لذلك نتظاهر بمعرفة أشياء لا نعرفها حقاً.. 70% من الناس لا يحبون التفكير على الإطلاق والباقي يبررون مواقفهم

تم النشر: تم التحديث:
NQASH
نقاش

"نعم أعرف"، هي الجملة الآلية التي تأتي رداً على سؤال: هل تعلم؟

غالباً ما يتظاهر الناس بأنهم يعرفون حقيقة ما يدور حولهم، وغالباً ما يفسر البعض هذه الثقة الزائدة على أنها الجهل بحد ذاته. إلا أن التفسير العلمي لذلك هو تصميم البشر على التمسك بحس الصوابية لديهم، خصوصاً في ظل الأجواء السياسية المتشابكة والمعقدة التي يشهدها العصر. فهل ما نؤمن به هو الحقيقة أم حاجتنا للاطمئنان بأننا نعرف كيف يسير العالم؟

يقول مؤلف "وهم المعرفة: لماذا لا نفكر لوحدنا" البروفيسور في العلوم الإدراكية لجامعة براون الأميركية ستيفان سلومان إن الإنسان يدّعي معرفة سير الأمور بسبب اعتماده على عقول الآخرين، فـ "القرارات التي نتخذها وسلوكنا الذي نتبعه وأحكامنا التي نصدرها، تعتمد بشكل كبير على ما يفكر فيه الآخرون. وإذا كان الناس حولنا مخطئون بشأن أمر ما، فهناك احتمال كبير بأن نكون أيضاًعلى خطأ".

إليك ملخص التفسيرات العلمية لتصرفات المدعين من حولك بمعرفة كل شيء:

nqash


هكذا يشكّل الناس آراءهم


يؤمن سلومان أن سلوكنا كبشر يتشكل بواسطة المجتمع أكثر من الحقائق على الأرض. وبرأيه فإن البشر غير عقلانيين، بل إن معظم الناس (نحو 70%) لا يحبون التفكير على الإطلاق. أما ما تبقى، يخصصون جزءاً كبيراً من مواردهم لتبرير المعتقدات التي يريدون الاحتفاظ بها، بدلاً من تشكيل اعتقادات صادقة مبنية على الحقائق.


نعيش في مجتمع المعرفة


يقول سلومان في حوار إعلامي نشره موقع Vox، إن كل أفكارنا تعتمد على أفكار الآخرين، مثل بسيط على ذلك قطع الشارع بناءً على تقدير ما يفكر به سائق السيارة المقابلة.

كما يطرح مثالاً أعمق مثل موقف الناس على سبيل المثال من الهجرة، إذ يحتاج البشر للاطلاع على أفكار ومعرفة الآخرين قبل أن يتخذوا موقفاً شخصياً منها.


الخوف من تفوق الآخرين


ومن أهم المخاطر التي تنتج عن هذه التبعية هي الاعتقاد بأن المرء يفهم لأن الناس من حوله يعتقدون أنهم يفهمون، وهم بدورهم يعتقدون ذلك لأن الناس من حولهم يعتقدون أنهم يفهمون. وقد ينتهي الأمر بولادة شعور قوي بالفهم دون أن يكون لأي منا فكرة واضحة عما نتحدث عنه فعلياً.


الانحياز في النقاش السياسي ضروري


يوضح سلومان أنه عند خوض نقاشات سياسية، فإنها كمعظم النقاشات العامة، إطار حوار لا يمكننا أن نسمع أو نرى حقيقته، لذا نعتمد على إجماع الناس. ويكون الجدال محاولة لإقناع أنفسنا بقدر ما هو محاولة لإقناع الآخرين.

أما الجزم عند النقاش يعني أننا مقتنعون، وهنا يضيع الحد الفاصل بين السعي للوصول إلى الحقيقة أو الحفاظ على إحساسنا بأننا على حق.

وأوضح أن الانحياز في هذه الحالة ضروري للحفاظ على إحساسنا بالصوابية، وإلا سيكون علينا البدء من جديد في كل مرة نناقش قضية ما، ويكون الجدال السابق بلا فائدة.

