"تمصير حلايب" ووقف استيراد البضائع المصرية أبرز نقاط الخلاف.. عودة السفير السوداني للقاهرة مرهونة بـ"خارطة الطريق" في اجتماع مصيري

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT SUDAN
Anadolu Agency via Getty Images

تشهد القاهرة، الخميس 8 فبراير/شباط، حدثاً سياسياً قد يشكل محوراً مفصلياً في علاقات مصر والسودان، التي شهدت توترات كثيرة في الآونة الأخيرة، على خلفية ملفات ثنائية وإقليمية، ويتمثل في اجتماع "اللجنة السياسية والأمنية" التي وافق عليها الرئيسان المصري والسوداني في لقائهما الأخير.

واتفق الرئيسان عمر البشير وعبدالفتاح السيسي، أواخر يناير/كانون الثاني الماضي بأديس أبابا، على تكوين لجنة سياسية أمنية لمتابعة القضايا العالقة بين البلدين، وأعلنت الخارجية المصرية في بيان لها، أن "الاجتماع رباعي بين وزيري الخارجية ومديري أجهزة الأمن والمخابرات، يوم الخميس بالقاهرة".


المطالب السودانية


وقالت مصادر سياسية ودبلوماسية سودانية لـ"هاف بوست عربي"، إن هذه الاجتماعات ستكون حاسمة، ولن يقبل السودان معاملته بـ"الطريقة المصرية القديمة"، القائمة على "التهدئة دون حلول"، وإن السفير السوداني بالقاهرة عبدالمحمود عبدالحليم قد لا يعود للقاهرة قبل حلحلة الخلافات.

ولم يعد السفير السوداني لمصر حتى صباح الخميس 8 فبراير/شباط، وتشير توقعات إلى أنه لن يشارك في مفاوضات اليوم، ويعد استدعاؤه وعدم عودته حتى الآن علامة عدم رضا السودان عن سير العلاقات، خاصة أن مصر لم تستفسر من السودان عن سبب استدعائه، وتجاهلت الأمر، ما زاد من غضب الخرطوم، بحسب المصادر.

وأكدت المصادر -التي رفضت ذكر اسمها- أن وزيري خارجية ومديري مخابرات البلدين سيناقشان "خارطة طريق"، سيتم رفعها إلى الرئيسين السيسي والبشير، باعتبارهما المسؤولين عن حل الخلافات، بخاصة أزمة حلايب وشلاتين.

وذكرت أن السودان يَعتبر أهم وأول قضية في هذه الخارطة هي "حلايب ثم حلايب ثم حلايب"، بعدما بدأت القاهرة ما سموه "تمصيراً لحلايب"، عبر مشاريع مصرية، وتجنيس وغيره، بحسب قولهم.

وأشارت إلى أن القضية الثانية الأهم على الخارطة من جانب السودان، ستكون "شتائم الإعلام المصري للسودان"، والإساءات التي بلغت مبلغاً غير منطقي، بالهجوم على السودان والرئيس البشير، ونشر كارتون مهين له.


المطالب المصرية


على الجانب المصري، أكد مصدر دبلوماسي وآخر سياسي لـ"هاف بوست عربي"، أن البند الأول على الأجندة المصرية بخصوص خارطة الطريق التي سيتم مناقشتها اليوم هو "القرارات السودانية الأخيرة ذات الطابع السياسي"، فيما يخص منع وعرقلة استيراد البضائع والسلع من مصر، يليها المخاوف المصرية من تسليم الخرطوم جزيرة "سواكن" لتركيا لإدارتها.

وتقول المصادر المصرية -التي فضَّلت عدم ذكر اسمها أيضاً لحساسية الوضع- إن حلايب مصرية بموجب وثائق دولية، وتختلف عن تيران وصنافير التي يطالب السودان بالتعامل مع حلايب بمثلها، وإن القاهرة رفضت مناقشة مطالبين سودانيين بالتفاوض حولها سياسياً، أو إحالتها للتحكيم الدولي.

