مقاطعة وعصيان مدني وتحالف في وجه السيسي.. خطة المعارَضة المصرية لمواجهة انتخابات الرئاسة رغم تهديدات السلطات لها

تم النشر: تم التحديث:
SISI ELECTION
MOHAMED EL-SHAHED via Getty Images

تواجه المعارضة المصرية ما تعتبره مشهداً انتخابياً "غير نزيه" يقود لصناديق الاقتراع في مارس/آذار 2018، بوضعها استراتيجية بدأت بإعلان مقاطعة الانتخابات الرئاسية، ثم الدعوة إلى عصيان مدني، والاتجاه نحو تشكيل تحالف واسع.

وعلى مدار الأيام الماضية، شهدت الساحة السياسية في مصر حراكاً غير معتاد، تزامن مع انطلاق ماراثون الانتخابات، فيما يبدو أن الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي (64 عاماً)، يتجه بسهولة إلى فترة رئاسية ثانية.

ويواجه السيسي في هذه الانتخابات مرشحاً واحداً؛ هو رئيس حزب "الغد" (ليبيرالي)، موسى مصطفى موسى (66 عاماً)، وهو "ليس مرشحاً قوياً"، استناداً إلى معطيات كثيرة، منها أنه سبق أن أعلن تأييده للسيسي.

وبالتزامن مع دعوات عديدة إلى مقاطعة الرئاسيات، كشفت جبهات معارضة وسياسيون بارزون، وفق بيانات وتصريحات خاصة لوكالة الأناضول، عما هو أبعد من المقاطعة، والتوجه نحو الدعوة إلى عصيان مدني، وتشكيل جبهة جامعة تكون نواة لإسقاط النظام في مراحل تالية.


"السيسي يتوعد"


ويرى محلل سياسي بارز -لم تذكر وكالة الأناضول اسمه- أن تأثير النخب السياسية والمعارضة في مصر "ضعيف"، في ظل وجود "أغلبية صامتة" من المصريين، معتبراً أن المعارضة تنتهج حالياً استراتيجية مشابهة لاستراتيجيتها عام 2010.

وفي أواخر 2010، أعلنت قوى معارضة عن مقاطعة الانتخابات البرلمانية، فيما قررت أخرى الانسحاب منها، وتلا ذلك تشكيل "الجبهة الوطنية للتغيير"، برئاسة المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، وكانت أحد أسباب شرارة ثورة 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك (1981: 2011).

وبعد أيام من الإعلان عن انسحابات ومقاطعات لرئاسيات 2018، أعلن السيسي الأربعاء 31 يناير/كانون الثاني 2018، أنه لن يسمح بتكرار ما حدث قبل 7 سنوات، في إشارة إلى ثورة 2011.

واليوم الجمعة، قال يحيى حسين عبد الهادي، المتحدث الرسمي باسم "الحركة المدنية الديمقراطية" على صفحته في موقع فيسبوك، إنه تلقى اتصالاً صباح اليوم من رقمٍ خاص ممن عَرَّف نفسه بأنه العميد/ م.ر من الأمن الوطنى.

وذكر عبد الهادي تفاصيل المكالمة، وقال إنه الضابط أخبره: "لا داعى لأى تصعيد.. كل واحد يتحمل مسؤوليته الشخصية) قلتُ له (هل هذا تهديد؟) فأجابنى بأدبٍ جَم (حضرتك ممكن تفهمها على أنها رسالة إن كل واحد يتحمل مسؤوليته الشخصية عن نفسه .. الفترة القادمة صعبة .. والبلد مش مستحملة) .. أجبته (أنا لى فى هذا البلد أكثر مما لعبد الفتاح السيسى .. وإن كانت رسالة تهديد فأنا لا أقبل التهديد .. ولم أقبله أيام مبارك .. فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين) .. لا أعتقد أن هناك من يجرؤ على انتحال الصفة والتليفون مُراقَبٌ .. فأول من سيكشفه هو نفس الجهاز الذى يتنصت على التليفونات .. اللهم إنى أستودعك أهلى ووطنى .. أليس اللهُ بِكافٍ عبدَه؟".


