بأمر وزارة الشؤون الدينية.. مؤذِّنو تونس يلتحقون بمعاهد الموسيقى كشرط لتعيينهم

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

مَن مِن التونسيين لم يطرب لسماع صوت الشيخ علي البراق في تلاوته للقرآن، خاصة في شهر رمضان؟

فقد درجت العادة عند أهل تونس أن تجلس العائلة قرب التلفزيون قبل أذان المغرب بدقائق؛ للإنصات إلى صوته، وهو يتلو آيات قرآنية وفق قواعد التلاوة التونسية برواية قالون عن نافع المدني. ويُعرف عن الشيخ علي البراق أنه كان مرتلاً دقيقاً في مخارج الأحرف، ملتزماً بـ"الطبوع التونسية" (الطبوع تعني المقام)، كما أنه أول من افتتح البث الإذاعي التونسي سنة 1938.

بقي الشيخ علي البراق، الذي تُوفي عام 1981، في ذاكرة التونسيين؛ نظراً إلى الطابع التونسي الأصيل الذي يصبغ تراتيله القرآنية، وقد يكون ذلك من أحد الأسباب التي دفعت وزارة الشؤون الدينية في تونس إلى قرار، فريد من نوعه على المستويَين العربي والإسلامي؛ وهو إلحاق مؤذِّني المساجد بمعهد الرشيدية للموسيقى العربية؛ ليتعلموا المقامات الموسيقية، التي تسمى في تونس "الطبوع"، وبها يتم رفع الأذان في الأوقات الخمسة، كل له مقامه أو "طبعه".

فقد صرح وزير الشؤون الدينية التونسي، أحمد عظوم، لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، بأن "الوزارة تتجه نحو تدريب المؤذِّنين التونسيين بمعاهد الموسيقى في أنحاء الجمهورية بالكامل؛ وذلك (لتحسين جودة الأذان)، خاصة في الأحياء المكتظة بالسكان والمساجد القريبة من المجمعات السكنية".

وأضاف أن "لتونس موروثاً هاماً من المؤذِّنين والقرّاء، بينهم علي البراق ومحمد البراق وعثمان الأنداري ومحمد مشفر، الذين تربَّت أجيال من التونسيين على أصواتهم وعلى طريقة تجويدهم للأذان وللقرآن الكريم، بحيث ستعمل الوزارة على تدريب جيل جديد من المؤذِّنين وفق هذا الموروث".

ورغم أن البعض من التونسيين رأى أن هذا القرار "غريب"، من وزارة تُعنى بالشأن الديني، إلا أن أمر تدريب المؤذِّنين والمقرئين في المعاهد الموسيقية أمر ليس بجديد في تونس.

وقال وزير الشؤون الدينية: "كان المؤذِّنون في السابق يتدربون في معهد الرشيدية للموسيقى على طُرق النطق التونسي السليم لمخارج الحروف حسب المقامات التونسية".

وقد لاقى هذا القرار استحسان العديد من الناشطين على الشبكات الاجتماعية، الذين عبروا عن ترحيبهم ودعمهم للفكرة.

من الناحية العملية، لم تبدأ الوزارة بعدُ في تنفيذ هذا التوجه؛ بل اقتصرت تحركات الوزارة مؤخراً على لقاءٍ جمع وزير الشؤون الدينية بمدير معهد الرشيدية للموسيقى العربية يوم الثلاثاء 6 فبراير/ شباط 2018؛ وذلك "لتحديد المطلوب بدقة من مدرسي الموسيقى حتى يقدموه للمؤذنين"، حسب تصريح خالد بن سلامة عضو الديوان الوزاري بوزارة الشؤون الدينية.

وأضاف بن سلامة في تصريحه لـ"هاف بوست عربي"، أنهم سوف يبحثون مع المتخصصين بالموسيقى المدة المطلوبة للتكوين وكيفية القيام بها، وهل سيكون ذلك في تونس العاصمة فقط أم بالجهات أيضاً.

وأكد أن هذا القرار يعود إلى سببين؛ الأول هو ملاحظات الناس في الأحياء السكنية، فقد قدم العديد منهم نوعاً من الشكاوى من بعض أصوات المؤذنين، خاصة في وقت صلاة العشاء أو صلاة الصبح. فبعض العائلات لها منازل ملتصقة بمساجد، وقد يكون صوت المؤذن أحياناً مُؤذِياً لسمع الأطفال أو كبار السن.

أما السبب الثاني، فهو توجُّه الوزارة الجديد في الحفاظ على الهوية التونسية بالترتيل والأذان. فقد لاحظت الوزارة استعمال العديد من المؤذنين التونسيين أنماطاً غريبة عن الأُذن التونسية في الأذان.

وذكر أن هذا "ليس استهدافاً لنمط معين من ثقافة الأذان، وإنما للحفاظ على الموروث والطابع التونسي في الأذان وتلاوة القرآن أيضاً".

وبالعودة إلى مميزات الطابع التونسي بالأذان والترتيل، فإن القواعد المستعملة في الترتيل والأذان كلها مستوحاة من الطبوع التونسية المتنوعة، خاصة منها "طبع الحسين"، وهو البياتي في الشرق، و"طبع الإصبعين" وهو مقام الحجاز، و"طبع الذيل" الذي يقرب من مقام الرست الموسيقي، و"طبع المحير سيكا" الذي يقابله مقام النهاوند، وغيرها من المقامات والطبوع.

وقال أستاذ الموسيقى بمعهد الرشيدية علي الميلي، إن الطبوع التونسية هي عبارة عن تلخيص للمزاج؛ إذ هناك مزاج مرح، وآخر حزين، وآخر خاشع، وآخر منضبط أو جدي، وآخر بين بين.

وأضاف في تصريحه لـ"هاف بوست عربي"، أنه يرى أن العودة إلى تدريب الأئمة، كما كان في السابق، على النغمات التونسية "سوف يحسِّن أداءهم، ويرغِّب الناس في الاستمتاع بالأذان، وذلك سيزيد من تحفيزهم على الذهاب إلى المسجد والصلاة مع الجماعة"، على حد وصفه.

وقال: "كان المؤذِّنون في الستينيات والسبعينيات يأتون إلى الرشيدية لتعلُّم المقامات، ليس للغناء وإنما لتحسين الأذان، فالأذان يشبه الموال بشكل أو بآخر:. واستشهد هنا بالأستاذ صباح فخري، الذي بدأ مشواره الفني كمؤذِّن، وصوته نُحت وصُقل في أثناء أدائه الأذان 5 مرات باليوم.

يبقى إلى الآن قرار تدريب الأئمة على "الطبوع التونسية" تحت الدرس والتباحث، وهو قرار في نظر البعض له مميزات أعمق من مسألة تحسين أداء المؤذنين، فالقرار يُحيل إلى توجُّهات جديدة في وزارة الشؤون الدينية نحو إعادة صياغة رؤية جديدة لعلاقة المواطنين بالطقوس الدينية.