بريطانيا تطلق حملةً لتشجيع الشباب على الانضمام للجيش.. إن كنت مثلياً أو ضعيف البنية أو عاطفياً ستجد لك وظيفةً

تم النشر: تم التحديث:
BRITISH ARMY
JOHNGOMEZPIX via Getty Images

بعدما حكمت في يوم من الأيام 23% من سكان الارض، يبدو أن المملكة المتحدة تعاني بعض الشيء في إقناع مواطنيها بالانضمام إلى الجيش؛ إذ لجأت القيادة العسكرية إلى إطلاق حملة غير مسبوقة تستهدف المسلمين والسود والنساء والمثليين جنسياً، أدت إلى انتقادها بشكل كبير من الصحافة والخبراء، والذين اتهموها بالتراخي وهز هيبة الجيش.

الحملة عبارة عن مجموعة فيديوهات قصيرة لشخصيات مرسومة بطريقة فنية، استهدفت فحواها أسئلة قد تراود أعضاء الأقليات، سواء الدينية أو الإثنية أو حتى المثليين، على طريق الأسئلة:

"هل أستطيع أن أؤدي صلاتي في الجيش؟ هل أستطيع أن أمارس ديني؟ هل أستطيع أن أكون مثلياً في الجيش؟ ماذا لو كنت عاطفياً؟ هل سيستمع أحد لي؟ هل يجب أن أكون بطلاً خارقاً للانضمام إلى الجيش؟".

يجيب عن كل سؤال منها صوت رجل أو امرأة، يشرحون كيف أن الخدمة في الجيش لم تؤثر في طريقة ممارستهم دينهم أو تعبيرهم عن مشاعرهم.. وما إلى ذلك من تطمينات.


إنتماء أكثر نعومة؟


اسم الحملة المثيرة للجدل "الانتماء إلى الجيش 2018"، وانطلقت قبل أيام بشكل غير رسمي على موقع يوتيوب، وكلفت دافعي الضرائب 2.1 مليون دولار، الأمر الذي اعتبره المعارضون مبلغاً ضخماً لمضمون غير لائق بالهيبة البريطانية العسكرية.

تأتي الحملة استجابة لتغييرات صادرة من القيادة ومدعومة من الأمير هاري، الذي شن حملة حول مكافحة ثقافة كلمة "استرجل" كلما اشتكى أحد الجنود من اضطرابات نفسية وعاطفية، معتبرين وقتها أنها إجابة غير كافية ومسيئة.

ويبدو أن الجيش قرر مقاربة هذه الرغبة في التغيير، عبر إطلاق الحملة الجديدة التي تستهدف فئات أكثر تنوعاً من المجتمع البريطاني.

وحرصت الحملة على تأكيد أن الجيش مكان يمكن فيه التعبير عن العواطف وممارسة المعتقدات الدينية، ويوجد فيه آذان مصغية عند وجود شكاوى. ولم تتوقف عوامل التشجيع هنا؛ بل ذهبت إلى حد الترغيب في أن الانضمام إلى الجيش يحسّن الصحة البدنية وأنه لا يتوجب على المتقدمين أن يكونوا ذوي عضلات ليتأهلوا.

هذه المقاربة الجديدة فتحت باباً للنقاش من قِبل النقاد، الذين اعتبروا أن الجيش بات "أكثر نعومة"، في حين أيد الداعمون الحملة واصفين إياها بالإصلاح السياسي.


قلة حماس أو وظيفة بلا منفعة؟


محاولات إقناع أطياف متعددة من المجتمع للانضمام للجيش تأتي من واقع قلة الحماس لدى البريطانيين للانضمام إليه.

وعن الأسباب، قال الكاتب البريطاني ماكس هاستينغ في مقال نشرته صحيفة دايلي ميل، إن الوظائف المكتبية التابعة للجيش ما زالت كثيرة ومتنوعة، لكنها خسرت بريقها وجاذبيتها لدى الشباب البريطاني الذي كان في يوم من الأيام يرحب بوجوده في مرمى النيران، على حد تعبيره.

ونقل هاستينغ عن ضابط كبير مسؤول عن التوظيف أن الامور اختلفت كثيراً بعد انسحاب القوات البريطانية من أفغانستان. وكشف أن العديد ممن ينضمون للجيش يهدفون إلى تطوير طاقاتهم والتخصص في مجالات قد تفيدهم لاحقاً مثل التكنولوجيا.

وأوضح الضابط أن هناك نقصاً في عدد المشاة، أي الجنود المستعدون للقتال والقتل في سبيل بلادهم.

