يخشون الغضب الشعبي.. المنح الملكية الأخيرة كشفت عن أزمة يعاني منها حكام السعودية

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
| Handout . / Reuters

أعلنت السعودية أنَّها بصدد إنفاق مليارات الريالات لمساعدة مواطنيها في التغلب على آثار ضريبة القيمة المضافة وارتفاع أسعار البنزين والخدمات، وهو القرار الذي يساعد على تخفيف حدة الغضب الشعبي ويُسلِّط الضوء على مساعي المملكة لإصلاح اقتصادها.

إذ أصدر العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، عدداً من الأوامر الملكية صباح السبت الماضي، 6 يناير/كانون الثاني، أعاد بها الزيادة السنوية لأجور الموظفين الحكوميين في السعودية، والتي سبق إلغاؤها كجزءٍ من مساعي تخفيض فاتورة أجور القطاع العام في البلاد.

وأمر الملك سلمان كذلك بمنح مكافأة قدرها 5000 ريال سعودي (1333 دولار أميركي) للجنود المقاتلين في اليمن، ومنح السعوديين العاملين بمؤسسات الدولة بدل "غلاء معيشة" بقيمة 1000 ريال سعودي (267 دولاراً أميركياً) شهرياً لمدة عامٍ كامل. علاوةً على تسديد الحكومة لجزء من مصاريف ضريبة القيمة المضافة التي أُقِرَّت مؤخراً.


حكام السعودية يعانون


وكالة بلومبرغ الأميركية توقعت في تقرير لها أن تُثير هذه القرارات بهجة السعوديين الذين لجأوا في الفترة الماضية إلى الشبكات الاجتماعية وبرامج التلفزيون لانتقاد ارتفاع الأسعار وفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% على عددٍ كبيرٍ من السلع بدايةً من 1 يناير/كانون الثاني الجاري.

لكن هذه القرارات تُظهِر في الوقت نفسه كيف يُعاني حكام السعودية لتحقيق التوازن بين الحاجة لتفادي الاضطرابات الشعبية واتخاذ الخطوات الصعبة والضرورية للتقليل مما يرى صانعو السياسات والاقتصاديون أنَّه اعتمادٌ غير مستدام على العائدات النفطية.

وصرح جان-بول بيغات، رئيس وحدة البحوث في بشركة لايت هاوس ريسيرش، والمقيم في دبي، لتلفزيون بلومبيرغ قائلاً: "الأمر الأساسي الذي نخرج به من الساعات الـ48 الماضية ليس تدهور الميزانية أو الزيادة الهامشية للاستهلاك نتيجة تلك المنح، بل حقيقة أنَّ هذه الحكومة حذرةٌ للغاية من تطبيق أي تدابير يُمكن اعتبارها مؤلمةً للأسر السعودية".

وواجه محمد الجدعان، وزير المالية السعودي، صعوبةً كبيرةً في الرد على الأسئلة المتكررة لشرح أسباب زيادة الأسعار ومدى تأثيرها على المواطنين، أثناء ظهوره في لقاءٍ على شاشة التلفزيون الرسمي السعودي. وانتشرت الدعوات المُطالِبة بإعادة الزيادة السنوية لأجور موظفي القطاع العام على تويتر لتتصدر المواضيع الأكثر تداولاً في عدة مناسبات. جديرٌ بالذكر أنَّ ثلثي الموظفين السعوديين يعملون في القطاع العام.

ولم يقتصر الاستياء على السعوديين العاديين فحسب. إذ صرَّح النائب العام السعودي أنَّ الأجهزة الأمنية ألقت القبض على 11 أميراً يوم الخميس الماضي، 4 يناير/كانون الثاني، بعدما نظَّموا تظاهرةً داخل قصر الحكم بالعاصمة الرياض احتجاجاً على الأمر الملكي القاضي بعدم سداد فواتير الكهرباء والماء نيابةً عن الأمراء. وأضاف النائب العام أنَّ الأمراء نُقِلوا إلى سجن الحائر تمهيداً لمحاكمتهم.


