القروض تنقذ ثورتهم.. التونسيون نجحوا سياسياً وتراجعوا اقتصادياً فاندلعت الاحتجاجات

تم النشر: تم التحديث:
PROTESTERS TUNISIA
Protesters throw stones during demonstrations against rising prices and tax increases, in Tebourba, Tunisia, January 9, 2018. REUTERS/Zoubeir Souissi | Zoubeir Souissi / Reuters

ثمة شيء يكمن في فصل الشتاء في تونس. ففي شهر يناير/كانون الثاني من عام 1984، هزت احتجاجات الخبز البلاد، مما أثار قلق حكومة بورقيبة. وفي يناير/كانون الثاني من عام 2011، أطاحت الثورة بخليفة بورقيبة، الرئيس زين العابدين بن علي.

في الأيام القليلة الماضية، اندلعت المظاهرات مرةً أخرى في جميع أنحاء تونس، وخاصة في الشمال الغربي من البلاد. ورغم أن الاحتجاجات كانت سلمية بشكلٍ كبيرٍ، فقد تصاعدت بعض المواجهات مع قوات الأمن، وأُلقي القبض على أكثر من 200 شخص، وتوفي أحد المتظاهرين.

7 سنوات مرت على الثورة التونسية، عام 2011، وهي ثورة يرى التونسيون أنها شقت طريقهم نحو تكريس مبادئ الديمقراطية والحرية، لكنها فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين الوضع الاقتصادي الذي يزداد تأزماً يوماً بعد آخر.

مؤشرات عديدة تشي بأن الوضع في تونس يزداد صعوبة، بينها انكماش الاقتصاد إلى أقل من 1%، فيما فاقت نسب البطالة الـ15%، وتباطأ نمو الاستثمارات الأجنبية بفعل التوترات الأمنية، منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي (1987-2011


المطلب الرئيسي


وفي تقرير لميدل إيست آي البريطاني، قال فيه إن المتظاهرين يحتجون ضد الارتفاع السريع للأسعار، وزيادة معدلات البطالة، بالإضافة إلى سخطهم من سياسات التقشف التي تتبعها الحكومة التونسية.

ويتمثل المطلب الأساسي للمحتجين في مراجعة قانون المالية الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من شهر يناير/كانون الثاني 2018، وهو المسؤول الأساسي عن الزيادة الكبيرة التي شهدتها الأسعار مؤخراً.

protesters tunisia

هذا وقد أطلقت مجموعة من الشباب التونسي حملة بعنوان فاش_نستناو وتعني "ماذا ننتظر". ولم تدع المجموعة إلى الاحتجاجات خلال الأيام القليلة الماضية، ولكنها دعت إلى احتجاج جديد اليوم الجمعة 12 يناير/كانون الثاني 2018 في تونس.

يُعد القانون ذروة مؤسفة للسياسات الاقتصادية التي شكلت مرحلة ما بعد الثورة في تونس. تتبع الحكومة التونسية -مدفوعةً إلى حدٍ كبيرٍ بمطالب صندوق النقد الدولي، والتي طالما كانت طالباً مطيعاً له على مرّ التاريخ- استراتيجية للإصلاح الاقتصادي تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي وتخفيض قيمة عملتها.

وبسبب كونها مستورداً كبيراً للأغذية، فإن الدينار التونسي الضعيف قد فرض ضغوطاً إضافية على تكاليف المعيشة، مما أدى إلى تفاقم التضخم المرتفع بالفعل.

وبحلول عام 2017، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة الثلث منذ ثورة 2011، وأسعار المواد الغذائية بنسبة 50 في المائة تقريباً. وربطت الحكومة بين النقابات القوية والمقرضين الدوليين، وزادت من أجور القطاع العام، لكنها توقفت إلى حدٍ كبيرٍ عن التوظيف.