انتخابات شبه محسومة


ويقول منتقدون إن المناخ العام في مصر لا يسمح بإجراء انتخابات رئاسية نزيهة، في ظل الحشد الإعلامي والحكومي لصالح السيسي والتخوين لكل من يعارضه، فضلاً عن تراجع الحريات، بينما تقول السلطات إنها ملتزمة بتكافؤ الفرص وضمان الحريات.

ولأسباب تتعلق بـ"المناخ العام"، تراجع عن الترشح للانتخابات كل من: الفريق عسكري متقاعد أحمد شفيق، والسياسي محمد أنور عصمت السادات، والمحامي خالد علي، بينما استبعدت الهيئة الوطنية للانتخابات الرئيس الأسبق لأركان القوات المسلحة، الفريق سامي عنان، من كشوف الناخبين؛ لكونه لا يزال "تحت الاستدعاء"، ما يُفقده حق الترشح والانتخاب، وقد استدعاه المدعي العام العسكري للتحقيق معه؛ لإعلانه اعتزامه الترشح دون العودة إلى المؤسسة العسكرية.


دعوات للمقاطعة


وقبيل أيام من غلق باب الترشح، الإثنين 29 يناير/كانون الثاني 2018، دعت شخصيات بارزة وأحزاب معارضة، عبر بيانات وتصريحات صحفية، إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية.

ففي 28 يناير/كانون الثاني 2018، دعا معارضون بارزون، بينهم مرشحون رئاسيون سابقون، عبر بيان، إلى مقاطعة الانتخابات، فيما تصاعدت الدعوة ذاتها من قِبل تيارات وأحزاب وحركات أخرى.

ومن بين الداعين؛ حركتا "6 أبريل" و"الاشتراكيين الثوريين"، وجماعة الإخوان المسلمين، وأحزاب يسارية وليبرالية، بينها "الدستور" و"مصر القوية" و"التحالف الشعبي" و"الكرامة"، بجانب شخصيات عامة.

بالمقابل، وفي اليوم نفسه، قال محمد بهاء أبو شقة، المتحدث باسم الحملة الانتخابية للسيسي، خلال مؤتمر صحفي، إن مصر "ليست بصدد إجراء استفتاء، ولكن انتخابات رئاسية".

ورداً على سؤال بشأن نزاهة الرئاسيات، أجاب أبو شقة: "اعتدنا هجوماً استباقياً على الانتخابات، وأثير هذا التساؤل عام 2014، وخرج المراقبون يشهدون بنزاهة الانتخابات".

وفي 2014، فاز السيسي بأول انتخابات رئاسية في أعقاب الإطاحة، في 3 يوليو/تموز 2013، بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، وذلك حين كان السيسي وزيراً للدفاع.


عصيان مدني


وكخطوة تالية للمقاطعة، جاءت دعوات المعارضة المصرية إلى عصيان مدني، بالتزامن مع إجراء الانتخابات الرئاسية.

وقال القيادي في جماعة الإخوان المسلمين أحمد رامي، في تصريح لوكالة الأناضول، إن "مقاطعة الانتخابات بدأت بالفعل، بعزوف المرشحين عن الترشح".

وعن استراتيجية المعارضة لمواجهة فوز السيسي المحتمل، أجاب رامي: "نظراً إلى عوامل كثيرة، نتجه إلى عصيان مدني، وشقّه السياسي هو المقاطعة الانتخابية".

وأضاف: "ما يجري متزامناً مع ما يسمى انتخابات يؤكد ذلك، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بمن سينتصر ويتخلص من الآخر، إلا أن ما نستطيع أن نجزم به هو أن الظن بأن الأمور تتبدد أمام السيسي".

في الاتجاه نفسه، قال السياسي المصري البارز أيمن نور، مؤسس حزب "غد الثورة" (ليبيرالي)، في تصريحات متلفزة، مطلع الأسبوع الماضي، إنه "سيتم الدعوة إلى إضراب أو عصيان مدني كامل خلال أيام الانتخابات الرئاسية المقبلة".

ومن المقرر أن تجرى الانتخابات من 26 إلى 28 مارس/آذار 2018، على أن تجرى جولة الإعادة بين 24 و26 أبريل/نيسان 2018، حال عدم حصول مرشح على أكثر من 50% من الأصوات بالجولة الأولى، وهو احتمال مستبعد في هذه الانتخابات.

