولكن دون جدوى.

هذا العزوف الأجنبي عن الاستثمار في قطاع الطاقة بالجزائر، تزامن مع صدمة سقوط أسعار النفط مثل أهرام الرمل، حيث فقد البرميل الواحد 50 في المائة من قيمته بظرف قياسي، لتجد البلاد نفسها أمام مطرقة الأسعار المنخفضة وتراجع المستثمرين الأجانب والذي تبعه انخفاض الإنتاج.

وفقدت الجزائر إيرادات مالية بقيمة 96 مليار دولار منذ النصف الثاني لسنة 2014، كنتيجة لتراجع أسعار النفط، ما أثَّر بشكل حاد في الوضع الاقتصادي العام، وأجبر الحكومة على إقرار سياسة تقشف صارمة.


تعديل 2013 لم ينفع


فشل المناقصة الدولية، جاء عقب إدخال الحكومة الجزائرية تعديلات على قانون المحروقات سنة 2013، ما يعني أن البنود المعدلة لم تحصد النتيجة المأمولة، ولم تقنع الشركاء الأجانب لمجمع سونطراك في ضخ أموال في آبار النفط والغاز جنوب البلاد.
ويخضع قطاع الطاقة في الجزائر حالياً لقانون يوليو/تموز 2006، وكان يُراد من إدراج تعديلات عليه الاستجابة لانشغالات بعض الشركات الأجنبية قصد استقطابها.


القانون مرة أخرى


ويبدو أن الحكومة الجزائرية لا ترى غير سبب واحد لعزوف المستثمرين الأجانب عن قطاع المحروقات، وهو قانون المحروقات المعمول به حالياً.

حيث صرح الوزير الأول، أحمد أويحيى، خلال زيارته لمجمع نفطي ضخم بغرب البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 2017، بضرورة مراجعة النص القانوني، قائلاً: "حان الوقت للجزائر أن تقوم بتعديل قانون المحروقات؛ لجلب الشركاء، ولترقية مداخيل البلاد في مجال الطاقة"، وتابع الى أنه من "الضروري إعادة قراءة هذا القانون وفق الرهانات الحالية على الصعيد الاقتصادي".

واعتبر وزير الطاقة، مصطفي قيتوني، خلال حوار أجرته معه قناة "النهار" الخاصة، في 22 يناير/كانون الثاني 2018، أن اجراءات تعديل القانون اكتملت لدى الحكومة، وأنها شرعت في العمل على إدخال التغييرات المناسبة.

وأوضح قيتوني أن خفض الضريبة المفروضة على نشاط الشركات الأجنبية تمثل أولوية في المراجعة؛ لأن "ضريبة 140 دولاراً للبرميل لا يمكن أن تُطبَّق على سعر 60 دولاراً للبرميل حالياً"، مؤكداً أنها يجب أن تتماشى مع السعر.

في المقابل، أكد أن الجزائر لن تتخلى عن القاعدة السيادية للاستثمار (51/49)، التي تشتكي منها العديد المؤسسات الأجنبية.

وسرد الوزير تفاصيل لقاء جمعه في الوزارة بالمستثمرين الأجانب، حول سبب عزوفهم عن الاستثمار في الجزائر، وقال: "كلهم أجمعوا على المشكل الأساسي لنفورهم؛ وهو البيروقراطية التي يتم التعامل بها مع ملفاتهم".

الرئيس المدير العام لشركة سونطراك، عبد المومن ولد قدور، صرح بدوره لوكالة الأنباء الرسمية في 21 يناير/كانون الثاني 2018، عن تعديل قانون المحروقات، بقوله: "مراجعة قانون المحروقات ملف ثقيل، ويجب أخذ الوقت اللازم للتكفل به كما ينبغي. هذه المراجعة تتطلب الكثير من الوقت والاهتمام والخبرة. يجب إيجاد أشخاص متمكنين، ولا ينبغي أن نخطئ مرة أخرى"، ملمحاً بذلك إلى أخطاء كثيرة ارُتكبت في الماضي.

