مصر في إريتريا.. حقيقة "التعزيزات" العسكرية التي أرسلتها القاهرة لمعسكر ساوا والتصعيد مع السودان وإثيوبيا

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN ARMY IN ERITREA
sm

إريتريا هذه الدولة الصغيرة على الساحل الغربي جنوبي البحر الأحمر، تحولت إلى محط الاهتمام مجدداً بعد نشر تقارير عن إرسال مصر تعزيزات عسكرية إليها، في ظل توتر العلاقات بين القاهرة من جانب، والسودان وإثيوبيا شريكتيها في النيل.

يأتي الخبر، الذي تنفيه القاهرة، في سياق تحول منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر لما يشبه ساحة صراع نفوذ جديدة تتداخل فيها خلافات دول المنطقة التقليدية مع المحاور المتنازعة في منطقة الشرق الأوسط.

وفِي هذا التقرير تحاول هاف بوست عربي رصد الوضع السياسي والعسكري في القرن الإفريقي، وفِي القلب منه إريتريا هذه الدول الصغيرة ذات النظام العسكري الصارم الذي يشبهه البعض بكوريا الشمالية، والتي دخلت في حروب وصراعات مع أعداء أكبر منها غالباً، مستندة لخليط من العوامل للتغلب على ضعف السكاني والاقتصادي وعزلتها، منها جيش كبير نسبياً بالمقارنة بعدد السكان وشبكة معقدة وغير شرعية في الأغلب من العلاقات مع قوى وميليشيات داخلية في دول جوارها واستغلال فعال لموقعها الجغرافي.


التحرك العسكري المصري وإغلاق الحدود بين السودان وإريتريا


بيانات المعارضة الإريترية قالت إن أسمرا منحت الضوء الأخضر لمصر لإنشاء قاعدة في إريتريا، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن وصول ما وصفته بتعزيزات عسكرية من مصر هي عبارة عن أسلحة حديثة وآليات نقل عسكرية وسيارات دفع رباعي إلى قاعدة "ساوا" العسكرية في إريتريا، والتي تعتبر المقر الرئيسي لتدريب جنود الخدمة الوطنية، وتقع في إقليم "القاش بركا"، وهو الإقليم المحاذي للسودان عن طريق الشرق.





وقالت هذه التقارير نقلاً عن مصادر إن اجتماعاً أقيم في القاعدة ضمَّ عدداً من القيادات العسكرية والأمنية من مصر والإمارات وإريتريا والمعارضة السودانية الممثلة في بعض حركات دارفور وحركات الشرق.

ويتزامن هذا التطور في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس السوداني عمر البشير حالة الطوارئ في عدد من الولايات السودانية، من بينها ولاية كسلا شرقي السودان، والمحاذية لإقليم "القاش بركا" الإريتري.

وبالفعل كشفت اتصالات أجرتها هاف بوست عربي بعدد من الإعلاميين والخبراء في المنطقة الشرقية للسودان ومدينة كسلا، وجود تحركات عسكرية سودانية في المنطقة الشرقية المتاخمة للحدود الغربية مع إريتريا، مع إيقاف عبور حركة المواطنين بين البلدين.


حالة الطوارئ في الولايات الجنوبية بالسودان


ولكن مصدراً مطلعاً على الشأن السوداني قال لهاف بوست عربي، إن إعلان حالة الطوارئ بكسلا مؤخراً يرتبط فقط بالعامل الاقتصادي ومنع التهريب، كما نفى والي (حاكم) ولاية كسلا السودانية المتاخمة لإريتريا، آدم جماع، صحة ما تردد في وسائل إعلام محلية عن دخول قوات مصرية إلى ولاية كسلا شرقي البلاد. وأضاف أن القوات التي وصلت الولاية جاءت في إطار أمر الطوارئ الخاص بجمع السلاح، وتقنين السيارات (غير المرخصة)، وتهريب البشر والسلاح والتهريب السلعي، وليست لها علاقة بالحدود، وشدَّد على أن العلاقة مع الأجهزة الأمنية في إريتريا مستمرة.

كما نفى مصدر أمني مطلع بولاية كسلا وجودَ أي حشود عسكرية إريترية على الحدود؛ مؤكداً أن الإجراءات الأمنية التي تلت إعلان حالة الطوارئ بالولاية روتينية وعادية، وتأتي بعد انتهاء مرحلة جمع السلاح طوعياً، وبالتالي بدأت حملة جمعه قسرياً التي تحتاج إعلان حالة الطوارئ.

