بيت للنساء "القابلات" في ليبيا.. مهنة اندثرت وأحيتها الظروف الاقتصادية الصعبة رغم الانتقادات

تم النشر: تم التحديث:
MIDWIFE
Report In Rouen Maternity Hospital. (Photo By BSIP/UIG Via Getty Images) | BSIP via Getty Images

ليس بعيداً عن وسط المدينة، عند أول منعطف على يمين الإشارة الضوئية بناصية شارع
"السجل المدني" كما يسميه أهل مدينة طبرق (شرق ليبيا).. فقط 10 خطوات إلى الأمام على طريق ترابي واسع، وسط حارة قديمة، تحجب أشجار الصنوبر الضخمة أشعة الشمس الدافئة عن برك الماء التي يخلفها أقل قدر من أمطار الشتاء هنا، ستجد نفسك أمام "بيت القابلات"، اسم لم يوضع عبثاً على لافتة ورقية فوق باب هذه العيادة المختلفة كلياً، والتي اتخذت من بيت عتيق بطابق واحد في حي المطار القديم مقراً لها.

كلمة "بيت" اختيرت لكونها دلالة على الاهتمام والطمأنينة والرعاية.. وهي أجواء تحسها وأنت تدخل البيت، القائمات على المشروع يحرصن على توفيرها لنزيلاتهن الفارّات من سوء الخدمات وسوء المعاملة أيضاً في المستشفيات العامة، والهاربات من غلاء الأسعار بالعيادات الخاصة، كما تخبرنا إيمان محمد، التي تترقب مولودها الثاني خلال أسابيع، فبعد تجربة تصفها بأنها "صعبة" و"مكلفة مادياً" مع إحدى العيادات الخاصة في مرة سابقة، قررت هذه المرة خوض مغامرة بيت القابلات.

clinic libya

منى الصابر، القابلة الخبيرة التي قضت أكثر من 20 سنة في مهنتها التي ورثتها عن جدتيها لأمها وأبيها، هي أيضاً إحدى المشرفات على المشروع، الذي انطلق في فبراير/شباط من 2017، أي قبل سنة كاملة، غير أن الفكرة راودتها هي وصديقتها "جندية" في أثناء سنوات الدراسة قبل 20 سنة في معهد التمريض والقبالة في المدينة، بإيعاز من إحدى المعلمات والتي نفذت الفكرة حينها في مدينة البيضاء غرب طبرق، كما تخبرنا منى الصابر، بعد مقابلة تأجلت أكثر من مرة؛ بسبب انشغالها المستمر بالعمل الذي أحبَّته منذ الصغر.


معارضة "أهل الاختصاص"


رغم رواج الفكرة واستقبال أكثر من 150 حالة تم توليدها بشكل طبيعي خلال السنة الأولى، فإن "بيت القابلات" لم يكن مقبولاً من ذوي الاختصاص، كما تقول منى الصابر لـ"هاف بوست" وهي منهمكة في فحص رضيع أشرفت على ولاته قبل أيام، "واجهنا حرباً شرسة من قِبل الأطباء وأصحاب العيادات الخاصة، وحاولوا إخافة الناس منا، وحرَّضوا علينا بشكل مباشر وغير مباشر، الرقابةَ والحرس البلدي؛ لإيقافنا عن العمل، لكننا رغم ذلك كسبنا ثقة الناس، وأسعارنا تعد رمزية (400 دينار) أمام ما تطلبه العيادات الخاصة هنا".

شكاوى واتهامات لم يردَّ عليها أي من المسؤولين في المدينة بشكل رسمي، رغم محاولات "هاف بوست عربي" طرق أبوابهم، غير أن طالبة السنة الأخيرة بكلية الطب في جامعة عمر المختار، نجاة عطية، فسرت الأمر، قائلةً: "لست ضد القبالة كوظيفة، وتحديداً عندما أُضِيف التخصص ضمن تخصصات كلية التمريض، ليتم تصحيح ودعم هذه الخبرات الموروثة بأساس أكاديمي، ولكني لا أؤيد فكرة استقلالها، وفتح مكان خاص بها، دون اللجوء إلى طبيب أخصائي النساء والتوليد".

