رغم تنازل أهل العروس عن المغالاة.. الأزمة الاقتصادية ليست هي السبب الوحيد لهروب الشباب من الزواج في مصر

تم النشر: تم التحديث:
WEDDING EGYPT
Andrew Holt via Getty Images

قبل ساعات من انتهاء عام 2017، رصدت عدة تقارير صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء استمرار ظاهرة انخفاض معدلات الزواج في مصر، مقابل ارتفاع في نسب الطلاق.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، التي نشرت نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017، إلى انخفاض معدل الزواج في الحضر من 11.8 حالة لكل ألف من السكان في العام 2012، إلى 9.5 حالة لكل ألف من السكان خلال عام 2016، بينما يتراوح معدل الزواج في الريف بين 10.7 و11.4 لكل ألف من السكان في سنوات المقارنة.

بالتوازي وثّق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ارتفاع نسب الطلاق بمصر خلال السنوات الأخيرة، وبعد أن شهدت معدلات الطلاق حالة من الثبات خلال عامي 2012-2013، حيث بلغ معدل الطلاق 1.9 لكل ألف من السكان، ولكنها ارتفعت بشكل ملحوظ منذ عام 2014، حتى وصلت إلى 2.1 لكل ألف من السكان عام 2016.

وخلال عام 2017، واصلت معدلات الزواج بمصر تراجعها، حيث بلغ عدد عقود الزواج لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2017 نحو 75.8 ألف عقد، بنسبة انخفاض 11.2%، مقارنة بالشهر المماثل من عام 2016، الذي بلغ عدد عقود الزواج به 85.4 ألف عقد، ومقارنة بشهر سبتمبر/أيلول من عام 2017 كشف التقرير عن تراجع عقود الزواج أيضاً، حيث سجلت في سبتمبر/أيلول الماضي 98.8 ألف عقد، ثم انخفضت إلى 75.8 ألف عقد خلال أكتوبر/تشرين الأول التالي.


ما لا يمكن تحمله عقب الزواج


ورغم اتفاق الكثيرين على أن الأزمة الاقتصادية التي مرت بها مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية من أهم أسباب تراجع الزواج، فإن العديد من الخبراء أكدوا أن للظاهرة أبعاداً أخرى أدت إلى تفاقمها داخل المجتمع المصري.

الدكتور شريف الدمرداش، الخبير الاقتصادي، يقول: إن تراجع عقود الزواج وتزايد أعداد الطلاق في الفترة الأخيرة يرجع إلى زيادة مستوى التضخم إلى أعلى حد ممكن، وارتفاع الأسعار والوضع الاقتصادي السيئ الذي تمر به البلاد، والذي أثر على الطبقة المتوسطة من المواطنين.

"عزوف المصريين عن الزواج يعكس الأوضاع الاقتصادية بمصر، ومعدلات انخفاض نسب الزواج ترصد التحولات التي تشهدها مصر خلال السنوات الأخيرة، فقد دفع تراجع الوضع الاقتصادي وضعف القوة الشرائية لأبناء الطبقة الوسطى في المدن خلال العامين الأخيرين، وخاصة مع تحرير سعر صرف الجنيه، إلى زيادة عزوفهم عن الزواج".

"التكاليف المالية للزواج تنحصر في 3 عقبات، الأولى هي البحث عن شقة سكنية، وتلك الأزمة انحصرت كثيراً مع منظومة الإيجار الجديد وشقق الإسكان الاجتماعي، التي حلت نسبياً معضلة الحصول على سكن للزواج، مقارنة بالثمانينيات والتسعينيات، والعقبة الثانية هي مغالاة أسرة العروسة، ولكن الظروف الاقتصادية الحالية دفعت تلك الأسر للتراجع عن المغالاة على الشباب، وامتدت تلك الظاهرة للريف، وخاصة في الوجه البحري".

ويوضح الدمرداش لـ"هاف بوست "، أن العقبة الثالثة هي تكاليف ما بعد الزواج من تجهيز السكن، ومصاريف الأسرة المالية، وتلك هي العقبة المالية الحقيقية التي أسهمت في عزوف الشباب عن الزواج من ناحية، وانتشار ظاهرة الطلاق من ناحية أخرى، نتيجة للتضخم الكبير في الأسعار في الفترة الأخيرة، وأصبحت مبررات معظم الشباب الرافض للزواج تنحصر في أن الزواج أصبح عبئاً من الصعب احتماله.

