يرتدون ملابس كاجوال ويستعدون للعودة إلى وظائفهم في باريس وبروكسل.. آلاف الدواعش يتهربون من سوريا لكنّ آخرين يتأهبون للحرب

تم النشر: تم التحديث:
ISIS
STRINGER Iraq / Reuters

نجا الآلاف من المقاتلين الأجانب في تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وأفراد أُسرهم من الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة شرقي سوريا، وفقاً لتقديراتٍ سرية جديدة من جانب وكالاتٍ استخباراتية أميركية وغربية، الأمر الذي يُهدِّد بتبديد التصريحات الأميركية بأنَّ التنظيم قد قُضي عليه إلى حدٍ كبير.

وبينما يفرُّ العديد من المقاتلين، بلا قيود، إلى مناطق جنوبية وغربية عبر خطوط الجيش السوري، ذهب البعض وفق صحيفة The New York Times للاختباء بالقرب من العاصمة السورية دمشق، وفي شمال غربي البلاد، بانتظار الأوامر التي يرسلها إليهم قادة التنظيم عبر قنوات اتصالاتٍ مُشفَّرة.

وينشق بعض المقاتلين الآخرين الذين صقلتهم المعارك التي خاضوها -وبعضهم مُدرَّبون على استخدام الأسلحة الكيماوية- عن التنظيم وينضمون إلى فرع تنظيم القاعدة في سوريا. بينما يدفع مقاتلون آخرون عشرات الآلاف من الدولارات لمُهرِّبين لمساعدتهم على التسلُّل بهدف العودة في نهاية المطاف إلى ديارهم بأوروبا.

وفق The New York Timesتأتي هذه التقديرات المُقلِقة رغم الجهود المتضافرة لمحاصرة مقاتلي داعش و"إبادتهم" -على حد قول وزير الدفاع جيمس ماتيس- في مدينة الرقة السورية التي أعلنها التنظيم عاصمةً له، والتي سقطت في الخريف الماضي، وملاحقة المتمردين الآخرين الذين فرُّوا من جنوب سوريا إلى وادي نهر الفرات باتجاه الحدود مع العراق.

وقالت كريستين نيلسن، وزيرة الأمن الداخلي الأميركية، في تصريحاتٍ أدلت بها في العاصمة الأميركية واشنطن: "يفر مقاتلو داعش من سوريا والعراق، ويعمل الجهاديون سراً وينتشرون في ملاذاتٍ آمنة أخرى، من بينها الإنترنت، ويعودون إلى بلدانهم".

وقال الجنرال بول سيلفا، نائب رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، للصحفيين، الأسبوع الماضي، إنَّ قيادات داعش المتبقية -حتى وإن كانت هاربة- ما زالت لديها اتصالات "قوية إلى حدٍ كبير" مع شبكتها الخفية من المقاتلين الفارين حالياً.


التنظيم ما زال قادراً على دفع أتباعه لشن هجمات


وبينما سلَّط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الضوء على تحرير كل الأراضي تقريباً من تنظيم داعش بسوريا والعراق، في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الأسبوع الماضي- قال مسؤولون عسكريون واستخباراتيون أميركيون إنَّ التنظيم ما زال قادراً على دفع أتباعه لشن هجماتٍ وتمكينهم من تنفيذها. ويبدو أنَّ ترامب اعترف بذلك في خطابه، حين قال: "هناك الكثير للغاية من العمل الذي يجب تأديته".

وقال مُحلِّلون إنَّهم يرون كذلك علاماتٍ على أنَّ مقاتلى داعش يتبنّون تكتيكات حروب العصابات لترويع المدنيين.

فقال أوتسو إيهو المحلل البارز في مركز جين لمكافحة الإرهاب والتمرد بشركة آي إتش إس ماركت للمعلومات والتحليلات في العاصمة البريطانية لندن: "يتحول التنظيم إلى تنظيمٍ سري يعتمد أكثر على تكتيكات مختلفة، مثل تنفيذ تفجيرات انتحارية ضد مناطق خاضعة لتأمين الحكومة العراقية، مثل العاصمة العراقية بغداد".

واستشهد إيهو بهجومٍ انتحاري مزدوج وقع في بغداد الشهر الماضي (يناير/كانون الثاني 2018)، وأسفر عن مقتل نحو 36 شخصاً وإصابة 90 آخرين. يُذكر أنَّ الهجوم وقع في ساحةٍ مزدحمة ببغداد، حيث يتجمَّع عُمَّال المياومة بحثاً عن عمل.