وكشف ولد قدور عن تشكيل خلية عمل لمراجعة القانون المذكور، قائلاً: "نحن نستمع للجميع، ونعمل معاً في إطار فوج عمل مكون من (سوناطراك) والوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات (النافت)، ووزارة الطاقة؛ للتمكن من الخروج بقانون جديد"، مشيراً إلى أن الانتهاء من هذه المهمة قد يكون نهاية 2018.


6 مليارات دولار في شهرين؟


وأبرمت شركة سونطراك، منذ ديسمبر/كانون الأول 2017، عدة اتفاقيات مع مؤسسات عالمية تنشط في مجال النفط، أبرزها عقد تطوير حقل حاسي الخروف بجنوب شرقي البلاد مع شركة "سيبسا" الإسبانية بقيمة 1.2 مليار دولار.

وقبلها، وقَّعت الشركة ذاتها عقوداً جديدة مع "إيني" الإيطالية، و"بي بي" البريطانية، و"توتال" الفرنسية، كما تعتزم شركتا "ستات أويل" النرويجية و"إيكسون موبيل" الأميركية العودة إلى العمل في الجزائر وتحقيق استثمارات ضخمة ومستقرة.

كل هذه التطورات الإيجابية، حدثت قبل تعديل قانون المحروقات، فهل يكفي إبداء النية في استقطاب الشركات النفطية؟

لا يرى المختص في الشؤون الطاقوية صالح سليماني، أن عزوف أو استقطاب الأجانب لقطاع الطاقة مرتبط أساساً بالقانون، وأوضح لـ"هاف بوست عربي" أن تقلبات الأسعار تلعب دوراً رئيسياً.

وقال سليماني: "في 2014، تعرضت الجزائر، مثل غيرها من الدول المنتجة للنفط، لصدمة انهيار الأسعار التي كانت قوية جداً، والشركات الأجنبية كلها أصبحت لا ترى جدوى في التنقيب والاستكشاف؛ لأن الربح انخفض كثيراً؛ وهو ما نجم عنه العزوف".

أضاف المتحدث: " منذ ديسمبر/كانون الأول 2017، أبرمت (سونطراك) عقوداً مع شركات عالمية بقيمة 6 مليارات دولار، والقانون لم يعدَّل بعد، وذلك يرجع إلى تعافي الأسعار تدريجياً".


الأمر أكبر من القانون؟


وحسب صالح سليماني، فإن استعادة قطاع الطاقة الجزائري جاذبيته، لا تتوقف على مراجعة القانون، "الذي تعترف الحكومة بأنه لم يعد صالحاً لجلب المستثمرين الأجانب"؛ بل يجب امتلاك نظرة بعيدة المدى.

وأضاف المتحدث: "فهْمُ القصة جيداً، هو ما يفسر تلك الاتفاقيات الموقعة منذ ديسمبر/كانون الأول 2017، والشريك الأجنبي يبحث عن رؤية واضحة عند إبرام العقد من أجل ضمان ربحه"، وذلك من خلال صلابة العقود، حيث وجدت (سونطراك) نفسها في مواجهة العديد من المؤسسات الأجنبية على مستوى المحاكم الدولية؛ بسبب وجود ثغرات قانونية افقدتها الملايين من الدولارات".

وربط العزوف السابق في الشركات الأجنبية بالتغييرات المتتالية لمديري "سونطراك" ووزراء الطاقة، قائلاً: "السوق النفطية متقلبة أصلاً، فما بالك إذا امتد الأمر إلى الإطارات المسيّرة".

ولا يرى سليماني مشكلاً في التعديلات المتكررة لقانون المحروقات، شرط الاتفاق المسبق مع المستثمر، مفيداً بأن" دولاً تعدِّل قوانينها كل سنة؛ لأن لديها سيادة، ومن حقها رفع الجباية عندما ترتفع الأسعار، ولكن بشرط الشفافية مع الشريك الأجنبي.

وتنتج الجزائر نحو 1.2 مليون برميل من النفط يومياً، وقلَّصت حصتها بـ50 ألف برميل يومياً؛ تنفيذاً لاتفاق منظمة أوبك والمنتجين خارجها.