الأزمة الخليجية تودِّع عاماً ثقيلاً.. كيف استفادت قطر من الحصار عسكرياً وسياسياً واقتصادياً؟

تم النشر: تم التحديث:
QATAR
Naseem Zeitoon / Reuters

"نودّع عاماً ثقيلاً على أمتنا ووطننا".. بهذه الكلمات ودّع أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عام 2017، عبر تدوينة له بموقع "تويتر"، مستحضراً نصف عام من أزمة لا تزال تعصف بالبيت الخليجي، منذ الخامس من يونيو/حزيران الماضي.

في ذلك اليوم، قطعت 3 دول خليجية؛ وهي السعودية والإمارات والبحرين، إضافة إلى مصر، علاقاتها مع قطر، ثم فرضت عليها إجراءات مقاطعة شاملة، بدعوى دعمها الإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة، متهمةً الرباعي بالسعي إلى فرض الوصاية على قرارها الوطني.

دفع قرار المقاطعة الدوحة للبحث عن بدائل داخل الدولة وأخرى خارج البيئة الخليجية كلها، واتخاذ تدابير إضافية؛ لتفادي تداعيات المقاطعة في جوانبها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.


الصعيد الاقتصادي


دأبت الجهات المعنيّة في قطر على التكيف مع إجراءات المقاطعة، بالعمل على رفع مستوى الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل القومي، وفتح منافذ جديدة لتسويق المنتجات القطرية.

جاء ذلك بعد أن "امتصت قطر الصدمة الأولى للحصار، وتطلعها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي"، وفق تصريحات لوزير الاقتصاد والتجارة القطري، منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

الوزير شدد آنذاك على أن الدوحة "مقبلة على ثورة اقتصادية في المجالين الصناعي والخدمي، بعد أن حققت معدل النمو المستهدف في 2017 دون أن تتأثر بالأزمة".

وتوقّع أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي توقفَ نمو الاقتصاد القطري غير النفطي عند معدل 4.6% لعام 2017، فيما سيسجل الاقتصاد القطري معدل نمو متوقع بـ4.5% في 2018.

لكن توقعات أخرى أفادت بأن معدلات النمو ستتجاوز توقعات صندوق النقد الدولي، لتبلغ نحو 6%، مع الزيادة المتوقعة في أسعار النفط بالأسواق العالمية، خلال 2018.

ومنحت الأزمة الخليجية قطر الفرصة لإعادة تقييم واقع الأمن الغذائي للدولة، والاتجاه نحو إيجاد بدائل محلية.

وهو ما فعلته الدوحة، التي أَدرجت في الموازنة العامة الأخيرة ما يؤكد إيلاء أهمية خاصة للقطاع الخاص والأمن الغذائي، مع استمرار الإنفاق على البنية التحتية، ومواصلة الاستعداد لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، دون إغفال جوانب تعزيز القدرات العسكرية للدولة.

وتشير تقارير إلى أن ما يزيد على 80% من حاجة قطر للمواد الغذائية كانت تستوردها من دول الجوار الخليجية.

وفي مواجهة الإجراءات "العقابية"، التي اتخذتها دول المقاطعة، لجأت قطر إلى منح تسهيلات استثنائية للمستثمرين المحليين والأجانب، ومنح حق التملك للأجانب، ورفع قيد منح التأشيرة المسبقة لمواطني نحو 80 بلداً.

وكذلك قامت بتوسعة ميناء حمد الدولي،؛ للانفتاح على بقية موانئ العالم في تصدير المنتَج القطري وتوريد منتجات الدول الأخرى، فضلاً عن زيادة لافتة في أسطول طائرات الخطوط الجوية القطرية بشراء المزيد من طائرات "إيرباص"، وزيادة عدد الوجهات التي تستهدفها.

واستحوذت الخطوط الجوية القطرية على 49% من شركة "ميرديانا" الإيطالية، وعلى نحو 10% من شركة "كاثي باسيفيك" الجوية، التابعة للحكومة المحلية في منطقة هونغ كونغ الصينية.