وأضافت أن الجانب المصري سوف يعرض موضوع وقف استيراد الخرطوم للمنتجات المصرية، الذي يعتبره "قراراً سياسياً وليس فنياً"، ويضر العلاقات الشعبية بين البلدين، ويعتبر قطيعة اقتصادية.


تعليمات للإعلام المصري بالتهدئة


وأبلغ صحفيون في صحف حكومية وخاصة مصرية "هاف بوست عربي"، أنهم علموا أن "تعليماتٍ" وصلت إلى مسؤولي الإعلام المصري بالتوقف عن تناول السودان في تعليقاتهم، أو الإساءة له، أو الحديث عن قضية حلايب، فيما عدا التصريحات الرسمية.

وقال مدير تحرير صحيفة خاصة لـ"هاف بوست عربي"، سبق أن هاجمت السودان، إنهم غيَّروا بالفعل اللهجة ضد السودان هم وبعض وسائل الإعلام المصرية في الأسابيع الماضية، واختفى هجومهم على السودان، وحلت محلها التصريحات الرسمية فقط، وتبدَّل الحديث من الهجوم إلى الحديث عن العلاقات الحميمة بين البلدين، وعن التاريخ والمصير المشترك.

وتقول الباحثة في الشؤون الإفريقية أماني الطويل، إن وقف استيراد السلع المصرية تسبب في رفع أسعار السلع داخل السودان، وإن وقف الاستيراد ليس في صالح السودان، ولكنه قرار سياسي رداً على رفض مصر حل مشكلة حلايب والتصعيد الإعلامي ضدها.

وقالت في تصريحات لـ"هاف بوست عربي"، إن المشكلة الأكبر التي تؤرق مصر هي التقارب السوداني التركي القطري، والذي يتعارض مع وحدة الأهداف المصرية والسودانية ومواجهة البلدين "تهديداً مشتركاً" من منطقة الغرب، وتهديدات واسعة تتطلب تحالفاً وتضامناً لا تغييرات في التحالفات الإقليمية لصالح أطراف من خارج الإقليم.

فيما يؤكد الباحث في مركز الشرق الأوسط (الحكومي) طارق فهمي، أن العلاقات بين البلدين في حاجة إلى حوار استراتيجي حقيقي، بشأن القضايا التي تثير القلاقل، ولكن "بعيداً عن قضية حلايب وشلاتين"، بحسب قوله.

ويعتبر "فهمي" في تصريحات لـ"هاف بوست عربي"، أن استدعاء الحكومة السودانية سفيرها في مصر للتشاور، ووقف استيراد الخرطوم البضائع من مصر هي قرارات تصعيدية، في وقت تسعى فيه مصر للتهدئة للحفاظ على العلاقات، ويتوقع أن يسفر اللقاء عن "طريقة جديدة للتعامل مع الخلافات"، دون تفصيل.

واشعلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسودان، حرباً كلامية عنيفة بين القاهرة والخرطوم، بعد انتقادات لاذعة وجهتها وسائل إعلام مصرية للزيارة، والحكومة السودانية، ورد سفير السودان بالقاهرة عبدالمحمود عبدالحليم على الحملة الإعلامية، واصفاً الإعلاميين المصريين بـ"الغوغائية والحمقى".


الخلافات مؤجلة لما بعد انتخابات الرئاسة


وحول رغبة القاهرة في عدم التصعيد حالياً في خلافاتها الخارجية مع السودان أو إثيوبيا، فيما يخص حلايب وشلاتين وسد النهضة، واستهداف نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي "تهدئة" الأمور لحين انتهاء الانتخابات الرئاسية وتوليه الرئاسة لفترة ثانية 4 سنوات، أبلغ مصدر سياسي سوداني "هاف بوست عربي" أن "السودان يتفهم ويتوقع ذلك".

