عشاق في الزنازين وخطيبات في الانتظار.. قصص حب تقاوم المعتقلات في مصر ما بعد الربيع العربي

تم النشر: تم التحديث:
COUPLE EGYPT
Peter Macdiarmid via Getty Images

محشي كوسة، وباذنجان، وورق عنب.. تحرص سارة على أن تكون تفاصيل هذه الوجبات متكاملة ببهاراتها وشكلها الذي يحبه خطيبها محمد، وبعد إعداد الأكل في الصباح الباكر تحرص بعدها على أن تأخذ وقتاً كاملاً لزينتها، تُصفِّف شعرَها وترتدي ملابس جديدة، لتبدو في كامل أناقتها، فاليوم مناسبة خاصة: موعد زيارة محمد الأسبوعي.

فعندما اجتاح الربيع العربي مصر في 2011، أنهت التظاهرات والاحتجاجات عقوداً من الحكم العسكري بالإطاحة بحسني مبارك، هذا التغيير لم يستمر طويلاً حتى جاء عسكري آخر، عبدالفتاح السيسي، واستولى على السلطة، تلى ذلك اعتقالات وإخفاءات قسرية للمعارضين، وقوبلت المظاهرات بالعنف.

من بين المعتقلين كان محمد عبدالله خطيب سارة، الصحفية السابقة، كانت تنتظره ليأتي عندها إلى قطر لعقد زفافهما عام 2015، لكنه لم يصل قط، لأنه اعتُقل قبل إقلاع الطائرة من مصر، ومعه الكثير من الشباب ممن تتشابه قصصهم.


فرحة لم تكتمل..


المصورة المصرية هدير محمود قرَّرت أن تنشر قصص سارة ومحمد وباقي العشاق السيئي الحظ، ممن تعتبرهم شركاء منسيين، ضاعوا في خضم الاضطراب السياسي الذي تشهده مصر ما بعد الثورة، كما تصرّح لصحيفة "نيويورك تايمز" "كان هدفي هو إظهار الظلم الذي تواجهه المرأة بكل الأشكال، توقفت حياة هؤلاء النساء حتى أُطلق سراح أحبائهم، وكلهن ينتظرن بدء حياتهن من جديد مع شركائهن".


التقطت هدير لحظات الاشتياق والحسرة لثلاث شابات، اعتُقل أحباؤهن عقب الاحتجاجات. التقوا عن طريق أصدقاء مشتركين، ورغم خوفهم من الأذى الذي قد يتعرضن له نتيجة لنشر قصصهن، فقد شعرن أنه من المهم أن تُعرف تجاربهن ومنهن سارة مراد.

اعتقال حبيبها في المطار قبل إقلاع طائرته المتوجهة إلى الدوحة وضعها في موقف لا تحسد عليه، شعرت بالعجز بسبب البعد، في النهاية حسمت أمرها كما تحكي هدير، جمعت حقائبها ومعها أيام إجازتها وتوجهت إلى مصر، ورأساً إلى المعتقل لتزور حبيبها، لكن أيام الاعتقال طالت ومعها غيابها، مما كلفها وظيفتها في النهاية، فاستقرّت في مصر لتعيش مع عائلة محمد.

couple egypt

التقت سارة بمحمد عبر أصدقاء مشتركين في فعالية توعوية عن العملية الانتخابية، كانت قد أعدَّت وجباتٍ مصرية للفعالية، واعترف لها محمد لاحقاً بحبه لها بعد أن تذوَّق مصنوعات يدها، لتصدق معهما مقولة "الطريق إلى قلب الرجل معدته"، وحتى وهو في السجن، لا تزال سارة تطبخ له، ويشارك محمد هذا الطعام مع زملائه الآخرين في المعتقل.


بين من استسلم.. ومن قاوم


وإذا كانت سارة تعد لخطيبها وجباته المفضلة في كل زيارة، فإن أمنية مجدي، البالغة من العمر 27 عاماً، تعد في موعد زيارتها هذه كيكة من الورق لتحتفل بعيد ميلاد خطيبها في السجن مستغلة براعتها كمصممة غرافيك. اعتُقل خطيبها، عمر عبدالمقصود، وهو مصور صحفي، في 2014، قبل زفافهما بأسبوعين، وحُكم عليه بالمؤبد بعد اتهامه بالمشاركة في أعمال شغب وحرق سيارات في مظاهرة قال إنه لم يشارك فيها.

وكانت هدير تأمل أن تكون أمنية هي القصة الرئيسية بمشروعها، لكن الضغط العاطفي الناتج عن سجن زوجها بدأ يؤثر عليها سلباً، وبعد اعتقاله بثلاث سنوات، وبدون أي شرح، تركها عُمر.

كتبت أمنية لهدير: "قرَّر عمر تَركِي، كنتُ مصدومة وقرَّرت ارتداء فستان الزفاف، الذي لم يسعن ارتداؤه قبل اعتقاله، لم أكن أعرف ما إذا كان هذا وداعاً لعمر وحلمنا أم دفاعاً عن حقوقنا.. فقدت الطريق، وخسرت نفسي وكل شيء".

couple egypt

تُظهر هدير في صورها آثارَ الحياة التي جمعت بين الحبيبين سابقاً: أثاث مغطى بستائر لحمايته من الغبار، وفستان زفاف لم يُلبَس أبداً.. وقلب مكسور.

إليان فريس مقارنة مع قصتي سارة وأمنية الحزينتين، كانت من المحظوظات. انتقلت فريس، وهي طالبة ألمانية عمرها 29 عاماً، إلى مصر لتدرس الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، وهناك التقت بشريكها أحمد سعيد الذي يعمل كطبيب.

لكن أحمد اعتُقل في 2015 لمشاركته في مظاهرةٍ لإحياء ذكرى أحداث شارع محمد محمود، حيث قُتل 40 شخصاً في 2011.

فريس لم تتخل عنه، وقرَّرت أن تبقى في مصر حتى يُطلق سراحه، بل انتقلت لشقة قريبة من المعتقل، وبدأت في الضغط لإطلاق سراح حبيبها، وهو ما تمت الاستجابة له في نهاية المطاف، ليطلق سراح أحمد بعفو رئاسي.

سافر الزوجان لألمانيا مباشرة، ومن هناك كتبت فريس لهدير، في فبراير/شباط: "قرَّرنا ترك مصر في أسرع وقت ممكن، وبدون إخبار أي شخص بأي تفاصيل، نحن في فرانكفورت منذ أسبوعين الآن، وبدأت الأمور تستقر، رغم وجود الكثير أمامنا كي نعيد بناء حياتنا من جديد".