ما لا تعرفه عن جماعة "الرايات البيضاء" التي تسكن سلسلة جبال جمبور بالعراق وأهدافها.. عدد مقاتليها 500 وتستخدم أنابيب سرّية للثراء السريع

تم النشر: تم التحديث:
S
s

خلف ألسنة اللهب المتصاعدة التي تحرق غازاتٍ زائدة في حقلٍ نفطي بجبال جمبور، تمتد أميالٌ من الصحراء القاحلة وآخر جبهات تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق بعد القضاء عليه داخل البلاد.

القوات العراقية كانت تؤمِّن حقل جمبور النفطي في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي (2017)، في ظل استعادة الحكومة سيطرتها على الأراضي المتنازع عليها من حكومة إقليم كردستان، بعد الاستفتاء الكردي الكارثي على الاستقلال. لكنَّ بعض القادة العسكريين قالوا إنَّ الحقل ما زال يتعرَّض للهجوم يومياً على يد جماعةٍ مُسلَّحة تختبئ في جبال جمبور.

وتُعرف الجماعة -التي قيل إنها تحالفٌ يضم بعض فلول مقاتلي تنظيم داعش وأفراداً ساخطين منتمين إلى المافيا الكردية؛ بسبب طردهم من مدينة طوزخورماتو العراقية القريبة من جمبور- محلياً، باسم "الرايات البيضاء" نسبةً إلى شعارهم الذي يحمل أسداً أسود مرسوماً على خلفيةٍ بيضاء.

ومع أنَّ جماعة الرايات البيضاء تبدو كأنَّها مجرد تنظيمٍ وهمي بالنسبة للقوات التي تسيطر على جبهة جمبور -في ظل اقتصار الأدلة الفوتوغرافية على بضع صورٍ متداولة لهم على شبكات التواصل الاجتماعي- فإنها تُشكِّل تهديداً حقيقياً.

وقال علي غازي العبيدي، قائد وحدة كتائب "جند الإمام" التابعة للحشد الشعبي والمسؤولة عن الأمن في الحقل النفطي وخطوط الأنابيب الطويلة التي تحمل النفط من حقول جمبور إلى محطات معالجة النفط الرئيسية في مدينة كركوك العراقية، لموقع ميدل إيست آي البريطاني وهو يشير إلى الجبال: "عادةً ما تهاجمنا جماعة الرايات البيضاء في معظم الأيام عند الفجر أو الغسق. وهم يمتلكون كميةً كبيرة من الأسلحة، من بينها مدفعية ثقيلة وقذائف هاون".

وأضاف: "هذه الجماعة مزيجٌ من مقاتلي داعش ورجالٍ محليين من المافيا الكردية. نعلم أنَّهم يقاتلون تحت هذه الراية البيضاء؛ لأننا وجدنا إحدى راياتهم البيضاء بعد المعركة الأشرس التي خضناها ضدهم هنا، حيث استُشهِدَ منَّا 3 أشخاص وقتلنا 4 منهم".

وقدَّر العبيدي عدد المقاتلين الموجودين في جبال جمبور بما لا يقل عن 500 مقاتل، لكنَّه قال إنَّ عددهم قد يصل إلى 1000 مقاتل.


تحالفٌ مُخيفٌ


قال ثامر الحسيني، رئيس فرقة الاستجابة الطارئة في القوات الخاصة العراقية، لموقع ميدل إيست آي: "تضم جماعة الرايات البيضاء أفراداً من تنظيم داعش ومقاتلين أكراداً محليين مستقلين غير منتمين إلى قوات البيشمركة أو أي قواتٍ أمنية كردية رسمية".

وقال الحسيني إنَّ قواته احتشدت في مدينة طوزخورماتو، الواقعة على بُعد 20 كيلومتراً جنوب جبهة جمبور؛ استعداداً لتحرير الجبال، وأضاف: "لا نعتقد أنَّ هناك أعداداً كبيرة، لكنَّهم يحتلون الجبال الواقعة خلف طوزخورماتو ويتصرفون كالإرهابيين".