وأوضح أن "السودان لا يجد غضاضة أن ينتظر انتهاء الانتخابات، لأنه يدرك أنها تحتاج هدوءاً، لكنه يتوقع بالمقابل استجابة مصرية لمطالب السودان"، ويتمنى عدم استمرار مسلسل "تنويم" القضية، وسط تلميحات بألا يعود السفير لو استمر التدهور، وقد يصل الأمر لتغييرات في العلاقات الدبلوماسية.

وذكر المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد أبو زيد، أن اجتماع الخميس لإنشاء "آلية تشاورية رباعية بين وزارتي الخارجية وجهازي المخابرات العامة في البلدين، لتعزيز التضامن والتعاون بين البلدين الشقيقين، في إطار العلاقة الاستراتيجية التي تجمع بينهما، والتعامل مع كافة الملفات والقضايا المرتبطة بمسار العلاقة الثنائية في مختلف المجالات، فضلاً عن إزالة أية شوائب قد تعتري تلك العلاقة".


تمصير حلايب


وتدور هواجس سودانية بشأن حلايب وما يحدث بها في الفترة الأخيرة من عملية "تمصير كبيرة للمثلث"، منها بعض الإجراءات المصرية التي أزعجت واستفزت الجانب السوداني، منها زيارة وزير الأوقاف المصري للمدينة، وافتتاح مشروعات مصرية عديدة هناك، وعمليات "تجنيس" لقاطني المنطقة، بحسب روايات سودانية رسمية.

وعقب لقاء السيسي والبشير، والتعليمات المصرية لوسائل الإعلام بالتهدئة، فوجئ رواد معرض القاهرة الدولي للكتاب، القائم حالياً بوضع "خيمة حلايب وشلاتين"، لإثبات علاقتها بمصر، وأنها جزء منها، حيث شهدت الفعاليات رقصاً شعبياً وغناء، ما أغضب سودانيين هاجموا حكومتهم، التي تحدثت عن علاقات مقدسة مع مصر عقب لقاء الرئيسين.


وعرض السودان على مصر حلين للمشكلة هما: التفاوض المباشر لتحديد مصيرها أو التحكيم، بيد أن مصر ترفض الحلين، وتقول إنها أرض مصرية.

وقال اللواء محمد نور الدين، الخبير الأمني لـ"هاف بوست عربي"، إن زيارة وزير الأوقاف لحلايب "تحدٍّ وردٌّ واضح على زيارة أردوغان للسودان، وتأتى للتأكيد على أن حلايب وشلاتين كلها مصرية".

بيد أنه توقّع أن تهدأ الخلافات بين "الشقيقتين" عقب لقاء السيسي والبشير، والاجتماع بين وزيري الخارجية ومديري المخابرات.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، أعلن قائد القوات البحرية المصرية، الفريق بحري أحمد خالد سعيد، يتم التخطيط لبناء قواعد بحرية جديدة بمسرحي البحر المتوسط والبحر الأحمر، ليصبح للقوات البحرية القدرة على استقبال كافة الأنواع والطرازات من الوحدات البحرية والغواصات، التي انضمت بالفعل للخدمة والمخطط انضمامها مستقبلاً.

وتردد أن مصر ستقوم بتشييد خمس قواعد بحرية جديدة على كل من البحر الأحمر والمتوسط، أهمها قاعدة حلايب وشلاتين على البحر الأحمر، وهو ما زاد من القلق السوداني، رغم أن الجيش المصري يسيطر على حلايب بالكامل منذ 1985.

وسبق أن اتهم الرئيس السوداني مصر، في مايو/أيار 2017، بدعم التمرد في دارفور، بعد ضبط عشرات المدرعات والأسلحة المصرية مع قوات هاجمت شمال وشرق دارفور.


سد النهضة مستبعد بعد تسجيل "شكري"


وحول احتمالات مناقشة اجتماعات الغد قضية سد النهضة، علمت "هاف بوست عربي" أنها قضية مؤجلة، على اعتبار أنها قضية ثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، لا ثنائية بين البلدين، وإن كان سيدور حولها نقاش سريع حول توحيد الرؤي في أزمة سد النهضة.

