أبطالها سجناء وبلدٌ عربي كان أول من توّج بكأسها.. ما لا تعرفه عن "بطولة لكرة القدم لها جمهورها الخاص"

تم النشر: تم التحديث:
MOROCCO CHAN
هاف بوست

بين أحياء الحي الصناعي عين سبع بمدينة الدار البيضاء، كبرى مدن المغرب، يتواجد المركب السجني عكاشة، عند وصولك إلى باب الإصلاحية المخصصة للنزلاء القاصرين، ستكون ملزماً بترك بطاقة تعريفك وهاتفك المحمول، ليقودك حارس بين ممرات بناية أسوارها عالية ومؤمّنة بأسلاك شائكة وغارقة في هدوء تام.

هدوء سيتكسر بمجرد الوصول إلى ساحة داخل السجن، حيث يتواجد ملعب صغير لكرة القدم، بنيت فيه منصة مخصصة لضيوف من الخارج، وفي جانب آخر حوالي 50 من النزلاء القاصرين، كان لهم حظ متابعة مباراة لكرة القدم بين سجناء من نوع خاص، نزلاء سجون في المغرب من جنسيات إفريقية مختلفة، أثبتوا علو كعبهم لتمثيل بلدانهم في بطولة من نوع خاص.

فعلى هامش بطولة إفريقيا للاعبين المحليين "الشان"، المقامة حالياً في المغرب، وتلعب مباراتها النهائية الأحد بين المنتخب المغربي ونظيره النيجيري، نظمت المندوبية العامة للسجون في المغرب، بشراكة مع الاتحاد المغربي لكرة القدم بطولة للسجناء من 12 بلداً إفريقياً، خاضوا إقصائيات الدور الأول، ثم دور ربع النهاية، وصولاً إلى نصف النهائي، ثم المباراة النهائية، التي جمعت بين المنتخب المغربي ومنتخب غينيا كوناكري.


سجناء من 12 بلداً إفريقياً


إلى جانب الملعب المخصص لكرة القدم المصغرة كان مجموعة من الشبان يقومون بحركات تسخينية تحت حراسة أمنية مشددة، سجناء من المغرب وغينيا كوناكري يستعدون لخوض نهائي البطولة الإفريقية، عبدالرحمن ذو الـ29 ربيعاً، أحد لاعبي المنتخب المغربي، بعد استشارة زملائه تطوَّع للحديث لـ"هاف بوست عربي"، وعلى طريقة لاعبي كرة القدم المغاربة، قال عبدالرحمن "نتمنى أن نكون عند حسن ظن الجميع ونمنح اللقب الرمزي للمغرب".

morocco chan

تنظيم بطولة في كرة القدم للسجناء هي الأولى من نوعها في القارة الإفريقية، فقد عمدت مندوبية السجون في المغرب إلى تجميع لاعبين من مختلف سجون المملكة ومن مختلف الجنسيات، حيث وصل عدد المنتخبات المشاركة 12 فريقاً، وبعد خضوعهم لاختبارات على يد مدربين في كرة القدم، بل منهم من أثار إعجاب المدربين "خلال 20 يوماً قضيناها رفقتهم اكتشفنا سجناء بإمكانات ومهارات جيدة"، يقول لـ"هاف بوست عربي" عبدالمؤمن الشريف المدرب واللاعب السابق الذي أشرف على فريق السجناء، الذي مثل المغرب في البطولة الإفريقية، فبالنسبة له فإن هؤلاء اللاعبين يسعون إلى أن يقدموا شيئاً إيجابياً.


