"حمَّالات البضائع" في مدينة مليلية الواقعة بين قارتين.. رحلة المرأة المغربية للبقاء على قيد الحياة

تم النشر: تم التحديث:
MERCHANDISE CAMPAIGNS MOROCCO
socail

تفرض ظروف الحياة في مدينة مليلية الحدودية على ساكنيها حمل الكثير من الحمولات الثقيلة، في إطار "التجارة غير النمطية" الشائعة هناك.

تحدد المدن الحدودية نمط حياة الكثيرين، سواء الذين يقطنون فيها أو الذين يمرون عبرها، وهو ما يحدث بشكل خاص في مليلية، المدينة الواقعة بين قارتين، والمتمثلة في جزيرة يعزلها البحر الأبيض المتوسط عن باقي القارة الأوروبية.

ويحول بين هذه المدينة والقارة الإفريقية سور، أصبح في وقتنا الحالي موضوع الصور الأكثر تداولاً في الإعلام. كما تشكل هذه المدينة جزءاً من الحدود الجنوبية لإسبانيا، التي وصفها تقريرٌ تناولَ المناطق الحدودية الأكثر افتقاراً إلى المساواة في العالم، بأنها المدينة الحدودية التي تحتل المرتبة السابعة من حيث غياب المساواة بينها وبين المناطق الأخرى (في البلاد ذاتها)، والمرتبة الأولى على المستوى الأوروبي بحسب تقرير لصحيفة El pais الإسبانية.


حاجز أمام الأفارقة


ويُعرف هذا المجال الحدودي بكونه حاجزاً أمام الأفارقة الذين يبحثون عن الانتقال إلى أوروبا، وتعد مليلية مسرحاً للنزوح الهائل واليومي للعديد من الأشخاص، وهي مسألة تغيب عن التغطية الإعلامية.

ومن بين نحو 30 ألف شخص يعبرون هذه الحدود على الأقدام يوميًا، تمثل النساء غالبية أولئك الذين يعيشون على "التجارة غير النمطية" في هذه المنطقة الحدودية؛ أو اللاتي يُعرفن بالنساء "حمَّالات البضائع".

ومن بين المعابر الأربعة الموجودة في مليلية؛ وهي: ماريواري، وفرخانة، والحي الصيني، وبني أنصار؛ يمثل المعبران الأخيران الأماكن التي تشهد ازدهار "التجارة غير النمطية" أو عمليات التهريب المنظمة.

وبحسب الصحيفة الإسبانية، تدرُّ هذه التجارة أرباحاً اقتصادية ضخمة على البلديات الموجودة في مليلية، التي تمثل بالنسبة للعديد من الأشخاص مورد رزق لضمان البقاء على قيد الحياة.

ويشمل ذلك، الأشخاص الذين ينقلون البضائع المغلفة، من الشاحنات أو الدراجات القديمة إلى مستودعات غير بعيدة. أما المشرفون على هذه التجارة، فغالباً ما يساعدون العمال في تحميل هذه البضائع على ظهورهم، وربطها بالحبال إلى أجسامهم.


كيف تُنقل البضائع؟


وتجدر الإشارة إلى أن هذه البضائع تُشحن في سفن كبيرة ترسو بميناء مليلية، وهو المكان الذي لا تُفرض فيه الكثير من الضرائب.

وفي وقت لاحق، يعبر العديد من العاملين المنخرطين في هذه التجارة الحدود على الأقدام، وهم يحملون هذه البضائع على ظهورهم. ويعجز هؤلاء عن الاستعانة بعربات يدوية أو غيرها من وسائل النقل؛ نظراً إلى أن التشريعات المغربية "تسمح لمن يرغبون في دخول مجالها باصطحاب ما يحملونه على أجسامهم فقط".

ويميز هذا النشاط نمط الحياة في المدينة الحدودية، مليلية، خلال الساعات الأولى من الصباح؛ حيث يقع حينها فتح وغلق المعابر الحدودية. وعلى الرغم من أن المعبر الحدودي، بني أنصار، مفتوح للأشخاص والعربات طوال السنة وعلى مدار اليوم، فإن معبر البضائع التابع له لا يُفتح سوى من يوم الإثنين إلى يوم الخميس، ومن الساعة التاسعة إلى غاية منتصف النهار. وخلال هذه الساعات، تبحث "حمّالات البضائع" عن كسب القليل من الأموال.

في هذا الصدد، تعد معاينة هذه المأساة أمراً رهيباً للغاية؛ إذ يحمل العمال حمولات ثقيلة للغاية على ظهورهم. وخلال الفترة الصباحية، تسجل حركة كثيفة لهؤلاء، الذين تكون غالبيتهم من النساء، سواء المسنات، أو الحوامل، أو من ذوات الاحتياجات الخاصة، أو حتى من ذوات الظهور المنحنية.

وترى الصحيفة الاسبانية أن الأسوأ من ذلك أن وزن الحمولة الواحدة يصل إلى نحو 100 كيلوغرام، إلا أنه في أغلب الأحيان، يكون وزنها في حدود 50 كيلوغراماً.

في الأثناء، تُعبّأ هذه الحمولات بالأغطية، أو الملابس المستعملة، أو غيرها من السلع على غرار الأحذية، والمنتجات التكنولوجية والسلع الإلكترونية. ولرفع هذه الحمولة على الظهر، غالباً ما يحتاج العمال إلى مساعدة عمال الشحن والتفريغ.