وغرّد فاضل كابوب على تويتر قائلاً: "من الجنون رؤية الطريقة التي حولت بها وسائل الإعلام وروايات السياسيين الاحتجاجات في تونس بتلك السرعة إلى قضايا الأمن والإرهاب ولوم الأحزاب بعضها البعض. في حين تكمن المشكلة الأساسية في النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي يهدف إلى إفقار تونس. # فاش_نستناو # LF2018

وقد ترك ذلك العديد من الشباب التونسيين يكافحون من أجل إيجاد فرص عمل يمكن أن تواجه هذا التضخم. وحتى اليوم، يشكل أكثر من 60 % من الرجال العاملين و 83 % من النساء العاملات جزءاً من الاقتصاد غير المنظم المتنامي في البلاد.


قانون المالية المثير للجدل


وعلاوة على ذلك جاء قانون المالية، معلناً عن نية تخفيض عجز الموازنة إلى أقل من 5 % من إجمالي الناتج المحلي، ولكنه اشتمل على جرعةٍ كبيرةٍ أخرى من التقشف من بين بعض الإجراءات الشاذة الأخرى. كما شمل زيادة بنسبة 1 % في ضريبة القيمة المضافة، إلى جانب زيادة الضرائب الإضافية بنسبة 10 % في قطاعات متعددة، بما في ذلك وكلاء السيارات ومحلات السوبر ماركت، كما شمل مساهمة إضافية في الضمان الاجتماعي.

وبناءً على ذلك، ارتفعت الأسعار مرة أخرى منذ بداية العام الجديد، وزادت تكاليف البنزين والهاتف جنباً إلى جنب مع السلع المنزلية الشائعة. وكتب أحد أصحاب المتاجر على نافذة متجره "لا تتحدث معي عن ارتفاع الأسعار، أنا لست الحكومة".

جديرٌ بالذكر أن أهداف البرنامج الاقتصادي للحكومة ليست كلها أفكاراً سيئة في حد ذاتها. إذ أن إصلاح القطاع العام مسألة مهمة، كما هو الحال بالنسبة لوضع الدينار.

ومع ذلك، فإن الدفع بالإصلاحات المؤلمة دون أي اعتبار لعواقبها التوزيعية لا يقتصر فقط على مضاعفة التفاوتات العميقة والضارة والتقسيمات داخل المجتمع التونسي، بل يطلب أيضاً تضحيات إضافية من أُناسٍ لا يملكون شيئاً كي يعطوه.

إنها عدم الاستدامة في الأساس. نادراً ما يُصدق خطاب الحكومة بأن هذه الفترة ما هي إلا فترة مؤقتة من المشقة، وكذلك تأكيد رئيس الوزراء بأن 2018 ستكون آخر سنة شاقة على الشعب التونسي، ويرجع ذلك بسبب التزامات دوائر الديون في تونس على مدى السنوات المقبلة، ولأن التونسيين قد توقفوا بالفعل عن تصديق حكومتهم.


هل التصعيد أمراً محتملاً؟


ويتساءل الموقع البريطاني، ماذا نتوقع من هنا؟ يبدو أن الوضع آخذٌ في التصاعد. رد فعل الحكومة الفوري على الاحتجاجات كان مخيباً للآمال إلى حدٍ كبيرٍ، وذلك من خلال تسليط الضوء على أحداث العنف القليلة، وتشجيع قوات الأمن للقضاء على الاحتجاجات.
ومن غير المحتمل حدوث تغيير جوهري في السياسة ما لم يقدم المقرضون الدوليون إلى تونس مجالاً كبيراً للمناورة وتسهيلات كبيرة. وحتى لو تم إلغاء قانون المالية، فإن الدينار ما زال مستمراً في الانخفاض، كما أن سوق العمل لم يبدأ بعد في التعافي من انخفاض معدل التوظيف في القطاع العام.

وتكشف الأزمة الراهنة ضعف المشهد السياسي القائم على توافق الآراء في تونس. وقد اعتبر المراقبون الدوليون أن سياسة الائتلاف الكبرى بين حزبي نداء تونس والنهضة بالإضافة إلى مجموعة الأحزاب الصغيرة قد أبدت بعض الارتياح، كما أنها توفر وسيلة مثالية لتهدئة الانقسامات الأيديولوجية داخل البلد.

protesters tunisia

ومع ذلك، فإن الخطاب التوافقي بين الأحزاب التونسية قد ولّد أيضاً نوعاً من الهيمنة الداعمة لبرامج التقشف داخل النظام السياسي في تونس، وبالتالي زاد من خطر الانشقاق بين الشعب والحكومة.

