إيران.. إلى أين؟ إصلاحيو الجمهورية الإسلامية يخشون استغلال المتشددين للاحتجاجات لتعزيز سلطتهم

تم النشر: تم التحديث:
IRAN
Pro-government demonstrators march in Iran's holy city of Qom, some 130 kilometres south of Tehran, on January 3, 2018, as tens of thousands gathered across Iran in a massive show of strength for the Islamic rulers after days of deadly unrest. / AFP PHOTO / Mohammad ALI MARIZAD (Photo credit should read MOHAMMAD ALI MARIZAD/AFP/Getty Images) | MOHAMMAD ALI MARIZAD via Getty Images

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية الأربعاء 3 يناير/كانون الثاني 2018، تقريراً تحدثت فيه عن التظاهرات المتواصلة في إيران منذ ما يقارب الأسبوع، احتجاجاً على غلاء الأسعار والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.


كيف بدأت الاحتجاجات؟


بدأت الاحتجاجات بمظاهرةٍ صغيرة نسبياً يوم الخميس 28 من ديسمبر/كانون الأول في مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية. توالت بعدها موجة من التظاهرات العفوية عبر البلاد. ألقى المسؤولون المقربون من الرئيس الوسطي، حسن روحاني، مسؤولية بدء الاحتجاجات على مؤيدي منافسه الملا المُتشدِّد إبراهيم رئيسي، الذي يحوز قاعدةً جماهيرية في المدينة. مهدت الهتافات الأولية مثل "الموت لروحاني" الطريق سريعاً لشعارات أشد تستهدف أسس الجمهورية الإسلامية مثل "الموت للديكتاتور"، في إشارةٍ للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، الذي يقف رئيسي في صفه، آية الله علي خامنئي.


من يحتج؟


يبدو أن التظاهرات، الأقوى في باقي المحافظات عدا طهران، تحت سيطرة أبناء الطبقة العاملة دون سن الـ25 الذين كانت المعاناة الأكبر من نصيبهم في ظلِّ اقتصاد إيران الخامل.

يقول المراقبون إن رفع العقوبات الذي أعقب الاتفاق النووي مع الدول الغربية في عام 2015 خَلَقَ منافع اقتصادية غير عادلة في البلاد. يقول اسفنديار باتمانغليش، مؤسس منتدى التجارة الأوروبي الإيراني: "تحسَّنَت مزايا الطبقة المتوسطة إلى حدٍّ ما بعد الاتفاق النووي... وعلى النقيض، كانت الطبقة العاملة هي التي تأثَّرَت كثيراً".


ما هي مطالبهم، وعلى من يلقون باللائمة؟


ربما تكون الاحتجاجات قد بدأت لأسبابٍ اقتصادية، لكنها سريعاً ما أخذت بعداً سياسياً. إذ جاءت الهتافات مُطالِبةً بتنحي خامنئي، ومُعارِضةً لسياسة إيران الإقليمية، مثل "اتركوا سوريا، فكروا فينا"، و"حياتي لإيران، لا لغزة ولا لبنان". كما تُظهِر الفيديوهات المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي بعض المحتجين يهتفون شعاراتٍ تدعم الملكية الغابرة والشاه المخلوع.

أزعجت نبرة الشعارات كثيراً من الإصلاحيين، الذين ينتقدون المُتشدِّدين في المؤسسات الإيرانية لكنهم لا يريدون الإطاحة بالجمهورية الإسلامية. يمكن أن يكون العامل الآخر أن رغم إعادة انتخاب روحاني العام الماضي بأغلبية ساحقة، بحوالي 25 مليون صوت، فقد انتهج بعدها نهجاً محافظاً وفشل في الوفاء بوعوده بتغيير البلاد.


ما مدى سوء الاقتصاد؟


وصل التضخم إلى 12% - وإن كان انخفض من 40% منذ بدء فترة روحاني الأولى في 2013 - ومعدل البطالة مرتفع. إذ تصل نسبة البطالة عند الشباب إلى حوالي 40%، وهناك أكثر من 3 مليون إيراني بلا عمل، وارتفعت مؤخراً أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية، كالدجاج والبيض لأكثر من نصف الثمن.

ووفق وحدة الاستخبارات الاقتصادية، حدث ذلك "رغم وعد حسن روحاني بأن اتفاق 2015 النووي سيساعد في إيجاد وظائف وتحسين معايير عيش الناس".