"ومن المنطقي أن تستمر تلك الظاهرة في السنوات المقبلة، إذا ما استمرت الأزمة الاقتصادية بمصر، لأن تكاليف ما بعد الزواج تشير إلى أن العزوف عن الزواج مرشح للاستمرار فترات طويلة، ويبدو ذلك منطقياً مع الموجات المتلاحقة من ارتفاع الأسعار".


ثقافة تحقيق المرأة لذاتها وتهديد مفاهيم الأسرة


الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، ترى أن هناك ثلاثة أبعاد أساسية، يمكن أن تفسر انخفاض معدلات الزواج والطلاق، التي رصدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، منها البعد الاقتصادي، ولكن بجانبه أبعاد محورية مثل: التغيرات المجتمعية بمصر، ونشر المفاهيم المضادة لفكرة الأسرة.

"بالسنوات الأخيرة حدثت تغيرات مجتمعية بمصر، ومنها السماح للمرأة بالعمل في جميع المجالات، بل والحث على ذلك، وكذلك انخفاض الشعور بالمسؤولية لدى قطاعات شبابية كثيرة، ومطالبتهم للزوجة بتحمل جزء من تكاليف الحياة، مع انتشار تقبل فكرة الطلاق لدى المرأة والمجتمع المحيط بها، وتلك التغيرات أوجدت رغبة لدى الفتاة للسعي نحو تحقيق الذات قبل الزواج، مما أدى إلى انخفاض التكالب على الزواج، ومع ارتفاع التكاليف المادية للحياة الزوجية ضعفت الرغبة في الارتباط الأسري لدى الشباب، سواء بالزواج أو استمرار العلاقة الزوجية".

ووفقاً لما ذكرته منصور لـ"هاف بوست عربى"، فإن ظاهرة ما تعرف بـ"حروب الجيل الرابع" هدفت لحصر أسباب السعادة لدى الإنسان عبر مصدرَي المعدة والجنس فقط، على عكس طبيعته الفطرية، وعملت على تسهيل مشاهدة الأفلام الجنسية، ونشر برامج الطبخ، والسعادة الجنسية في وسائل الإعلام المصرية، وكان لنشر تلك الثقافة أثر كبير في انتشار ظاهرة التفكك الأسري، والإقبال على المواقع الجنسية، واللجوء إلى العلاقات غير الشرعية، والبحث عن علاقة جنسية محترفة لا يمكن تواجدها بشكل يومي بين الزوجين أسهم في تزايد معدلات الطلاق هذا بجانب الفراغ وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، مما أسهم في انتشار تلك الثقافة السلبية بالبيوت".


الدولة وتشجيع نشر خطاب الغرائز


الدكتور طه أبو حسين أستاذ الصحة النفسية بالجامعة الأميركية يقول إن الدولة المصرية تدفع بشكل واضح في انتشار الكثير من الظواهر المجتمعية، التي أدت لتزايد نسب الطلاق وانخفاض معدلات الزواج بمصر، وذلك عبر تشجيعها بقصد أو بدون قصد لخطاب الغرائز الجنسية بوسائل الإعلام المختلفة.

ويقول أبوحسين لـ"هاف بوست عربي"، إن تأثر المجتمعات الحضرية بوسائل الإعلام وبرامج التواصل الاجتماعي أحد أهم أسباب ارتفاع نسب الطلاق وانخفاض معدلات الزواج، مقارنة بالمجتمعات الريفية، هذا بجانب التفكك الأسري داخل المدن، وغياب دعم الحكماء، الذي يعد أحد عوامل الحفاظ على العلاقة الزوجية في الأرياف.

"والكثير من برامج التوك الشو، تروّج لمفاهيم مدمرة للمجتمع، عبر التزييف ونشر الكذب الذي يعبث بالسلوك المجتمعي، والحث على العلاقات غير السوية، مثل الحريات المطلقة في العلاقة بين الرجل والمرأة، أو التعاطف مع ظواهر ممارسة الجنس خارج الإطار الشرعي، مما يعطي انطباعاً بين الشباب صغير السن بأن كل شيء كاذب، وأن كل شيء يمكن العبث به".