ما يمكن استخلاصه من نتائج مقاطعة نصف عام على الصعيد الاقتصادي، أن قطر نجحت في امتصاص زخم إجراءات المقاطعة، بينما كان مراقبون قد ذهبوا في بداية الأزمة إلى احتمال عجز الدوحة عن الصمود في مواجهة إجراءات المقاطعة إلى أجل بعيد، ما سيرغمها على القبول بتنفيذ الشروط التي وضعتها دول المقاطعة، وهو ما لم يحدث في 2017.

لكن صمود قطر أمام مثل تلك الإجراءات "العقابية" قد لا يستمر إلى الأبد، وهو ما يدفع محللين للتكهن باحتمال قبولها تقديم بعض التنازلات لدول المقاطعة لبلوغ تسوية لأسوأ أزمة واجهتها منظومة العمل الخليجي المشترك، منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، عام 1981.


الصعيد السياسي


ركزت قطر على توضيح وجهة نظرها والدفاع عن نفسها أمام حزمة اتهامات دول المقاطعة.

وشهدت الدبلوماسية الخارجية القطرية حراكاً غير مسبوق، عبر جولات قام بها أمير الدولة ومسؤولون قطريون؛ لدحض "الاتهامات" بدعم وتمويل الإرهاب.

كما هدفت هذه الجهود إلى تعزيز الموقع السياسي لقطر، التي باتت بشكل ما خارج إطار الغطاء السياسي، الذي كانت تستظل به ضمن المنظومة الخليجية.

هذه المنظومة الخليجية تهددتها عوامل التفكك والانهيار، لولا تدخل أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في الأزمة، عبر لعب دور الوسيط، محاولاً لمَّ الشتات الخليجي.

ونجح أمير الكويت في جمع الدول الخليجية الست (السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان) بالكويت، ديسمبر/كانون الأول 2017، في مؤتمر القمة الخليجية (رغم التمثيل المنخفض للرياض وأبوظبي والمنامة)، بعد أن حامت شكوك كبيرة بشأن إمكانية عقدها، وإن لم يسفر الاجتماع عن تقدُّم يُذكر على صعيد حل الأزمة.

شملت جولات أمير قطر ومسؤولين آخرين معظم الدول الأوروبية الفاعلة والولايات المتحدة ودولاً آسيوية وإفريقية، لبناء علاقات خارجية أساسها التعاون مع المجتمع الدولي، بهدف إيجاد نوع من الشراكة السياسية، وصولاً إلى تسوية مُرضية للأزمة على أساس السياسة القطرية المتمسكة بالحوار مع دول المقاطعة.

ولمواجهة الاتهامات لقطر بدعم الإرهاب وتمويله، وقّعت الدوحة اتفاقاً ثنائياً مع الولايات المتحدة، في يوليو/تموز 2017، للتعاون في مجال مكافحة تمويل الإرهاب.

وهو الاتفاق الذي أسهم في قبول وجهة النظر القطرية في دفاعها عن نفسها أمام دول العالم، مثل روسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا.

على ما يبدو، ثمة جنوح إلى الإبقاء على الأزمة إلى أجل غير محدود، يمكن فهمه عبر قراءة التحالف الاستراتيجي، الذي أعلنته السعودية والإمارات، بالتزامن مع انعقاد القمة الخليجية بالكويت، لوضع إطار من العمل الثنائي المشترك، يرى محللون أنه سيشكل تهديداً وجودياً لاستمرار كيان مجلس التعاون قائماً وفاعلاً.

في كل الأحوال، أضرت الأزمة الخليجية بسمعة الدول الخليجية الست على المستويَين الإقليمي والدولي، وكشفت عن إمكانية تراجع ثقة الغرب بدول مجلس التعاون كشركاء أمنيين موثوق بهم.

كما أثبتت الأزمة عجز الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي عن لعب دور فاعل لحل الأزمة بين دول حليفة لها.