ما مدى الشبه بين الاحتجاجات الحالية واحتجاجات 2009؟


الاحتجاجات هي أكبر تحدٍ يواجه قادة طهران منذ 2009، عندما أدى النزاع على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لشهورٍ من الاضطرابات وسط قمع دموي. وتُعتَبَر الاحتجاجات حالياً أكبر في المحافظات من احتجاجات 2009، بمعدلٍ لم تشهده البلاد منذ الثورة الإسلامية عام 1979، لكنها أصغر بكثيرٍ في طهران من احتجاجات 2009 التي شكل غالبيتها الطبقة العاملة.

كانت أغلب هتافات 2009 تحمل شعارات داعمة لقائدي المعارضة تحت الإقامة الجبرية، مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، لكن في الاحتجاجات الأخيرة بالكاد تسمع اسميهما.


ما قيمة الاحتجاجات عند إصلاحيي إيران؟


الإصلاحيون، المهمشون نسبياً من المُتشدِّدين لأكثر من عقد، مرتبكون، ولا يعرفون كيف يردون. التزمت الشخصيات الكبرى في المعسكر الإصلاحي الصمت، إذ أربكتهم المطالبة بتغيير النظام، بينما طلب عددٌ من المُعلِّقين الإصلاحيين من النظام الحاكم السماح بالمظاهرات السلمية، لكنهم أعربوا عن قلقهم من تحوُّلِ المظاهرات الأخيرة للعنف.

والمفارقة هنا هي أن النظام الحاكم سيحتاج الآن مساعدة الإصلاحيين في احتواء الاضطراب المتزايد، لكن بعضهم نُحِيَ جانباً والبعض الآخر، خاصةً الشباب، يئسوا من ضعف الإصلاح السياسي في عهد روحاني.


كيف تعاملت الدولة مع الاحتجاجات حتى الآن؟


في الأيام الأولى للاحتجاجات، تمهَّلَت السلطات بشكل كبير، لكن مع استمرار الاضطراب وفشل تدخل روحاني لتهدئة الغضب الشعبي، انتهجت قوات الأمن أسلوباً أعنف. ووفق آخر الأرقام الرسمية، تُوفي على الأقل 21 شخصاً، من بينهم عدد من قوات الأمن، ومنذ يوم السبت 30 ديسمبر/كانون الأول، أُلقِيَ القبض على 450 شخصاً في طهران فقط. بينما أُلقِيَ القبض على مئات أكثر في باقي المحافظات.

قال المتظاهرون إنهم هوجموا بالغاز المسيل للدموع، لكن على عكس التعامل مع الاضطراب السابق، سمحت السلطات للإعلام المحلي بتغطية الاحتجاجات، رغم اتباع كثير منهم لمنظور السلطة. كما سُمِحَ لعددٍ محدود من وسائل الإعلام الأجنبية التي لا تزال تعمل في إيران بتغطية الأحداث كذلك.


ماذا يمكن أن يحدث؟


من المُبكِّر أن نقول ما إذا كانت الاحتجاجات ستستمر أو ستنتهي مع بدء السلطات حملاتها الأمنية. ففي 2009، عمَّت أشهر من القمع الدموي في النهاية. ولأن المتظاهرين ليس لديهم قائد، يقول كثيرون إنهم يفتقدون لإستراتيجية. والبعض الآخر يقول إن روحاني قد يستفيد من الاضطراب ويدفع المُتشدِّدين نحو فتح المجال السياسي، بينما يرى الإصلاحيون المتشائمون أن المُتشدِّدين وجدوا الآن ذريعةً لتقويض روحاني والوسطيين، وتعزيز سلطتهم قبل خلو كرسي المرشد الأعلى.


هل تتدخَّل أي قوى خارجية؟


أسرعت السلطات الإيرانية في تحميل القوى الخارجية مسؤولية الاضطرابات الحالية، متهمة السعودية بالتدخل المباشر، ومدعية أن تغريدات دونالد ترامب، التي رحبت بالاحتجاجات، دليل على تدخل الأعداء. لكن لا توجد أدلة كافية حتى الآن على تسبب أي قوى خارجية في الاضطرابات، بل أن واشنطن والرياض أعلنا صراحة أنهما يريدان تغيير النظام، ولم يدخرا وسعاً في تحقيق ذلك.

أما الجماعات المنفية مثل حركة مجاهدي خلق، التي لا تحظى بشعبيةٍ كبيرة داخل إيران، ومؤيدو الملكية، استغلوا الفرصة وشجَّعوا المظاهرات. بينما قال محمود صادقي، أحد أكثر برلمانيي إيران صراحة، أنه حثَّ وزارة الداخلية على ألا تربط بين المظاهرات والقوى الخارجية، وأن تحسِّن بدلاً من ذلك الوضع الاقتصادي، وتفتح إعلام الدولة لآراءٍ مُتنوِّعةٍ وترفع القيود.