وكانت أنباء أشارت لطلب مصر من إثيوبيا استبعاد السودان من المفاوضات الخاصة بسد النهضة، وهو ما نفاه المستشار أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، وقال "إنه على العكس من ذلك تماماً، فإن الاقتراح الذي تقدمت به مصر بطلب مشاركة البنك الدولي كطرف محايد في مفاوضات اللجنة الثلاثية الفنية، قد تقدمت به مصر بشكل رسمي للحكومة السودانية أيضاً".

ولم تعقب الخرطوم على هذه الأنباء، بيد أن مصادر بالخارجية السودانية كشفت أن الواقعة صحيحة، بأن السودان حصل على تسجيلات بتصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري في أديس أبابا، التي عرض فيها مقترحه بشأن البنك الدولي واستبعاد السودان.

وقالت المصادر إن "الجانب السوداني أسمع شكري تسجيلاته التي طلب فيها ذلك من إثيوبيا، وقلنا له إننا طرف وسيط، فكيف تقول هذا، وإنه قال إن تصريحاته فهمت ونقلت خطأ".

وفي السياق ذاته نفت القاهرة والخرطوم ما أشيع حول موافقة مصر على طلب إثيوبي بملء سد النهضة في 3 سنوات، خلال زيارة الرئيس السيسي الأخيرة لإثيوبيا، وأنه السبب وراء قوله إنه تم "حل المشكلة.. مبروك".

وتحدث السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية، في تصريحات عرضية للصحف والفضائيات المصرية، وأستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة د. نادر نور الدين عن اتفاق مصر وإثيوبيا على حجز 15 مليار متر مكعب من المياه سنوياً عن مصر والسودان، لمدة 3 سنوات.


وأشارا إلى تنازل مصر عن زراعة الأرز مدة ثلاث سنوات، واستيراده من الخارج، بدعوى أن زراعة الأرز تستهلك 7.5 مليار متر مكعب مياه، هي الحصة التي ستتنازل عنها مصر سنوياً، وأن الاتفاق نصَّ على أن حصة مصر ستزيد إلى 59 مليار متر مكعب بعد ثلاث سنوات كتعويض.


جزيرة "سواكن" أزمة خلافية


وتعتبر القاهرة اتفاق البشير وأردوغان على تخصيص جزيرة "سواكن" ذات الموقع الاستراتيجي، والواقعة في البحر الأحمر لتركيا تطوراً يضر بأمن مصر القومي، خاصة بعد أنباء تحويلها لقاعدة عسكرية تركية، فيما تنفي الخرطوم أي إضرار بمصر، أو تحويل الجزيرة إلى قاعدة عسكرية.

وقال مسؤول سياسي سوداني في اتصال هاتفي مع "هاف بوست عربي"، من الخرطوم، إن "السودان لا يقبل مناقشة علاقاته مع تركيا"، ويرى أن "مصر فهمت الأمر بشكل خاطئ، ولا يوجد أي قواعد عسكرية، وسواكن ليس بها قواعد"، معقباً: "هذا كلام ساذج، فهي منطقة صغيرة لا تحتمل أصلاً أماكن إعاشة لقاعدة عسكرية، ثم لمن ستقام القاعدة أصلاً لمواجهته؟ مصر التي هي شقيقتنا؟".

وحول تصريحات السودان بأنه جاهز لصد أي عمل عدائي على الحدود الشرقية، أشار المسؤول السوداني أن "منطقة الحدود بها مشكلة كبيرة تتعلق بتهريب بشر وعملة وذهب، وفي فترة من الفترات صار حديث عن توتر على الحدود بسبب حشد من متمردي دارفور ومرتزقة"، ولكنه أوضح أن التوتر على الحدود تقلّص الآن.