هل لعب خصوم روحاني دوراً في الأزمة؟ الرئيس الإيراني الخاسر الأكبر من الاحتجاجات.. والسلطة الدينية ستخرج أقوى

تم النشر: تم التحديث:
ROUHANI AND KHAMENEI
| ATTA KENARE via Getty Images

تشهد الساحة الإيرانية منذ عدة أيام حالة احتجاج متصاعدة، مطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية، فيما تظهر في المقابل تظاهرات حشد مضاد تدعم النظام وتدين "الاضطرابات".

وتجمع عشرات الآلاف في عدد من المدن الإيرانية الأربعاء، 3 يناير/كانون الثاني 2017، للتعبير عن دعمهم للنظام وإدانة "الاضطرابات"، بعد أيام من التحركات الاحتجاجية التي تخلّلتها أعمال عنف دامية في الأيام الأخيرة، حسب لقطات بثها التلفزيون الحكومي.

وتعيش العديد من المدن الإيرانية منذ نحو أسبوع، على وقع احتجاجات تختلف حدتها من مدينة لأخرى، رفضاً لإجراءات التقشف ورفع الأسعار على العديد من السلع الرئيسية في موازنة 2018.

الاحتجاجات التي أودت بحياة أكثر من 20 مواطناً، تطالب بإلغاء الزيادات على أسعار الطاقة، والتراجع عن قرار رفع الدعم عن ملايين الأفراد المستحقين له.


وضع المؤسسة الدينية


يقول مسؤولون كبار بالحكومة الإيرانية، إن السلطات تشعر بالقلق، خشية أن تقوض الاضطرابات التي تجتاح البلاد المؤسسة الدينية، وتريد القضاء على الاحتجاجات سريعاً. لكن الخاسر الأكبر قد يكون الرئيس حسن روحاني.

وبينما قال عدد من المسؤولين البارزين إن هناك قلقاً من أن ينال طول أمد الاضطرابات من شرعية الزعماء الدينيين في البلاد ونفوذهم، لا يرى أحد يذكر من المطلعين على بواطن الأمور أن الاضطرابات تمثل تهديداً وجودياً لتلك القيادة التي تحكم إيران منذ الثورة الإسلامية في العام 1979، ويسيطر عليها حالياً الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي يملك السلطة المطلقة في نظام الحكم الديني والجمهوري في إيران.

ويقولون إن الخاسر الأكبر سيكون على الأرجح روحاني، وهو الأكثر ارتباطاً بالسياسات الاقتصادية للبلاد.

وقال المحلل السياسي حامد فرحوشيان "بالطبع سوف تتقلص سلطة روحاني وحكومته بعد ذلك، خاصة أن سياسته الاقتصادية تعرضت لانتقادات أثناء الاضطرابات".

وأضاف "سيكون رئيساً ضعيفاً للغاية، وستكون لخامنئي سلطة أكبر".


الأزمات الاقتصادية


ويتركز أغلب غضب المحتجين على ما أخفق روحاني وحكومته في تحقيقه، ألا وهو الازدهار الاقتصادي الموعود نتيجة للاتفاق المبرم في 2015، الذي قيد برنامج إيران النووي المتنازع عليه في مقابل رفع القوى العالمية عقوبات عن طهران.

ويشعر المحتجون بالاستياء إزاء اقتراب معدل البطالة بين شباب إيران من 30% كما يطالبون بزيادة الأجور والقضاء على الفساد. وهتفوا بشعارات مناهضة لجميع زعماء إيران، بمن فيهم النخبة الدينية، وهاجموا مركبات للشرطة وبنوكاً ومساجد، مع اتساع نطاق الاحتجاجات.

وقال مسؤول كبير قريب من روحاني، طالباً عدم الكشف عن اسمه نظراً لحساسية القضية "استمرار الاحتجاجات سيؤدي إلى أزمة تتعلق بالشرعية".

وأضاف المسؤول "الناس لهم مطالب اقتصادية... ينبغي بالطبع التعامل مع تلك المطالب بجدية... ينبغي للمؤسسة بالطبع أن تستمع إلى الناس، لكن كل هذا يمكن مناقشته في أجواء هادئة".

وطالب بعض المحافظين بنهج متشدد، رغم أن إراقة الدماء يمكن أن تؤجج الاحتجاجات في أكبر موجة من المظاهرات منذ الاضطرابات التي عمت البلاد في 2009.

وقال مسؤول إيراني سابق ينتمي إلى المعسكر الإصلاحي "لم تحاول قوات الأمن حتى الآن منع المظاهرات، لكن هذا سيتغير إذ دعا (خامنئي) إلى إنهاء احتجاجات الشوارع وتحدى المتظاهرون دعوته".

وحتى إذا تم قمع الاضطرابات، فمن المستبعد أن تتبدد مطالب عشرات الآلاف من شباب الطبقة العاملة الغاضبين الذين نزلوا إلى الشوارع.

وتحدث خامنئي علناً للمرة الأولى بخصوص الأزمة يوم الثلاثاء، واتهم أعداء الجمهورية الإسلامية بإثارة الاضطرابات دون أن يقول المزيد. وقال بيان على موقعه الإلكتروني إنه سيلقي كلمة بشأن الأحداث "في الوقت المناسب".