ويتطلب تجنب ذلك عملاً بطولياً ونوعاً مختلفاً من السياسة داخل المشهد الحزبي الداخلي، ولكنه يتطلب أيضاً تغييراً جدياً من قبل المجتمع الدولي.

وإذا لم يحدث ذلك، فإن في الاحتجاجات التونسية السابقة في يناير/ كانون الثاني أسوة. ففي عام 1984، تم قمع الاحتجاجات بوحشية، مما أدى إلى مقتل أكثر من 100 شخص، والذي ألحق ضرراً بالغاً بشرعية حكومة بورقيبة.

ولا ينبغي أن ننسى أنه في عام 2011، أعقب فصل الشتاء في تونس ربيعاً ثورياً في المنطقة. وبعد كل شيء، فتونس ليست البلد الوحيد في شمال إفريقيا، الذي يعاني سكانه اليوم جرّاء ارتفاع الأسعار وسياسات التقشف. هذا وقد انتشر هاشتاج"what are we waiting for أو ماذا ننتظر" بصورة كبيرة جداً.

وبين يناير/كانون الثاني 2011 ويناير/كانون الثاني 2018، 7 سنوات انقضت على اندلاع الثورة التونسية. وما بين التاريخين، تتأرجح مشاهد الاحتجاجات والمواجهات العنيفة بمختلف الشوارع والمدن، لترسم صورة متشابهة الشكل مختلفة السياق والمضمون، حسب ما ذكرت وكالة الأناضول.


ما لم تحققه الثورة وساهم في تفجير احتجاجات 2018


1- الفقر ونقص التنمية

حين أحرق محمد البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد (وسط)، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، لم يكن ذلك سعياً منه للإطاحة بنظام بن علي، أو لإشعال فتيل الربيع العربي، بقدر ما كان رفضاً للظلم ولقطع مصدر رزقه (عربة لبيع الخضراوات).

ومن البوعزيزي، اندلعت شرارة ثورة تحمل طابعاً اجتماعياً، ذا صلة بالبطالة ونقص التنمية، خصوصاً بالمناطق الداخلية الغربية والجنوبية، قبل أن يتخذ الحراك حينها طابعاً سياسياً.

بدورها، تنبع الاحتجاجات الحالية التي تهز تونس، من أسباب اجتماعية واقتصادية، مرتبطة مباشرة بزيادة أسعار بعض المواد الأساسية مطلع 2018.

غير أن الامتداد الزمني لهذه الاحتجاجات قد يحولها لحراك نوعي، ويضمّنها مطالب سياسية، خاصة أن أحزاب مثل الجبهة الشعبية (تكتل لأحزاب يسارية وقومية 15 نائباً من أصل 217)، والتيار الديمقراطي (3 نواب/ معارض) لم يخفيا دعمهما للاحتجاجات.

2- بطالة مرتفعة

في 2017، بلغت نسبة البطالة بتونس نحو 15.3 في المائة، وترتفع إلى نسب أعلى بأوساط الشباب، وتزداد نسبتها أكثر في المناطق الغربية والداخلية والجنوبية، وتمثل إحدى العقبات الرئيسية التي أخفقت 9 حكومات متتالية بعد الثورة في تقليصها إلى نسب مقبولة.

3- أزمة اقتصادية خانقة

رغم محاولة تونس بعد الثورة الخروج من أزمتها الاقتصادية، فإن الوضع تأزم أكثر؛ بسبب الاحتقان السياسي والضربات التي وجهها الإرهاب لقطاعها السياحي، الذي يمثل إحدى ركائز اقتصادها، قبل أن ينتعش نسبياً في 2017.

كما أن الاحتجاجات أضرت كثيراً بالقطاعات الرئيسية لاقتصاد البلاد، مثل الفوسفات والبترول الذي تنتج منه البلاد كميات محدودة.

4- استمرار تفشي الفساد

أحد الأسباب التي قامت عليها الثورة التونسية كان محاربة الفساد، إلا أنه وبعد 7 سنوات، ورغم إعلان الحكومة، بقيادة يوسف الشاهد، الحرب على الفساد، فإن قناعة راسخة تتملك التونسيين حتى اليوم بأن "الفساد لم يكافَح بالشكل الكافي".