وأوضح أن الشباب الذي كان يرى في يوم من الأيام المواهب المطلوبة للانضمام إلى فرق المشاة - الشجاعة والقوة والبراعة مع الأسلحة - لا تفيده لاحقاً في حياته المدنية، إلا إذا وجد فرصة عمل مع شركات تأمين وحراسة.

وختم هاستينغ قائلاً:" أخبرني أحد الجنرالات أنه يجب التعامل مع بريطانيا كما هي عليه اليوم، وليس على ما كانت عليه في يوم من الأيام. فعدد كبير من الجنود يملكون منازل ويتنقلون يومياً إلى عملهم ومتزوجون من سيدات عاملات.. لذا لا بد من مراعاة احتياجات الجيل الجديد، وهو أمر من الصعب أن يفهمه الجيل الأكبر".


راتب غير مغرٍ؟


أما من ناحية المردود المالي، فتوضح سلسلة الرتب والرواتب التي ينشرها الجيش على موقعه الإلكتروني أن العائد المالي للجندي العادي في العام 2017 ترواح من 14 ألف إلى 47 ألف جنيه استرليني وفق طبيعة مهامه. بينما يبدأ راتب الضابط من 25 إلى 102 ألف استريليني، وهو راتب قائد اللواء.

ويتقاضى الجنود الذين يخدمون في قطاع الصحة أكثر من غيرهم على سبيل المثال، بحكم شهاداتهم الجامعية. أما الخدمة خارج الدولة فلها بدلات وتعويضات لم يتم تحديدها.


مساس بالهيبة العسكرية؟


وقال العقيد المتقاعد ريتشارد كيمب، وهو قائد سابق للعمليات البريطانية في أفغانستان، إن الجيش "أُجبر على سلك درب إصلاحي سياسي". وأضاف مصرحاً لقناة BBC: "المهم أن يكون الجيش مكتمل العناصر، لا أن تعكس عناصره تنوع المجتمع البريطاني، املأوا الجيش بعناصر مستعدة للقتال، ولا أظن هذه الحملة تخدم هذا الهدف". في حين اعتبر ضابط سابق -صرح لصحيفة "ذا تايمز"- أن "معنويات الجيش ستنهار" بعد نشر هذه الإعلانات.

بدوره، دافع الجيش البريطاني عن سياسته الجديدة في التجنيد؛ إذ أشار الجنرال السير نيكولاس كارتر، قائد الجيش، إلى أن المجندين "كانوا عادة من الشباب البيض، الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عاماً، إلا أن التغيرات الديموغرافية في البلاد تعني أن هذه الفئة لم تعد منتشرة كما في السابق".

وأوضح لراديو "BBC 4": "مجتمعنا يتغير، وأعتقد أنه من المناسب محاولة التواصل مع قاعدة أوسع؛ للحصول على المواهب التي نحتاجها للحفاظ على قدراتنا القتالية".

ومن المقرر أن تنطلق الحملة رسمياً يوم السبت 13 يناير/كانون الثاني 2018 على مواقع التواصل الاجتماعي والتلفزيونات، والتي تم تنفيذها بعد أبحاث ديموغرافية. وتم تصميمها لتستقطب عدداً أكبر من النساء وذوي البشرة السوداء والمنحدرين من أصول آسيوية والمسلمين.


هل آن الوقت لتغيير الشعارات؟


وكان قائد الجيش اقترح قبل عدة شهور شطب كلمة "كن الأفضل" من حملات الترويج للانضمام إلى الجيش، الأمر الذي رفضه وزير الدفاع غافين وليامسون. وأشارت وقتها شركة التسويق المسؤولة عن الأبحاث والإعلان، Capita. Market، إلى أن شعار "كن الأفضل" شعار نخبوي وقديم، لكن الشعار في الحملةالجديدة تغير بالفعل ليصبح "ابحث عن المكان الذي تنتمي إليه"، في إشارة إلى أن هناك وظائف متعددة داخل الجيش تناسب الطبائع المختلفة للبشر..

ويعاني الجيش حالياً نقصاً في عدد مجنديه بلغ نحو 4 آلاف جندي من أصل الهدف الأوليِّ بانضمام 82 ألفاً.

واعتبر جندي سابق -رفض الإفصاح عن هويته- أن هذه الدعايات تستهدف الناس الذين يهتمون بالسياسة وليس القتال، قائلاً: "يبدو أن الناس نسوا مهمة الجيش الأساسية: المواجهة والقتل".