نجاة، مع عدد من زملاء الدراسة، ترفض الأمر؛ بسبب ما تراه خطورة ومسؤولية واحتياج تجهيزات مهمة، تفتقر إليها حتى كبرى العيادات الخاصة في المدينة، "فما بالك ببيت القابلات، فكثير من الحالات يتم تحويلها من تلك العيادات إلى مركز المدينة الطبي لخطورتها".

نجاة عطية، المتحفزة للعمل الطبي، وهي تحضر لحفل تخرُّجها بعد بضعة أيام، تصرُّ على أن الصورة الأمثل هي أن يتم تعيين القابلة بشكل رسمي كمساعدة أخصائي النساء والولادة، فكما تقول، هي من ناحيةٍ صاحبة تخصص وخبرة مقارنة بطاقم التمريض العام، ومن ناحية أخرى هي تحت إشراف الأخصائي، وفي ظل تجهيزات طبية نوعاً ما ملائمة.

اتهامات تحاول دحضها منى الصابر، التي تؤكد أن المركز الذي فُتح بمجهودات ذاتية، لا يقدم خدمة مختلفة، "هذه طريقة أمهاتنا وجدَّاتنا منذ قديم الزمان.. صحيحٌ حافظنا على هذا التقليد، لكننا نقدمه أيضاً بطرق حديثة تضاهي المستشفيات والعيادات الخاصة، وجميع الإمكانات متوافرة لدينا، ونحن نتابع الحالات مع الأطباء في عياداتهم، ولدينا فكرة عن التحاليل والصور الطبية، ونتمتع بخبرة كبيرة في هذا المجال، من خلال عملنا سنوات طويلة في المستشفيات العامة والخاصة كمساعدات لأطباء النساء والتوليد، ولدينا تنسيق مع مركز تحاليل مختص.. ومن خلال الفحوصات الأولية، نقرر استمرار الحالة معنا من عدمه، ففي الحالات التي تحتاج أخصائياً نقوم بتوجيه الحامل مباشرة إلى طبيب مختص".


حب المهنة


رغم تشكيك الأطباء وأهل الاختصاص في جدوى المشروع، فإن القابلات المشرفات عليه يدافعن بشغف عن مهنتهن ويعتبرنها حلاً لمشاكل كثير من النساء، اللاتي من ضمنهن إيمان محمد، التي تثق بالقائمات على البيت، حيث تقول: "وجدت هنا من الاهتمام والمعاملة الحسنة ما لم أجده في أي عيادة عامة أو خاصة هنا، فتجربتي الأولى مع العيادات لم تكن جيدة بتاتاً، فأخطاء التشخيص وقلة الاهتمام أجبرتني على إجراء عملية قيصرية ما زلت أعاني آثارها حتى اليوم، ولا أرغب في تكرارها حقيقةً حتى لو أنجبت في بيت وعلى يد قابلة، ولو كنا في القرن الـ21".

أما عن المخاطر الطبية التي تخشاها النساء الحوامل هنا، فتردَّ منى الصابر: "نحن لا نستقبل أي حالة قبل التأكد من وضعها الصحي والإحاطة بملفها كاملاً، وكثيراً ما نقوم بتحويل حالات إلى المركز الطبي العام، خاصة المصابات بالأنيميا وفقر الدم الحاد، أو في حال ظهور علامات نزيف في أثناء الولادة، ككبر حجم الجنين أو أي علامات غير طبيعية عليه، مما قد يستدعي تدخلاً جراحياً.. كذلك، نحوِّل كل المصابات بأمراض مزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، وكل الحالات التي تستدعي وجود أخصائيين وغرفة ولادة مجهزة. أما حالات الإجهاض والولادة المبكرة، فتذهب مباشرة إلى المركز الطبي العام، فحتى العيادات الخاصة لا تستقبل هذه الحالات".

midwife

يأخذ التعب من المرأة الأربعينية مأخذه بعد ساعات من العمل المضني، الذي تعتبره سر الحياة وسر سعادتها على الأقل، وتُنهي حديثها المليء بالحماسة والذكريات مع "هاف بوست عربي" وهي تستعد للدخول إلى غرفة الولادة ببيت القابلات، حيث بانتظارها صرخة حياة جديدة، يتجدد معها كل يومٍ شغفُ المهنة وحبُّ العمل رغم التعب ورغم الانتقادات، التي تعرف منى الصابر أنها لن تتوقف.