أبطال من نوع خاص


بحكام محترفين وتحت مراقبة الاتحاد المغربي لكرة القدم، وبحضور لاعبين دوليين سابقين، كان حوالي 50 من نزلاء إصلاحية سجن عكاشة على موعد مع المباراة النهائية لبطولة إفريقيا لنزلاء السجون المغربية، بين المنتخب المغربي ومنتخب غينيا كوناكري، بعد أن تابعوا مباراة الترتيب التي منحت المركز الثالث لمنتخب سجناء الكاميرون، الذي فاز على سجناء مالي.

morocco

وتحت تشجيعات نزلاء مركز الإصلاح الذين ردَّدوا تلك الشعارات التي نسمعها في مدرجات ملاعب الدار البيضاء خلال مباريات الرجاء والوداد، انطلقت المباراة النهائية، وبدا الحماس والاندفاع غالبين على لاعبي المنتخبين، الذين أبانوا عن رغبة كبيرة في تحقيق الفوز باللقب، ولم يكف مدربو الفريقين عن إعطاء توجيهاتهم للاعبين "فرغبة كل طرف في تحقيق الفوز تبدو كبيرة، لكن الروح الرياضية هي أهم شيء"، يقول المدرب واللاعب السابق عبدالمؤمن الشريف.

مجموعة من السجناء الذين شاركوا في البطولة الإفريقية لكرة القدم المصغرة، سبق لهم وأن لعبوا كرة القدم ضمن فرق محترفة، كما هو الشأن بالنسبة للكاميروني نغيساب فرانسيس، "كنت ألعب كرة القدم رفقة ناد في الكاميرون، بسبب مشكلاتي الاجتماعية جئت إلى المغرب بطريقة غير شرعية، والآن أتيحت لنا فرصة لإبراز مواهبنا"، وهو الوضع الذي يختلف بالنسبة للمالي محمد ذي الـ35 ربيعاً، الذي يقضي عقوبة بالسجن لعشر سنوات، بسبب التهريب الدولي للمخدرات، فإنه لم يسبق له أن لعب ضمن أندية محترفة: "نحن في شمالي مالي لا توجد ثقافة كرة قدم، غير أني كنت أمارسها رفقة بعض الأصدقاء، فهي المتنفس الوحيد للتخفيف من سنوات السجن الطويلة".


فرحة ظرفية


مع تصاعد حدة التنافس بين اللاعبين على أرضية الملعب الصغير لفضاء مركز الإصلاح والتهذيب التابع لسجن عين سبع، وارتفاع أصوات الجمهور الحاضر من النزلاء القاصرين، واحتجاجات اللاعبين على قرارات الحكم، قد تنسى للحظات أنك تتواجد بين أسوار السجن، حتى حراس السجن بمن فيهم مدير المركز اندمجوا بشكل كلي مع المباراة "التظاهرة لها قيمة تواصلية كبيرة بين سجناء من مختلف الجنسيات، وتسهم في التخفيف من معاناة المغتربين منهم على وجه الخصوص"، يقول لـ"هاف بوست عربي" بنعيسى بناصر، رئيس مصلحة الشؤون الاجتماعية بمديرية السجون.

بمجرد أن أعلن حكم المباراة نهايتها بإعلان تتويج المنتخب المغربي باللقب الإفريقي لنزلاء السجون، حتى انطلقت احتفالات اللاعبين على إيقاع نغمات موسيقية مغربية، تكفَّل بعزفها مجموعة من نزلاء مركز الإصلاح، واصطف لاعبو المنتخبات الثلاثة الأولى لتسلم الكؤوس، في حين غابت الميداليات والحوافز المالية، فالغرض من البطولة يبقى في نهاية الأمر ترفيهياً، وفرصة لعشرات السجناء للتخفيف من وطأة السجن "المهم بالنسبة لنا أنا نعيش لحظات من الحرية، ولو أننا نعلم بعودتنا مجدداً لزنازيننا"، يقول الكاميروني نغيساب فرانسيس وعلامات الحسرة باديةً عليه، رغم محاولته إخفاءها وهو يودّعنا بابتسامة.

chan

بعد 20 يوماً من التنافس بين أكثر من 100 سجين مثلوا 12 منتخباً من القارة الإفريقية في سجون مدن المغرب: الدار البيضاء ومراكش وأكادير وآيت ملول، غادر المدعوون من الضيوف أسوار سجن عكاشة، بينما أعلن حراس السجن نهاية احتفالات السجناء، وإعادة كل سجين إلى مركز اعتقاله، في انتظار تظاهرة رياضية أو ثقافية أخرى تتيح لهم نسمة حرية.