ولَم تعلق الحكومة الإثيوبية على الأنباء بشأن التحركات العسكرية المصرية التي جرى الحديث عنها، ولكن بعض المصادر على الحدود بين البلدين ذكرت لهاف بوست عربي أن هناك تواجداً كثيفاً للقوات الإثيوبية على الحدود مع إريتريا، بالقرب من المثلث الذي تلتقي فيه حدود البلدين مع السودان.





ونفى مصدر عسكري مصري لوكالة الأناضول التركية اعتزام القاهرة إنشاء قاعدة عسكرية في إريتريا، واصفاً هذه التقارير بأنها غير صحيحة.


ساوا ليست قاعدة عسكرية من الأصل


الصحفي الإريتري حسن إدريس قال لـهاف بوست عربي، إن الوجود العسكري المصري على مستوى الخبراء ليس بجديد، بالمشاركة مع الإمارات في منطقة ساوا شمالي إريتريا. "ساوا ليست قاعدة، بل هي معسكر تدريب للخدمة الوطنية، وممكن أن يزورها ضباط إماراتيون ومصريون. وحالة الطوارئ في السودان أمر داخلي خالص، بسبب جمع السلاح، لافتاً إلى أنه تم إعلان الحالة في أربع ولايات أخرى".

وسواء أصبح للقاهرة وجود عسكري دائم في إريتريا أو لم يصبح لها، فإن الواضح أن الانقسام الذي يشهده الشرق الأوسط بدأ ينتقل للقرن الإفريقي، وأن هذا في الأغلب سيؤدي إلى مزيد من التأزيم لصراعات المنطقة، سواء الخلاف الإريتري الإثيوبي أو أزمة سد النهضة بعدما خفتت لغة المفاوضات، ويخشى أن تحل محلها لغة القواعد العسكرية.


حقيقة الخط الساخن بين القاهرة والمعارضة الإثيوبية


أحد المتابعين لملف العلاقات الإثيوبية الإريترية، الذي رفض ذكر اسمه لحساسية موقعه، استبعد تقارباً مصرياً مع المعارضة الإثيوبية، في ظل الخلافات مع أديس أبابا بشأن سد النهضة. وقال لهاف بوست عربي، إن "مصر لن تقدم في الوقت الراهن دعماً للمعارضة السودانية أو الإثيوبية عبر إريتريا. والرئيس الإريتري إسياس افورقي يدرك أن أي تحرك مباشر ضد إثيوبيا منفرداً أو بالاشتراك مع مصر لا يستطيع تحمل مواجهة تبعاته".


الصخب بهذا التوقيت تحديداً وسر الجزيرة السودانية


المتغير الطارئ الذي دخل على العلاقات المصرية السودانية مؤخراً كان اتفاق الدانبين على قيام لتركيا بتطوير وترميم جزيرة سواكن السودانية، ليبدأ حسب بعض الآراء فصلاً جديداً في صراع النفوذ المتنامي بالبحر الأحمر.

هذا الإعلان أثار غضباً مصرياً ظهر في وسائل الإعلام، وسعودياً صامتاً حتى الآن، خاصة أن أردوغان استخدم مصطلح "تخصيص"، الذي يفهم منه أن السودان وافق على أن تكون الجزيرة تحت تصرف تركيا، ما يفتح الباب لاحتمالية أن ذلك ليس إلا مقدمة للتأسيس لنفوذ تركي يتضمن بناء قاعدة عسكرية.

وفي تزامن لا يبدو أنه من قبيل الصدفة، زار رئيس أركان الجيش القطري غانم بن شاهين الغانم السودان بالتزامن مع زيارة أردوغان، وعقب إجراء "مباحثات عسكرية" في الخرطوم، جرى عقد اجتماع ثلاثي لرؤساء أركان جيوش قطر والسودان وتركيا.

وبعض التحليلات تفسر هذا التحرك التركي بأنه جاء رداً على التقارب المصري مع اليونان وقبرص، ومنها المناورات التي أجريت مع أثينا في جزيرة رودس اليونانية، القريبة لسواحل تركيا، والمحظور إجراء مناورات عسكرية فيها، وفقاً لمعاهدة دولية، حسب ما ذكرت أنقره في احتجاجها على هذه المناورات.


الدول صاحبة الوجود العسكري في إريتريا


بينما ما زال يسود الغموض مسألة القاعدة المصرية في إريتريا؛ فإن الأمر مختلف مع الوجود العسكري لحلفاء القاهرة الخليجيين الذي أثبتته تقارير الأمم المتحدة.