تبدأ الرحلة الشاقة


ومن ثم، تبدأ الرحلة الشاقة بالنسبة للعمال، والتي تتمثل في نقل هذه البضائع على الظهر سيراً على الأقدام لمسافة 800 متر من أجل الوصول إلى المغرب. وفي هذا المدخل، يتزاحم مئات الأشخاص مصطدمين بالأوعية والحزم والأطر. وبمجرد تسليم السلع، يعود العمال مرة أخرى لتحميل سلع وأحزمة ضخمة أخرى.

merchandise campaigns morocco

ويعد هذا العمل مهيناً وشاقاً للغاية؛ إذ إنه يتطلب المرور عبر هذه الحدود مرات عديدة، وذلك وفقاً لقدرة العامل، الذي يكون محمّلاً بالأحزمة الضخمة وساعياً للحصول على مبلغ كافٍ من المال.

في المقابل، تتقاضى "النساء الحمّالات للبضائع" مقابل نقل كل حزمة ما بين 3 و5 يوروات، بحسب الوزن (علماً أن وزن الحمولة الواحدة يترواح بين 50 كيلوغراماً و100 كيلوغرام). ويومياً، يعبر هذه الحدود ما بين 6 و8 آلاف عامل، كما تُسجل ما بين 15 و25 ألف حركة عبور للحدود.

وبحسب الصحيفة، يتعرض الآلاف من الأشخاص الذين يتوافدون على الحدود كل يوم لمعاملة مهينة وضرب بالهّراوات من قبل رؤسائهم في العمل، سواء تمثل ذلك في توجيه الضربات إلى البضائع التي تحملها النساء الحمالات على ظهورهن، أو ضربهن بشكل مباشر في حال عدم احترامهن التوجيهات التي يُملونها عليهن.

وفي بعض الأحيان، يُسمح لبعض النساء الحوامل، والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن أو المسنين، الذين يحملون حمولة يفوق وزنها 50 كيلوغراماً، بالمرور عبر طريق مختصر.

بناء على ذلك، يعتبر وجود هؤلاء المشرفين مهماً جداً لتوجيه حمالات البضائع نحو الطريق الذي يجب عليهن عبوره، وتجنُّباً لحدوث أي مشكلة، وللحفاظ على النظام. لذلك، فهم يضطرون أحياناً إلى استخدام العصا.

وتشير الصحيفة إلى أن هؤلاء النسوة المغربيات العابرات للحدود مُجبرات على إعالة أسرهن.

وقد أكد تقرير جمعية توازة لمناصرة المرأة أن "غالبية الحمالات لا يعملن لمصلحتهن الخاصة، وإنما يستغللن الأموال التي يكسبنها لإطعام عائلتهن". وعادة ما تكون هؤلاء النساء أمهات يعشن حالة اجتماعية متردية للغاية، وغالباً ما يكنّ مطلقات أو منبوذات. ومن المثير للاهتمام أن أعمار معظمهن تناهز 40 أو 50 سنة، إلا أنهن يبدين في ريعان شبابهن.

على صعيد آخر، تدر هذه "التجارة غير النمطية" عائدات هامة لفائدة الخزانات العامة البلدية. وعلى الرغم من غياب أرقام محددة، تقدر جمعية حقوق الإنسان في الأندلس أن هذه التجارة تدرّ نحو 1.400 مليون يورو كل سنة في مدينتي سبتة ومليلية، أي ما يمثل نحو ثلث اقتصاد كل مدينة.

ووفقاً لما ذكرته صحيفة "الأيام" الأسبوعية المغربية، يضع ضباط الشرطة والجمارك المغربية على حدود سبتة ومليلية في جيوبهم نحو 90 مليون يورو سنوياً من الإكراميات جراء هذه التجارة.

ووفقاً لغرفة التجارة الأميركية في الدار البيضاء، يعيش بالمغرب نحو 45 ألف شخص على مداخيل هذه التجارة بشكل مباشر، كما يستفيد نحو 400 ألف شخص آخر من هذه الأعمال بشكل غير مباشر (من بينهم التجار وسائقو الشاحنات والناقلون التجاريون، الذين يتولون مسؤولية الخدمات اللوجيستية الضرورية لتسهيل نقل هذه البضائع).


تحديات بالنسبة لحقوق الإنسان والتنمية الحضرية المستدامة


وعلى الرغم من الظروف المعيشية القاسية وعدم احترام حقوق النساء الحمالات، فإنه لا أحد من الجهتين الحدوديتين يقترح أية بدائل جدية لهذه التجارة الحدودية المربحة.

تعتبر ظروف نقل هذه البضائع غير النمطية وغير القانونية، غير إنسانية بتاتًا، وبدليل من منظمة حقوق الإنسان في الأندلس. وتعود حقيقة ذلك إلى الوزن الهائل الذي تحمله الحمالات على ظهورهن، وهو ما يجعل هذا العمل الجسدي لا إنسانياً في المعابر الحدودية، فضلاً عن العنف المتكرر والمستمر الذي يمارسه أعوان الشرطة، وإجبارية دفع الرشى للشرطة، فضلاً عن التحرش الجنسي والاستيلاء التعسفي على السلع.

من هذا المنطلق، اقترح معهد حقوق الإنسان في إقليم كاتالونيا أن "تقوم الحكومات بالإصلاحات المعمارية الضرورية لتأهيل المعابر الحدودية، حيث تتم عمليات الشحن؛ لضمان سلامة وأمن الأشخاص وضمان احترام حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ضرورة تطبيق بروتوكولات واضحة وعامة لإدارة هذه التجارة غير النمطية"، فضلاً عن توفير الوسائل اللازمة؛ حتى لا تكون إدارة هذه التجارة حكراً على أفراد الشرطة.