حدود سلطات روحاني


قال مسؤول أميركي يتابع التطورات، إن المحتجين ليست لديهم فرصة تذكر للإطاحة بالقيادات الدينية، التي ما زالت تسيطر على ما يبدو على الجيش والشرطة وقوات الأمن، ولن تتردد في استخدامهم.

وروحاني، الذي انتخب في العام 2013، أكثر عرضة للمخاطر. وينظر إلى روحاني باعتباره سياسياً براغماتياً على خلاف مع المتشددين في إيران، وقال رداً على الاحتجاجات إن للإيرانيين الحق في انتقاد السلطات.

لكنه يواجه معارضة مع تنامي الاستياء، بسبب ارتفاع الأسعار واتهامات الفساد.

وقال مسؤول إيراني ثالث "سلطته محدودة في نظام الحكم الإيراني. الاستياء الشعبي في ازدياد... الناس يفقدون الثقة في نظام المؤسسة.

"القادة يدركون جيداً هذه الحقيقة وعواقبها الخطيرة".

ويخشى مسؤولون أميركيون أن تكون النتيجة الأرجح للاحتجاجات هي تقويض الثقة، فيما وصفه أحدهم بأنه نموذج الاعتدال الذي يمثله روحاني، وحملة أشد قسوة من جانب السلطات الدينية.

وقال مسؤول أميركي ثان، طلب عدم الكشف عن اسمه، كي يتسنّى له مناقشة أمور تتعلق بالمخابرات "السؤال مفتوح عما إذا كان روحاني في أي وقت مضى اعتزم الوفاء بأي من وعوده، لكنه لم يحقق شيئاً، ولاسيما على الصعيد الاقتصادي، وهو ما يعني أنه لا يملك أي دعم شعبي...".

وأضاف: "من المرجح أن يكون أحد الضحايا، حتى وإن لم يكن ذلك على الفور".

وألقى روحاني باللوم على سلفه وعلى الولايات المتحدة في المشكلات الاقتصادية.

غير أن حكومته تراجعت أيضاً عن زيادات كانت مزمعة في أسعار الوقود، ووعدت بتوفير مزيد من الوظائف.

وربما يكون روحاني بحاجة لإنفاق مزيد من الأموال لخلق وظائف من أجل تهدئة الاستياء، وقد يجازف أيضاً باستعداء أصحاب نفوذ أقوياء إذا ما حاول التصدي لما يتردد عن الفساد.

ويواجه روحاني الذي انتخب لولاية رئاسية ثانية العام الماضي، مستويات تضخم غير مسبوقة في البلاد.

وفاقت نسب التضخم 45%، بحسب تقديرات غير رسمية، بينما كان الناخبون يرون في روحاني المخلص من الغلاء الذي استشرى في البلاد قبل عدة سنوات في عهد سلفه أحمدي نجاد.

ونجح الرئيس الحالي تدريجياً في خفض نسب التضخم، لتسجل 3.8% في 2016، قبل أن تبدأ رحلة صعود من جديد في 2017.

ويأتي ارتفاع معدلات التضخم في السنوات الماضية، تزامناً مع استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، التي رُفعت عنها شكلياً مطلع 2016.


خصوم روحاني


وأجّج ضعف موقفه والانقسامات العميقة في هرم السلطة في إيران الشكوك لدى بعض المتعاطفين معه، أن خصومه المحافظين ربما لعبوا دوراً في الأزمة.

وقال سعيد ليلاز، المحلل السياسي المقرب من الحركة المؤيدة للإصلاح "لقد كان انقلاباً على روحاني وإنجازاته... كان الهدف هو النيل من روحاني".

لكن مسؤولاً رابعاً في طهران قال إن الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد وحدت قيادة إيران.

وقال المسؤول "في المرحلة الحالية ليس مهماً ما إذا كان فصيل سياسي قد بدأ الاضطرابات لإلحاق الضرر بالجماعة المنافسة".

وأضاف: "لقد خطف أعداؤنا الاحتجاجات... ولهذا اتحدت جميع الفصائل من أجل حماية الجمهورية الإسلامية".

وحاول الرئيس روحاني منذ توليه الرئاسة، كبح جماح التضخم والقضاء على البطالة، إلا أن الأخيرة كانت صعبة على الرئيس نتيجة لشح الاستثمارات.

وتعرَّض الاقتصاد الإيراني خلال سنوات العقوبات الاقتصادية، إلى تراجع حاد، وتخارجت العديد من الاستثمارات الأجنبية، بينما لم تكف الاستثمارات المحلية لخفض نسب البطالة.

وأعلن وزير الداخلية الإيراني، عبدالرضا رحماني فضلي، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن نسبة البطالة في بعض مدن بلاده وصلت إلى 60%.

والشهر الماضي، أعلنت إيران عن موازنة العام المالي 2018، بقيمة إجمالية تبلغ 341 مليار دولار، دون عجز، بحسب ما أوردته وكالة فارس.

وتتضمن الموازنة، تعزيز الإيرادات، عبر رفع أسعار الوقود بنسب تصل إلى 50%، ورفع الدعم عن العائلات الفقيرة بنسب متفاوتة.

وبدا واضحاً أن ذلك الدافع الرئيسي وراء خروج الإيرانيين والاحتجاج في الشوارع، في وقت فشلت فيه الحكومة في احتواء نسب التضخم وخفض نسب البطالة.

وتحتاج السوق الإيرانية لخفض نسب البطالة إلى 800 ألف فرصة عمل جديدة سنوياً، وهو أمر غير ممكن حالياً.