تحرُّك رجال عنان داخل الجيش وأزمة المخابرات وتجرُّؤ القوى المدنية.. الأسباب التي أفقدت السيسي هدوءه وجعلته يُطلِق تهديداته

تم النشر: تم التحديث:
SISI
Handout . / Reuters

"ثمنه حياتي أنا وحياة الجيش"، تلك الجملة قالها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في خطابه يوم الخميس 1 فبراير/شباط 2018، والتي قد تؤشر لبداية مرحلة جديدة من طريقة حكمه مع 4 سنوات جديدة، من المنتظر أن يحصل عليها في انتخابات رئاسية تنعقد في مارس/ آذار 2018، دون أدنى منافسة بعد إقصائه أكبر منافسيه من أبناء المؤسسة العسكرية، الفريق أحمد شفيق، والفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق في السجن الحربي.

في هذا الخطاب، تغيَّرت ملامح وجه السيسي عدة مرات، من الابتسامة المعتادة له إلى الغضب، الذي يعبر عنه بملامح وجهه كافة، ثم إلى السخرية ومنها إلى الوعيد الشديد، ومن نبرة صوت هادئة مليئة بالتودد الشديد في خطاباته، إلى لغة تهديد شديدة اللهجة.

تلك اللحظات والتغيرات في خطاب واحد للرئيس المصري، كانت تعبر عن شعور مختلط، ما بين ارتباك وتربُّص وخوف، نكشف عن أسبابه بهذا التقرير، وعن الأسباب التي جعلته يطلق هذا السيل غير المسبوق من التهديدات والوعيد بحق من سماهم "الأشرار".


الخطر الأكبر من داخل المؤسسة "تقارير رسمية"


مصادر عسكرية مصرية كشفت لـ"هاف بوست عربي"، عن أن هناك عدة تقارير تم عرضها على الرئيس السيسي من داخل المؤسسة العسكرية، رصدت معلومات عن وجود حالة غضب لدى بعض القيادات من طريقة التعامل مع الفريق سامي عنان.

والخطير بتلك التقارير، أنها وثَّقت تحركات من قيادات عسكرية، قيل إنها كانت تشارك في دعم الفريق عنان والمساعدة في استكمال التوكيلات الشعبية، التي كانت لازمة لترشُّحه للانتخابات الرئاسية قبل الإطاحة به من السباق الانتخابي.

ووفقاً لأكثر من 4 مصادر من داخل لجنة الأمن القومي بمجلس النواب المصري، ورئاسة الجمهورية، ومصادر عسكرية، في حديثهم مع "هاف بوست عربي"، فإن هناك قائمة بأسماء عدد من القيادات العسكرية، الحالية والسابقة، ممن طالتهم الاتهامات بمساعدة عنان في انتخابات الرئاسة، وهي القائمة التي وصفتها المصادر بأنها "خطيرة جداً"؛ نظراً إلى تأثيرهم داخل قطاعات كبيرة بالجيش المصري.

وذكرت المصادر أن ترديد الرئيس جملة "ثمنها حياتي وحياة الجيش"، ترصد مدى تأثير تلك القيادات داخل القوات المسلحة، خصوصاً أن الجيش المصري يغيِّر جلده بنسبة 70% كل 3 سنوات، ويبقى التأثير الأكبر للقيادات التى توجد في مفاصله الأساسية، و"جزء من تلك القائمة كان من بين تلك القيادات، أو من قيادات سابقة ما زالت تملك علاقات متينة بمن داخل الجيش".

ومن المنتظر أن تكون هناك قرارات قوية، وما سمَّته المصادر "تصفية" تلك القائمة بشكل سريع دون أن يكون لذلك ضجيج يظهر للرأى العام.


صراع السنوات الأربع مع المخابرات العامة


"ما زال الجهاز الأمني الوحيد الذي لم يخضع لسيطرة الرئيس السيسي بشكل كامل في مصر".. هكذا وصف أحد ضباط جهاز المخابرات العامة المصرية العلاقة بين الرئيس السيسي والجهاز على مدار السنوات الأربع الماضية التي أعقبت إطاحة عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي، رغم تغيير قيادة الجهاز أكثر من مرة.

وربما تطابق ما قاله ضابط المخابرات هذا لـ"هاف بوست عربي"، مع ما جاء في تقرير لصحيفة "العربي الجديد"، من أن رصد اتصالات بين وكلاء بالجهاز والفريق سامي عنان كان السبب الرئيسي في الإطاحة بمدير الجهاز خالد فوزي وتكليف مدير مكتب السيسي، اللواء عباس كامل، إدارة الجهاز حتى إشعار آخر، ليصبح أول مسؤول يأتي على رأس هذا الجهاز إلى جانب عمله الإداري برئاسة الجمهورية، وذلك قبل أيام من القبض على عنان.

ويضيف الضابط : "الوضع مقلق جداً للكثير من ضباط الجهاز، خصوصاً ممن كان بداخل الجهاز قبل يوليو/تموز 2013، فقد نمى إلى علمهم أن مدير مكتب الرئيس يعدُّ قائمة كبيرة من أفراد الجهاز للإطاحة بهم فور انتهاء الانتخابات الرئاسية، وتشمل عملية التطهير معيارين؛ أحدهما الانتماء إلى ما سماه عصر مبارك، والثاني المجموعة المشكوك في تعاطفها مع الإسلاميين".