كما دعا حمدين صباحي، المرشح الخاسر أمام السيسي في انتخابات 2014، خلال مؤتمر صحفي الثلاثاء 30 يناير/كانون الثاني 2018، الناخبين إلى مقاطعة الانتخابات، تحت شعار "خليك (كن) بالبيت".

في المقابل، رأت داليا زيادة، مدير "المركز المصري لدراسات الديمقراطية الحرة" (غير حكومي)، في تصريحات صحفية، أن "المعارضة في مصر ضعيفة جداً، ولم تستطع خلق مساحة قوية تسمح لها بالترشح للرئاسة".


جبهة معارضة


وبعد الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، ثم الدعوة إلى عصيان مدني، تتجه قوى معارضة في مصر إلى تشكيل جبهة معارضة جامعة.

حيث دعا بيان موقَّع من عشرات المعارضين، يمثلون غالبية أطياف المعارضة، الأربعاء 31 يناير/كانون الثاني 2018، إلى "تشكيل جبهة تدرس الخطوات والخيارات القادمة، وتستدعي الشراكة الشعبية فيها".

الدبلوماسي المصري السابق معصوم مرزوق، وهو قيادي بحزب "تيار الكرامة" (يساري معارض)، قال لـ"الأناضول"، إن "استراتيجية المعارضة تتجه إلى بناء جبهة عريضة".

وأضاف أنه "إزاء الوضع الحالي، لم يبق أمام المعارضة سوى الدعوة إلى المقاطعة الإيجابية، بحيث تصل الرسالة إلى الحاكم بمدى الرفض".


"الأغلبية الصامتة"


من جانبه، توقَّع أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة، في حديث لـ"الأناضول"، أن تتجه المعارضة إلى استراتيجية مقاطعة الانتخابات الرئاسية.

غير أنه رأى أن "تأثير النخب السياسية في مصر ضعيف، والأغلبية الصامتة (العازفين عن المشاركة السياسية والحزبية) هي التي تقرر بنفسها ما هو الموقف الأفضل، لكن الأغلب أنها لن تذهب إلى صناديق الاقتراع".

وفسر نافعة العزوف المتوقع لـ"الأغلبية الصامتة" عن الانتخابات المقبلة، بـ"كونها محسومة لصالح الرئيس السيسي"، معتبراً ذلك "هزيمة كبيرة وتآكلاً في شرعية النظام بشكل خطير".

وذهب الأكاديمي المصري إلى أن "العد التنازلي لنظام السيسي سيبدأ عقب هذه الانتخابات، بدلاً من أن تكون فرصة لدعم شرعيته وترسيخ أقدامه".

ودعا المعارضة إلى "مراجعة مواقفها وسياساتها والتعرف على أخطائها، إذا أرادت تغيير الوضع الآن أو بعد4 سنوات، وبناء قوتها وتوحيد صفوفها وخلق حزب سياسي كبير وقوي، وأن تستعد من الآن بإيجاد بديل للنظام".

واستحضر نافعة سيناريو 2010، الذي مهَّد للثورة على مبارك، حين أجرى نظامه انتخابات برلمانية، قالت منظمات حوقية محلية ودولية آنذاك إنها افتقدت النزاهة والحيادية.

وقال إن "السيناريو الحالي من الناحية التحليلية والسياسية مشابه لسيناريو 2010، لكن ليس من المتوقع أن تخرج أعداد غفيرة على النحو الذي تم في 2011".

وعن الآليات التي سيتبعها النظام الحاكم للتغلب على فكرة "الغضب الشعبي"، قال نافعة إن "النظام سيحاول تخفيف هزيمته السياسية في هذه الانتخابات، حتى لو انتصر فيها شكلياً، بالتخفيف من أعباء المواطنين، أو ربما تنفيذ مشروعات أو اتخاذ خطوات رمزية، كالإفراج عن سجناء.. وهذه أمور ليست مؤكدة".

فيما قال أستاذ علم الاجتماع السياسي بمصر سعيد صادق، في حديث لـ"الأناضول"، إن "المعارَضة المصرية ضعيفة ومهلهلة، والنظام قادر على مواجهة دعوات المقاطعة بآلياته الخاصة".