وهنا يختلف الناس بهذا الشأن، فبينما يشعرون بأنهم ملزمون ليكونوا على صواب، بمعنى أنهم يريدون من الناس حولهم الاعتقاد أنهم على صواب، يتحقق هذا بسهولة عبر تكرار ما يردده الآخرون. أما الأشخاص الأكثر نباهة، فلديهم القدرة على إيجاد طرق يترجمون بها الحقائق الجديدة.

لكن البعض يحاول الارتقاء فوق الجمهور وتمحيص الادعاءات بشكل مستقل، فيستمعون للادعاءات الأخرى ويتبعون المعلومات إلى حيث تشير فعلياً. بل إن بعضهم يتدرب على ذلك، مثل العلماء والقضاة والمحققين الجنائيين والفيزيائيين وغيرهم.


الشرح يقلل الإحساس بالفهم


لدراسة "وهم العمق التفسيري" المصاحب للقضايا السياسية، اختبر سلومان مجموعات تمثيلية من الأميركيين عبر طرح مجموعة أسئلة افتراضية. تم سؤالهم بدايةً عن تقييم
سلوكهم وفهمهم للقضية قيد الدرس، ثم شرحها (ماهيتها ونتائجها)، وبعد ذلك تم تقييم فهمهم وسلوكهم مجدداً.

وجد سلومان أن محاولة الشرح قللت من إحساسهم بالفهم ومن حدة سلوكهم في المعدل المتوسط.


حاجتنا لأن نفهم ما حولنا


يؤكد سلومان أنه لا يوجد طريقة أمام المرء ليتعلم كل شيء، لذا علينا أن نعتمد على الآخرين، وهذا رد فعل عقلاني جداً. لكنه يشدد على عدم الحاجة للعيش في الوهم، فإن كنا لا نفهم محاور قضية ما، لا يجب الادعاء عكس ذلك.

ولكن بعض الناس، على حد تعبيره، بحاجة للاعتقاد أنهم يدركون ما يدور حولهم ليستطيعوا مكابدة الحياة، "والمشكلة الحقيقية أن نسبة كبيرة من معتقداتنا تدفعنا لتأييد أفكار وسياسات غير مبررة".


الجهل والثقة خليط مدمر


ويعتبر سلومان أن مزيج الجهل والثقة خطير جداً، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب المثال الأبرز على ذلك.

وقال إن الأخطر من مزاعم ترامب التي يرددها، هو تصديق 44% من الشعب الأميركي لما يردده أكثر من وسائل الإعلام الشائعة، الأمر الذي يعطيه قوة واليد العليا.


جوجل يعرض ما يريده وليس ما نبحث عنه


وأشار البروفيسور في العلوم الإدراكية إلى أن بزوغ نجم الأخبار المزيفة والحقائق البديلة أمر مقلق بالنسبة لضفتي السياسية الأميركية اليمينية واليسارية.

واعتبر أن الشعب الأميركي غرق في الفقاعة أكثر من مرحلة ما قبل الانتخابات، لافتاً إلى أن الإنترنت زادت الأمر سوءاً، لناحية تشكيل مجتمعات إلكترونية تؤمن بنفس المعتقدات.

لذا حتى لو أراد الشخص البحث والتبحر في معتقدات الطرف الآخر، فإن محرك البحث غوغل سيعرض النتائج التي يريد أن يراها وليس ما يبحث عنه حقاً.


هكذا نصبح مجتمعات حكيمة


من هنا، أكد سلومان أن الأشخاص الذين يكثرون من التأمل هم الأكثر مقاومة للوهم. والهدف هو عدم الجزم باستنتاجات ما قبل التدقيق فيها جيداً. فكل ما يحتاجه الأمر هو شخص واحد يسأل: هل أنت متأكد؟ ثم اهتمام الآخرين كفاية للبحث عن المبررات الصحيحة.

في المقابل أشار إلى أنه لا يوجد ما يمنع المجتمعات من تبني هذا الأسلوب في مقاربة مسائل الحياة، لكن الخطورة تكمن في السياسات التي تدفع نحو طمأنة الناس وإخبارهم ما يريدون سماعه وما يوافقون عليه جميعاً. هذا الأمر يعطينا حساً بالهوية بشكل كبير، وهنا مكمن التوتر، على حد قوله.