من السيسي للأمن الوطني.. بداية صراع مع القوى المدنية


وخلال الساعات الـ48 الماضية، كشف عدد من المعارضين المصريين من المحسوبين على الأحزاب والتيارات المدنية، تلقيهم تهديدات مباشرة عبر اتصالات هاتفية من أجهزة أمنية، وذلك عقب البيان الذي أصدرته أحزاب القوى المدنية بمقاطعة الانتخابات الرئاسية.

وبعد إعلان يحيى حسين عبد الهادي، المعارض المصري الذي ألقى بيان الأحزاب المدنية الذي طالبت فيه بمقاطعة الانتخابات، تلقِّيه تهديداً من رقم خاص "لا تظهر أرقامه"، خرج الكاتب المعارض سليمان الحكيم ليعلن تلقِّيه مكالمة بالمضمون نفسه.


وتأتي تلك التهديدات الأمنية عقب حديث السيسي عن أنه من غير المسموح توجيه الرأي العام من قِبل أي شخص، حينما قال: "تتكلم في بيتك ماشي.. تدردش مع أصحابك ماشي.. لكن تتكلم للرأي العام لازم تعرف حدودك".

وربما لم يقف التهديد على تصريح أو مكالمة تليفونية، حيث وصل الأمر لتقديم عدد من البلاغات القانونية ضد جميع من خرج وانتقد الانتخابات الرئاسية خلال الأسبوعين الماضيين، بدءاً من أعضاء حملة الفريق سامي عنان، وصولاً إلى كل من شارك في مؤتمر الأحزاب المدنية لمقاطعة الانتخابات.

وعند محاولة "هاف بوست عربي" التواصل مع عدد من قيادات القوى المدنية؛ للتعرف على حقيقة وصول تهديدات إليهم كما حدث مع من أعلن ذلك، رفضت 4 قيادات بارزة، بينهم مرشح سابق في الانتخابات الرئاسية، الحديث عن هذا الأمر، وقالوا: "لا داعي لتصدير حالة الخوف أكثر مما هو واقع الآن"، وهو ما يحمل إشارة ضمنية إلى وجود تهديدات مباشرة لهم بالفعل.

وذكرت تلك القيادات -التي رفضت نشر أسمائها- في التعليق على ملف التهديدات، أن مكالمات التهديد لم تتوقف خلال فترة عهد السيسي، وليس شرطاً أن تكون من ضابط من الأمن الوطني، ففي كثير من الأحيان تأتى عبر وسيط من رجال الأمن ممن يعملون في مجال السياسية بصورة نصائح، "نفهم ما تتضمنه مما بين السطور".

وذكر أحد تلك القيادات أن إعلان البعض صراحةً عن تلقّيه تهديداً، ربما يكون منهجاً يتبعه لمقاومة هذا الخطر، ولكن "لا يمكن لأحد أن ينكر أننا مقبِلون على مرحلة جديدة للعلاقة بين التيارات المدنية ونظام الرئيس السيسي"، بعد أن رفضت تلك القوى أن تكون "دبوساً" في بدلة نظام أصبح قمعياً وديكتاتورية طالت الجميع، وذلك على حد وصفه.

وربما خسارة السيسي ورقة القوى المدنية، التي طالما استخدمها كـ"ورقة توت" في مواجهة القوى الإسلامية وتجميل صورة الحكم أمام الدوائر الغربية- كان سبباً في إطلاق السيسي تهديدات واضحة في الخطاب الأخير.

ويكشف البيان الذي أصدرته القوى المدنية في تعقيبها على خطاب السيسي، مساء الجمعة 2 فبراير/شباط 2018، عن انقطاع قنوات التواصل بين السيسي وتلك القوى، والتي لطالما كانت سبيلاً لتنفيذ تلك القوى توجيهات في أحداث 30 يونيو/حزيران 2013، أو ما أعقبها من فصول الحرب بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين.


التفويض الجديد آخر أمل للحشد في الانتخابات


وبعيداً عن خلافات السيسي مع قيادات الجيش السابقة، أو القوى المدنية، فإن أحد أسباب غضبه الذي ظهر في هذا الخطاب، هو أداء أجهزة الدولة السيادية في ملف الانتخابات الرئاسية، وفقاً لما ذكرته مصادر من داخل مجلس الوزراء.

وكشفت المصادر أن السيسي طالب الدوائر المقربة منه بأن تكون نسبة المشاركة في الانتخابات لا تقل عن 50%، أي ما يقرب من 23 مليون مواطن، وأن ما قاله من إمكانية طلبه التفويض من الشعب مرة أخرى هو تمهيد لإعلان ذلك قبل الانتخابات بأيام قليلة.

ولم تمر أيام قليلة، حتى خرجت تصريحات من المقربين للنظام للترويج لتلك الفكرة، وكان أبرزهم الدكتور عبد الله المغازي، الذي كان متحدثاً باسم حملة الرئيس السيسي في الانتخابات الماضية (2014)، قبل أن يتم تعيينه معاوناً لرئيس الوزراء السابق.

وخرج المغازي في تصريحات تلفزيونية، ليطلب من جميع الشخصيات العامة التي لها ثقل عند المصريين، الخروج أمام الرأي العام والظهور على وسائل الإعلام بكثرةٍ خلال الفترة القادمة؛ لحث المصريين على النزول للانتخابات.


وأشار المغازي إلى أن "المصريين هم من سيعطون الشرعية للرئيس القادم، ولكن يجب أن نحافظ على صورتنا أمام العالم"، مضيفاً أن نزول المصريين في الانتخابات الرئاسية بمثابة تفويض للرئيس عبد الفتاح السيسي.