قرارات جيدة.. لكن!


زياد داوود، وهو صحفي بالقسم الاقتصادي ببلومبيرغ اعتبر هذه القرارات جيدةً بالنسبة لمعدلات النمو في عام 2018، لكنَّها تطرح الكثير من التساؤلات عن الاستراتيجية العامة المتبعة التي من بينها التساؤلات المطروحة عن مدى الجدية في تحقيق الأهداف المالية وتفادي استنزاف الاحتياطي النقدي، واحتمالية جعل وظائف القطاع الخاص أكثر جذباً للمواطنين بعد التدابير الأخيرة، والقدرة على تنفيذ الإجراءات الصعبة واللازمة رغم الاحتجاج الشعبي.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تُعدِّل فيها المملكة خططاً تُشكِّل جزءاً أساسياً من رؤية السعودية 2030 التي وضعها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، لتجهيز الاقتصاد السعودي لحقبة ما بعد النفط.

وأعلنت السلطات بالفعل خططها لتأجيل الجدول الزمني لموازنة الميزانية إلى عام 2023، بدلاً من 2019 كما كان مقرراً، وأوضحت أنها سترفع أسعار البنزين بطريقةٍ أكثر تدرجاً. وكان الملك سلمان قد ألغى العام الماضي قراراً بخفض أجور القطاع العام بعد ازدياد الشكاوى الشعبية.

وكتب سعود القحطاني، المستشار بالديوان الملكي، في حسابه على تويتر، أنَّ المنح الأخيرة ستُكلِّف خزانة الدولة أكثر من 50 مليار ريال. وحثَّ عددٌ من المسؤولين السعوديين أيضاً شركات القطاع الخاص أن تحذو حذو الحكومة وتمنح الموظفين السعوديين زيادةً تُعوِّض ارتفاع الأسعار.


وتضمنت الأوامر الملكية التالي أيضاً:


- إضافة 500 ريال شهرياً لموظفي القطاع العام المتقاعدين ومستحقي التأمينات.
- زيادة مكافأة الطلاب والطالبات بنسبة 10%.
- تتحمل الدولة ضريبة القيمة المضافة عن المواطنين المستفيدين من الخدمات الصحية والتعليم الأهلي الخاص.
- سداد الأجور الحكومية يوم الـ27 من كل شهر حسب التقويم الميلادي.

ووفقاً للمرسوم الملكي الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، أصدر الملك سلمان هذه الأوامر بعدما أوضح له نجله وولي عهده، الأمير محمد بن سلمان، أنَّ التدابير الأخيرة "تزيد الأعباء على بعض المواطنين".

وارتفع المؤشر العام لأسهم السوق المالية السعودية (تداول) بنسبة 0.6% عند الإغلاق في الرياض. ولم يتغير المؤشر كثيراً خلال عام 2017، مقارنةً بالأرباح التي بلغت نسبته 34% في مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة، إذ نهض المستثمرون السعوديون من الأفراد بدور البائعين لأكثر من 80 أسبوعاً.

ويرى محمد أبو باشا، المحلل الاقتصادي في المجموعة المالية هيرميس ومقرها القاهرة، أنَّ تلك التدابير يُتوقَّع أن تزيد نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 0.5 نقطة مئوية. وأضاف أنَّ هذه المدفوعات سوف "تُلغي تقريباً الدعم المالي المخطط له في عام 2018"، إلّا إذا حدثت زيادة غير متوقعة في أسعار النفط.

وتابع أبو باشا: "تُعتبر هذه الخطوة إيجابية دون شك بالنسبة للنمو المرتقب في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018، لكنَّها تأتي على حساب الانضباط المالي. وتؤكد هذه الخطوة أيضاً المخاوف من استغلال السلطات لأي فسحةٍ ماليةٍ ناتجةٍ عن ارتفاع أسعار النفط كي تكون حجةً لتأجيل الإصلاحات المالية".