واستطاعت الفرقة، مؤخراً، التصدي لهجماتٍ من جانب جماعة الرايات البيضاء على مدينة طوزخورماتو في محافظة صلاح الدين العراقية كمرحلةٍ أولى من العملية، وتعمل الفرقة حاليّاً على تأمين المدينة؛ لتمكين سكانها من العودة إلى ديارهم قبل نقل القوات إلى الجبال.

وقال الحسيني إنَّ معركة تحرير جبال جمبور باتت وشيكةً، وستكون مشتركة بقيادة فرقة الاستجابة الطارئة ودعمٍ من جانب قوات الحشد الشعبي العراقية، وقوات البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان التي ستُباشِر جزأها من العملية من حدود حكومة إقليم كردستان التي حُدِّدت بعد شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017.

وأضاف: "سنقود العملية من هذا الجانب، وستقودها قوات البيشمركة من داخل كردستان".

وتابَع: "أجرينا محادثاتٍ بالفعل مع قادة قوات البيشمركة، ونحاول ترتيب التفاصيل للاشتراك في هذه العملية. نتعامل فقط مع قادة عسكريين، ولسنا طرفاً في أي قضايا سياسية بين العراق وحكومة إقليم كردستان".


ماذا تريد جماعة الرايات البيضاء؟


قال العبيدي إنَّ الهدف الرئيسي لجماعة الرايات البيضاء هو استعادة السيطرة على المنشآت النفطية؛ لمواصلة ما وصفه بعمليات نهب النفط المربحة. وأضاف أنَّ قواته وجدت العديد من الأدلة على عمليات نهب النفط الهائلة التي حدثت على مرِّ 14 عاماً، كانت المنطقة خاضعةً فيها للسيطرة الكردية.

وقال فيصل غازي، مدير الشؤون المدنية في لواء "جند الإمام"، لوكالة فرانس برس: "أزلنا بالفعل 4 كيلومتراتٍ من الأنابيب الصغيرة التي رُكِّبت على الخطوط الرئيسية تحت الأرض لسحب النفط وسرقته ونقله إلى مناطق أخرى".

وأضاف: "نُفِّذت هذه السرقات تحت أنظار قوات الأمن الكردية على مرِّ 14 عاماً. كان ينبغي لهم حماية النفط، لكنَّهم كانوا يشاهدون سرقته أو يشتركون فيها بهدف بيعه والمتاجرة فيه بطرق غير شرعية… لم تكن هناك سيطرةٌ حكومية في هذه المنطقة لمدة 14 عاماً؛ لذا كانوا يفعلون ما يريدون".

وقال فريد صادق الجادر رئيس شركة نفط الشمال بمدينة كركوك، إنَّ سرقات النفط في شمال العراق مشكلةٌ قديمة.

وأضاف: "هناك بالفعل بعض الأماكن التي تشهد عمليات نهب للنفط، ولكن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2017، حين بدأنا استعادة السيطرة، أزلنا هذه الأنابيب الصغيرة التي كان اللصوص يستخدمونها وأصلحنا الضرر".

وتابَع: "نتخذ إجراءاتٍ قانونية ضد بعض المسؤولين عن سرقة النفط، لكننا نعتقد أنَّ هذه السرقات مستمرة في بعض المناطق الشمالية التي لا نسيطر عليها".

وقال العبيدي إنَّ جماعة الرايات البيضاء أضرَّت بالبنية التحتية لبعض المنشآت النفطية التي تقع خارج نطاق سيطرة قواته، لكنَّه أصرَّ على أنَّ قواته المكونة من 500 رجلٍ، من بينهم 50 مقاتلاً كردياً، تؤمن محطة تفريغ الغازات في جمبور وموظفيها تأميناً كاملاً.

وأضاف: "نحن هنا في الأساس لحماية المنشآت النفطية وخطوط الأنابيب؛ لأنَّ النفط مِلكٌ للشعب العراقي كله، وليس حِكراً على جماعات صغيرة أو مناطق معينة في البلاد".


طريقٌ إلى المزيد من الدمار


وقال العبيدي إنَّ جماعة الرايات البيضاء تريد كذلك استعادة مساحة كافية من الأراضي؛ لإعادة فتح طريقٍ استراتيجي إلى جبال حمرين، بالقرب من مدينة الحويجة العراقية؛ لتمكين مقاتلي تنظيم داعش من الانضمام إلى صفوفهم.