بضعة آلاف فرّوا إلى الصحاري


وصحيحٌ أنَّه يصعب تحديد عدد المقاتلين الذين فرّوا إلى صحاري سوريا أو العراق وما وراءها، لكنَّ بعض المحللين الأميركيين والغربيين في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب المُطَّلعين على تقديراتٍ سرية، قدَّروا عددهم ببضعة آلاف. وقال محللون إنَّ العديد من مقاتلي داعش يسافرون مع زوجاتهم وأطفالهم، الذين ربما صاروا متطرفين في أثناء سيطرة داعش على المنطقة أكثر من 3 سنوات، وقد يُشكِّلون تهديداتٍ أمنية كذلك.

في ديسمبر/كانون الأول 2017، قال الكولونيل ريان ديلون، المتحدث باسم التحالف الدولي الذي تقوده أميركا بالعراق وسوريا، في مؤتمرٍ صحفي مع صحفيي وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون): "يُرجِّح بعض قادة النظام السوري في شرق سوريا أنَّ مقاتلي داعش"، من وادي نهر الفرات الأوسط، "ربما تسللوا عبر الدفاعات السورية والروسية سهلة الاختراق للوصول إلى مناطق قريبة من دمشق".، حسب The New York Times.

ورداً على سؤالٍ من جانب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، في أواخر الشهر الماضي (يناير/كانون الثاني 2018)، عن دلائل تشير إلى فرار نحو 1000 مقاتل من داعش وأفراد أسرهم من منطقة نهر الفرات في الأيام الأخيرة- أجاب ديلون في بيانٍ، قائلاً: "نعلم أنَّ النظام السوري سمح لمقاتلي داعش بالتسلل عبر منطقة عملياته، لكنَّنا لا نستطيع تأكيد أي حوادث أو عمليات مزعومة تجري خارج منطقة عملياتنا".

وقال مسؤولون أميركيون وغربيون آخرون إنَّ نحو 40 ألف مقاتل من أكثر من 120 بلداً شاركوا في القتال بسوريا والعراق على مرِّ السنوات الأربع الماضية. وبينما لقي الآلاف من هؤلاء المقاتلين حتفهم في ساحات المعارك، قال مسؤولون إنَّ عدة آلاف آخرين نجوا على الأرجح، وربما تمكَّنوا من الفرار سراً إلى الصراعات الدائرة في ليبيا أو اليمن أو الفلبين، أو ذهبوا للاختباء في دول أخرى. ووفقاً لما ذكره مسؤولون أميركيون، يُعتقَد أنَّ 295 أميركياً سافروا إلى العراق أو سوريا أو حاولوا ذلك.

قال جيل دي كيرشوف، مُنسِّق شؤون مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، إنَّ من بين أكثر من 5000 أوروبي انضموا إلى صفوف داعش، عاد قرابة 1500 شخص إلى بلدانهم، من بينهم الكثير من النساء والأطفال، ومعظم البقية لقوا مصرعهم أو ما زالوا يقاتلون.


سيعودون إلى وظائفهم في باريس وبروكسل وكوبنهاغن


وقال الجنرال بول سيلفا: "تُعَد فكرة أنَّ هؤلاء المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في ذلك القتال أكثر من عامين، سيغادرون سوريا بهدوء ويعودون إلى ممارسة وظائفهم في إدارة المتاجر بباريس وبروكسل وكوبنهاغن- أمراً مثيراً للسخرية. فهذه مشكلةٌ حرجة جداً".

ومع ذلك، جاء عدد مقاتلي داعش الذين يعودون إلى ديارهم في أوروبا وشمال إفريقيا، أقل بكثير من المتوقَّع، وفقاً لما ذكره مسؤولون في مجال مكافحة الإرهاب. ويرجع ذلك جزئياً إلى أنَّ إدارة ترامب كثَّفت تركيزها على منع المقاتلين من التسلُّل من الرقة والموصل، اللتين كانتا معقلهم في العراق، بالإضافة إلى أنَّ عدد المقاتلين الذين قاتلوا حتى الموت كان أكثر من المتوقَّع، فضلاً عن استسلام المئات في الرقة.