الصعيد العسكري


منذ بداية الأزمة، عملت قطر على تعزيز قدراتها العسكرية جراء تخوفها من احتمالات تعرضها لعمل عسكري من دول المقاطعة، لتغيير النظام الحاكم.

وأبرمت الدوحة صفقات لتوريد أسلحة ومعدات وطائرات عسكرية من دول عدة.

من بين أهم الصفقات: شراء مقاتلات F15 من الولايات المتحدة، بأكثر من 12 مليار دولار، و7 قطع بحرية من إيطاليا بـ5 مليارات يورو، إضافة إلى شراء طائرات رافال من فرنسا بـ1.1 مليار يورو ونحو 500 آلية مدرعة بنحو 1.5 مليار يورو.

كما اشترت الدوحة من بريطانيا طائرات تايفون المقاتلة وطائرات هوك بـ8 مليارات دولار؛ لتعزيز التعاون العسكري والدعم المتبادل في المجالات العسكرية والتقنية.

وتضطلع قطر بدور رئيس في دعم الحرب، التي تقودها الولايات المتحدة، على تنظيم داعش الإرهابي، انطلاقاً من قاعدة "العديد" في قطر، التي تُدار منها العمليات الجوية ضد التنظيم في العراق وسوريا وأفغانستان.

ومراراً، حذرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) من أن استمرار الأزمة الخليجية يمثل تشتيتاً لجهود الحرب على "داعش".

ودع "البنتاغون"، في 31 ديسمبر/كانون الأول 2017، إلى تهدئة التوترات في الشرق الأوسط، وتشجيع شركاء واشنطن من الدول الخليجية على تركيز جهودهم على استئصال "داعش" ومواجهة التهديدات الإيرانية في المنطقة، وشددت على ضرورة تخفيف حدة التوتر بين قطر ودول المقاطعة لها.

ومن المتوقع أن تتجه الدوحة في 2018 نحو الاستقلال في القرار العسكري، بعيداً عن التنسيق مع المنظومة الخليجية، مع إمكانية زيادة مساحة التعاون والتنسيق العسكري مع تركيا.

وتحتفظ أنقرة بمئات من جنودها في الدوحة، تمت زيادة عددهم، في الأيام القليلة الماضية، ضمن اتفاقية التعاون العسكري، الموقَّعة بين البلدين في ديسمبر/كانون الأول 2014، والتي تسمح بنشر قوات مشتركة بين البلدين عند الحاجة.


هل تنتهي الأزمة قريباً؟


لا يبدو في الأفق ما يشير إلى احتمالات انتهاء الأزمة الخليجية في الأجل القريب، طالما ظل طرفا الأزمة يتمسكان بمواقفهما دون تقديم تنازلات متبادلة.

لكن هذا قد يدفع صناع القرار في المجتمع الدولي إلى لعب دور أكبر لتخفيف حدة الأزمة، التي قد تتطور إلى صراع إقليمي لا يخدم الأمن والسلم الإقليميَّين والدوليَّين.

كما أن استمرار الأزمة سيزيد حتماً حدة التوتر في المنطقة، مع تقاعس قوى دولية، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، رغم امتلاكها ما يكفي من أوراق الضغط على طرفي الأزمة، عن لعب دور جدي في فرض تسوية مقبولة من طرفي الأزمة.

وسيكون من المهم لواشنطن التدخل بقوة لإنهاء الأزمة، ما دام استمرارها لا يخدم أهدافها المعلنة في تحجيم النفوذ الإيراني، والحد من التهديدات الإيرانية على دول المنطقة والمصالح الأميركية نفسها.

ومن المرجح أن تستمر جهود الوساطة، خلال 2018، من الكويت وتركيا والولايات المتحدة بدرجات متفاوتة، مع احتمالات زيادة الدور الأميركي في لعب دور الوسيط الضاغط، أيضاً مع احتمالات إضافية بدخول دول أخرى بذلت جهوداً خلال 2017، مثل سلطنة عمان وفرنسا.