جديرٌ بالذكر أنَّ مدينة الحويجة التي كانت آخر معاقل تنظيم داعش بالعراق، حُرِّرَت من التنظيم في أكتوبر/تشرين الثاني 2017، ولكن بدلاً من أن يستميت مقاتلو التنظيم في الدفاع عن المدينة، فرَّ الكثيرون منهم منها للاختباء بمناطق ريفية نائية.

وما زالت القوات العراقية تحاول تطهير جبال حمرين.

يُمثِّل الطريق المغلق الذي يمتد إلى جبال حمرين، إحدى أكثر المناطق حراسةً مُشدَّدةً في الطريق إلى حقل جمبور النفطي، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بكتيبةٍ مُدجَّجة بالسلاح، عبر طريقٍ مغلق متفرع من الطريق السريع الممتد من العاصمة العراقية بغداد إلى مدينة كركوك، ومليء بالمراكز العسكرية.

وقال قادة عسكريون محليون إنَّه بغض النظر عن الهوية الحقيقية لجماعة الرايات البيضاء، فإنَّ ظهورها كان نتيجةً متوقعة لهزيمة تنظيم داعش في المنطقة، ونجاح قوات الحكومة العراقية في استرداد الأراضي المتنازع عليها.

وفي حوارٍ صحفي مع موقع ميدل إيست آي، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، توقَّع أحمد أسعد جايرلي، قائد قوات الحشد الشعبي بمدينة طوزخورماتو، ظهور تنظيماتٍ مسلحة في سلسلة جبال جمبور.

وقال جايرلي آنذاك: "هناك عدة معسكرات وراء الجبال، أحدها معسكر تدريبي تابعٌ لداعش تحت اسم بيركانا، حيث ما زال هناك أعضاء نشطون في تنظيم داعش، وهناك معسكرٌ آخر على الأقل يؤوي بعض أنصار داعش، النازحين من 43 قريةً في هذه المنطقة".


لا أصدقاء في الجبال


وقال إنَّ بعض المقاتلين الأكراد وأعضاء من جماعات المافيا الذين كانوا يعملون منذ أمدٍ بعيد في طوزخورماتو، فرُّوا إلى هذه السلسلة الجبلية نفسها بعد الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في المدينة حين شنَّت القوات الحكومية حملاتٍ عسكرية لاستعادة الأراضي المتنازع عليها في شمال العراق.

وأضاف: "هناك بعض الأكراد كذلك في هذه المنطقة والذين نعتقد أنَّهم يساعدون أعضاء تنظيم داعش وأُسرهم. رأينا بعض الأكراد بالقرب من طوزخورماتو يستعينون ببعض مقاتلي داعش؛ لمساعدتهم في السيطرة على الأراضي التي يريدونها، ونعتقد أنَّ هناك بعض العلاقات القائمة بينهم وراء هذه الجبال".

جديرٌ بالذكر أنَّ الحكومة العراقية تواصل إعادة توطين النازحين في محافظة صلاح الدين، بمدينة طوزخورماتو والبلدات والقرى النائية التي كانت خاضعةً لاحتلال داعش.

لكنَّ برنامج إعادة التوطين ما زال يُمثِّل تحدياً في ظل المشكلات المتمثلة بالدمار الهائل الذي أصاب المنازل، وانعدام البنية التحتية تقريباً، وأُسَر مقاتلي تنظيم داعش السابقين.

وحين أُعيد استقبال بعض النازحين من مدينة سليمان بيك المجاورة في المدينة؛ لمعاينة حالة منازلهم، في حدثٍ رفيع المستوي بالأسبوع الماضي- عُثِر على 3 عائلاتٍ من أنصار داعش السابقين وهم يختبئون بين المواطنين، وفقاً لما ذكره مصدرٌ كبير في وزارة الدفاع لموقع ميدل إيست آي.

وقال المصدر إنَّ السلطات اعتقلتهم بعد مغادرة الصحفيين.

وما زال مستقبل مقاتلي داعش السابقين وعائلاتهم يُمثِّل واحدةً من أعقد المشكلات في العراق بعد القضاء على التنظيم، ويبدو أنَّ جبال جمبور هي ملجأهم الأخير بعدما لم يبقَ أمامهم أي مكانٍ آخر يفرُّون إليه تقريباً.