ففي عام 2015 أبلغ مراقبو الأمم المتحدة مجلس الأمن بأن السعودية والإمارات العربية المتحدة أقامتا وجوداً عسكرياً بإريتريا كجزء من الحملة التي تقودها السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن التي تقع على بعد 40 كم من هذه الدولة الإفريقية الفقيرة، عبر الأحمر البحر، وفي العام التالي حذّر المراقبون من أن أنشطة الدولتين الخليجيتين العسكرية ومنها القاعدة العسكرية والميناء البحرى الجديدين بإريتريا يشكلان انتهاكاً لحظر تصدير السلاح لهذه الدولة.

كما تحدثت مجلة ناشونال أنتريست الأميركية عن مشاركة قوات إريترية في الحرب باليمن بدفع سعودي إماراتي.

وحسب موقع جلوبال سكيورتي الأميركي فإن السعودية ودبي تواصلان جهودهما لإنشاء قاعدة عسكرية في إريتريا.

وقال محققو الأمم المتحدة إن صور الأقمار الصناعية تظهر أن موافق الموانئ التابعة للقاعدة التي تبنيها الإمارات فى إريتريا تكاد تكون مكتملة منذ أربعة أشهر مع رسو سفن متعددة بها".

وذكر المحققون أن الدبابات والمدفعية التابعة لدولة الإمارات كانت موجودة بين مرافق الميناء ومطار يتم تطويره حالياً، إضافة لتقديم أبوظبي لمساعدات عسكرية وتدريب لأسمرا.
وقد أبرمت الإمارات اتفاقية إيجار مع إريتريا لمدة 30 عاماً للاستخدام العسكري للميناء العميق للمياه العميقة ومطار في مدينة عصب.


وفي إريتريا فقط تجاور يوما هذان العدوان


اللافت في تاريخ إريتريا مع التسهيلات العسكرية، أن أول قاعدة أجنبية استضافتها هذه الدولة أسستها إسرائيل، وهناك اتهامات بتقديم تسهيلات لإيران غريمتها في وقت متزامن.

هذه الدولة الصغيرة في السكان (نحو خمسة ملايين نسمة) والموارد تواجه خصوم تقليديين أكبر منها بكثير (إثيوبيا 94.3 مليون) مع تجاهل أميركي وعقوبات أممية، ما دفعها إلى إقامة علاقات خارجية متقلبة لاستغلال موقعها الجغرافي المهم.

ودفع هذا التقلب إثيوبيا لتقديم تسهيلات عسكرية لإسرائيل وإيران في وقت واحد قبل أن تدخل دول الخليج في المنافسة، فبالإضافة لتأسيس تل أبيب لقاعدة عسكرية بإريتريا هي الأكبر لها في الخارج، اتفقت أسمرا مع طهران على تواجد عسكري في عام 2008، مقابل دعم مالي كما قدمت تسهيلات لطهران لتهريب السلاح للمتمردين الحوثيين في اليمن، فيما قامت إسرائيل عبر تواجدها في إريتريا في ذلك الوقت بمراقبة الوجود الإيراني.


هذه أسباب مصر للتقارب مع إريتريا الآن


اتسمت العلاقات المصرية بدول القرن الإفريقي الجارة لإثيوبيا عادة بالحرص والحذر، فخلال الحرب بين إثيوبيا وأريتريا بين 1998 و2000 لم تدعم القاهرة أي طرف بل دعت الدولتين إلى حل النزاع الطرق السِّلمية، واستبعاد الخيار العسكري، وأحياناً كانت المواقف المصرية يشتم منها رائحة الرغبة في عدم إغضاب إثيوبيا، وأبدت القاهرة على سبيل المثال تفهمها للتدخل الإثيوبي العسكري في الصومال عام 2007.

ولكن يبدو مع إخفاق جهود القاهرة لحل أزمة النهضة دبلوماسياً فإن منهجها في التعامل مع أديس أبابا مرشح للتغير، إذ قال مراقبون إن مصر تستخدم إريتريا كورقة ضغط في التعامل مع إثيوبيا.

ولكن التقاء المصالح المصرية الإريترية لا يقتصر فقط على الخلاف مع أديس أبابا، بل يشمل أيضاً الخلاف المصري مع السودان، خاصة بعد تعقد الخلاف حول سد النهضة الإثيوبي، إثر فشل الدول الثلاث في التوصل لنتائج ترضي الجميع.