وفي هذا الصدد، يقول شوقي الطبيب، رئيس الهيئة التونسية لمكافحة الفساد والحوكمة (دستورية مستقلة)، في تصريحات إعلامية سابقة، إن "70 في المائة من مشاكل تونس كان بالإمكان تجاوزها في حال قاومنا الفساد".


إنجازات الثورة


1- التداول على السلطة عبر منافسة مفتوحة

قبل الثورة، لم يكن بالإمكان التداول على السلطة عبر انتخابات مفتوحة، ورغم أن تونس شهدت انتخابات في هذه المرحلة، فإنها كانت محسومة مسبقاً، ما يعني أن أهم إنجاز حققته الثورة لشعبها هو تمكينها من انتخاب ممثليه بشكل ديمقراطي.

2- صحافة حرة

بعدما كانت الصحافة العمومية والخاصة خاضعة لرقابة السلطة، أصبح الإعلام أكثر حرية وتنوعاً، وصنَّفه تقرير "مراسلون بلا حدود" في المرتبة الأولى عربياً (دون احتساب موريتانيا وجزر القمر).

3- العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان

شكلت تونس، في 2014، هيئة الحقيقة والكرامة (دستورية مستقلة)، بهدف الإشراف على تطبيق قانون العدالة الانتقالية، والنظر فيما يتردد من تجاوزات حقوق الإنسان بين الأول من يوليو/تموز 1955 و24 ديسمبر/كانون الأول 2013، تاريخ صدور هذا القانون.

4- حق التظاهر

وهو من الحقوق التي حصل عليها التونسيون بعد الثورة، حيث كان التظاهر محظوراً زمن بن علي، إلا في نطاق ضيق.

لكن في السنوات السبع الأخيرة، شهدت تونس عدة تجمعات ومظاهرات حمتْها الشرطة بدل قمعها، رغم أن هذا الحق أصبح محل جدل؛ بسبب لجوء بعض المحتجين إلى العنف.

5- الحجاب

كان الحجاب في عهدي بورقيبة وبن علي، محظوراً بنص القانون رقم 108 الصادر في 1981، حسب القيادية في حركة النهضة فريدة العبيدي، لكن بعد الثورة تم إسقاط هذا القانون، وأصبح الحجاب "حرية شخصية" للنساء التونسيات.


الإرهاب عقبة بوجه الاستقرار


قبل الثورة، كانت تونس تنعم إلى حد كبير بالأمان، رغم وقوع عمليات إرهابية محدودة، لكنها بعد يناير/كانون الثاني 2011، تعرضت لعدة ضربات إرهابية استهدفت سياسيين ورجال أمن وعسكريين وسياحاً أجانب.

كما حاول تنظيم داعش الإرهابي تأسيس إمارة له في بن قردان (جنوب شرق)، كما تتمركز كتيبة عقبة بن نافع، التابعة لتنظيم القاعدة في جبال الشعانبي (غرب)، فيما عدا مئات التونسيين من مناطق التوتر في ليبيا وسوريا والعراق، ما أثار قلق الناس من تزايد مخاطر التهديد الإرهابي.

أما خارجياً، فلم تحظَ الثورة التونسية بدعم أطراف دولية على الأغلب؛ لأنها كانت مفاجئة وغير متوقَّعة وسريعة (قرابة شهر).
لكن اليوم، يخشى محللون إمكانية استغلال أطراف خارجية الاحتجاجات الحالية، خاصة أن الثورة التونسية الوحيدة التي نجت من السيناريوهات المأساوية التي عرفتها دول الربيع العربي مثل ليبيا ومصر وسوريا واليمن.

ويمكن القول إنه بعد 7 سنوات من الثورة، حقق التونسيون قفزات على المستوى الديمقراطي والحريات العامة، لكنها على الصعيد الاقتصادي ما زالت تراوح مكانها إن لم تتراجع قليلاً.

في حين تمثل مكافحة الفساد تحدياً كبيراً وإن قطعت فيها الحكومة خطوات عديدة، إلا أن الطريق أمامها ما زال يبدو بعيداً.