وقد أُسِر المئات من المقاتلين الآخرين وتحتجزهم الميليشيات المدعومة أميركياً شمال سوريا، ما يثير المخاوف بين مسؤولي الجيش الأميركي من إمكانية خلق أرض خصبة للمتطرفين، مُكرِّرين بذلك خطأً أمنياً رئيسياً في حرب العراق.

لكنَّ التقديرات الجديدة، التي تُعزِّزها تقارير من المحللين والمهربين في المنطقة، تشير إلى أنَّ مقاتلي داعش يفرّون إلى مناطق أكثر ضيافةً بسوريا والعراق، أو إلى بلدان ثالثة يمكنهم التواري عن الأنظار فيها.


داعش يريد أن يبقى قوياً


وبعيداً عن التفجيرات الانتحارية في بغداد، تُظهِر ضربةٌ جوية أميركية كبرى الشهر الماضي (يناير/كانون الثاني 2018)، استمرار مرونة وتهديد داعش، وفقاً لمسؤولين عسكريين.

وقال الجيش الأميركي إنَّ طائرات من دون طيار مسلحة من طراز ريبر، ومقاتلات إف-18 تابعة للبحرية الأميركية، منطلقة من حاملة الطائرات "ثيودور روزفلت"- نفَّذت ضربة في 20 يناير/كانون الثاني 2018، بقرية الشفة السورية في وادي نهر الفرات، أسفرت عن مقتل نحو 150 مقاتلاً.

واعتمدت الضربة، التي تُعَد واحدة من كبرى الهجمات الجوية ضد داعش في 3 سنوات، على معلوماتٍ استخباراتية جُمِعَت على مدار أسبوع تقريباً. ووفقاً لمسؤولي الجيش، استهدفت الضربة مبنيَين كبيرين كانا يُستخدمان كمقر قيادةٍ ومركزٍ للتوزيع الإعلامي.

وقد أصاب حجم وتركُّز المقاتلين، المسؤولين الأميركيين بالدهشة. فقال الجنرال جيمس جرارد، قائد قوات العمليات الخاصة في التحالف الدولي، ببيان: "احتوى مقر داعش تركُّزاً كبيراً لمقاتلي داعش، الذين بدوا كأنَّهم كانوا يحتشدون من أجل التحرك"، حسب صحيفة The New York Times.

وقالت قيادة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بالعراق، في البيان نفسه: "يستمر داعش في إظهار قدرته على حشد أعداد كبيرة في محاولته لاستعادة معقلٍ له بسوريا".

وقال أحمد رمضان، رئيس مركز الفرات لمكافحة العنف والإرهاب بإسطنبول، إنَّ داعش لا يزال حاضِراً في العديد من القرى شرق نهر الفرات، النهر الذي يُعَد الخط غير الرسمي الفاصل بين القوات السورية المدعومة روسيّاً غرب النهر والميليشيات السورية المدعومة أميركياً شرق النهر. وقال في محادثة جرت عبر موقع فيسبوك: "ينتشر داعش هذه الأيام في مختلف أنحاء سوريا".


يفرّون للعودة إلى بلدانهم التي أتوا منها


ّ

وقالت الحكومة ومحللون مستقلون في سوريا وواشنطن، بينهم معهد دراسات الحرب، إنَّه توجد تجارة مزدهرة لتهريب مقاتلي داعش، حيث يعتقد مسؤولو الاستخبارات أنَّهم يتصلون بخلايا نائمة.

ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو منظمة مستقلة مقرها بريطانيا، دفع كبار عملاء داعش من الرقة ودير الزور رشىً تصل إلى 20 و30 ألف دولار للحصول على ممراتٍ آمنة.

أضاف أبو عمر أنَّ عدد مقاتلي داعش والقادة الكبار الفارّين، ومن ضمنهم الكثير من الأجانب، ازداد على مدار الصيف حين بدأ الهجوم، المدعوم أميركياً، على الرقة.

وقال في رسالة عبر تطبيق واتساب: "صُدِمتُ حقاً حين رأيتهم. كانوا يرتدون ملابس كاجوال وسراويل جينز كلاسيكية والكثير من القلائد، في محاولة للتنكُّر قدر ما يستطيعون. لقد أخفوا جوازات سفرهم في أحذيتهم. وحَلَقوا تماماً؛ ما كنت ستظن أنَّهم من داعش قط. لم يكونوا يتحدَّثون اللغة العربية، فقط بضع كلمات".