سعي بن سلمان للهيمنة في الشرق الأوسط يتناقض مع مصالح واشنطن وعلى ترامب الاستفادة من توازن القوى بالخليج

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN TRUMP
WASHINGTON, DC - MARCH 14: U.S. President Donald Trump (L) walks into the State Dinning Room to have lunch with Mohammed bin Salman (C), Deputy Crown Prince and Minister of Defense of the Kingdom of Saudi Arabia, at the White House, March 14, 2017 in Washington, DC. (Photo by Mark Wilson/Getty Images) | Mark Wilson via Getty Images

كان الرئيس ترامب في السابق مُشكِّكاً في السياسة السعودية. وقد شكا، من أنَّ السعوديين موَّلوا الإرهاب ضد أميركا، وتساءل عن سبب تقديم الولايات المتحدة الدعم لحماية دولةٍ نفطية ثرية، بحسب ما ذكر دوغ باندو، المساعد الخاص للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان والزميل البارز بمعهد كاتو، في مقال له بمجلة The National Interest الأميركية.

ويوضح الكاتب الأميركي أن ترامب بعد توليه الرئاسة تصرَّف وكأنَّه مجرد غربيّ آخر وظَّفته الأسرة الملكية السعودية لتنفيذ تعليماتها، متأثراً ربما بالإطراءات الغزيرة التي يُوظِّفها بذكاءٍ أناسٌ ذوو براعة كبيرة في هذا العمل.

فبعد زيارته، التي ميَّزتها مشاركته غير المريحة في رقصة العرضة التقليدية، أضاف السعودية إلى ثُلَّة الدول التي تتمتَّع بـ"علاقاتٍ خاصة" مع أميركا. وعلى ما يبدو أصبحت أمنيات الرياض أوامر لواشنطن. وكانت النتيجة هجوماً مستمراً على المصالح والقيم الأميركية، بحسب الكاتب دوغ باندو.

ويضيف أنه لطالما كانت العلاقات بين الغرب والمملكة قائمة على المعاملات. فقد كوَّن عبدالعزيز آل سعود الدولة السعودية الجديدة بعد الانهيار العَرَضي للإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ولم تكن للمملكة أهميةٌ كبيرة حتى اكتشاف النفط بها عام 1938.

وأدَّى النفط الوفير إلى إكسابها "صداقة" أميركا، رغم تحويل السعوديين موردهم هذا إلى سلاحٍ في السبعينيات. وقد احتفى الرؤساء المتعاقبون بالعلاقة الثنائية بين البلدين، أحياناً بحميمية مصطنعة لا تليق، على الرغم من أنَّ البلدين لم يتشاركا أكثر من مجرد رغبةٍ في الحفاظ على تدفُّق النفط من ناحية والدولارات من الناحية الأخرى.

mohammed bin salman trump


دولة تنتمي إلى عصر آخر


تنتمي السعودية إلى عصرٍ آخر. فالدولة هي مَلَكية مطلقة وليست دستورية. ولا يقوم الحكم فيها أيضاً على البكورية، أو تولِّي الابن البكر الحكم بعد والده. بل، وإلى ما قبل عامين سابقين، كان المُلْك ينتقل بين مجموعة من الإخوة من أبناء عبدالعزيز آل سعود. وأدَّى ذلك إلى فترات حكمٍ قصيرة وعاجزة بفعل الشيخوخة، فضلاً عن حكمٍ جماعي. وكانت مزايا الانتساب للعائلة الملكية كبيرة، فوفقاً لإحدى الروايات، يتقاسم نحو 7 آلاف أمير هِبات البلاد.

وقبل زمنٍ طويل، عقدت الأسرة الملكية اتفاقاً مع رجال الدين الوهابيين الأصوليين: أن تفرض الأسرة الشمولية الاجتماعية في البلاد مقابل امتثالها لتعاليم الوهابية.

وأدَّى تراجع أسعار النفط وشباب السكان في المملكة إلى خلق ضغطٍ متزايد فيها. لكنَّ آمال الإصلاح لم يُستجَب لها قط.

لكن الكاتب الأميركي يشير إلى أن الولايات المتحدة تتعامل الآن مع شخصيةٍ مختلفة تماماً، وليّ العهد صاحب الـ32 عاماً (والحاكم الفعلي) محمد بن سلمان. ففي 2015، تولَّى الملك سلمان العرش وعيَّن ابنه المفضل ولياً لولي العهد، ثُمَّ عيَّنه ولياً للعهد العام الماضي.

كان النظام السعودي في السابق حذراً، ومتروٍّ، وغير مستعد لأن يسمح لأي شيءٍ بتعكير صفو الحياة الجيدة التي تمتَّع بها أفراد الأسرة الملكية. ومع ذلك، ولَّى الملك سلمان ابنه مسؤولية شؤون المملكة على الفور تقريباً. وقاد هذا الأخير بلاده في الحال باتجاهاتٍ متناقضة. فروَّجت حكومته لفرصةٍ اقتصادية وتحديثٍ اجتماعي، في حين عمَّقت القمع السياسي والسعي للهيمنة العسكرية.

وهو مزيجٌ سام يُهدِّد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

حاز بن سلمان سُمعةً كشخصٍ إصلاحيّ عن طريق تخفيف بعضٍ من أكثر القيود السعودية التي عفا عليها الزمن، لاسيَّما المُتعلِّقة بالنساء. لكنَّ الحرية، الضعيفة، لا تزال مقتصرة على الحياة الشخصية.

ورغم أنَّ الشباب مدعوون لاختيار نمط حياةٍ أكثر ليبرالية، فإنَّهم قد لا يدخلون عالم السياسة، وبالتأكيد لن ينتقدوا "المُقرِّر" السعودي، على حد وصف الرئيس جورج بوش الابن لنفسه ذات مرة.

وبالفعل، حوَّل بن سلمان أرستقراطية سلطوية جماعية وعشوائية إلى ديكتاتورية شخصية أكثر تقليدية. ويُصرّ المعجبون بولي العهد في الخارج على أنَّ هذا يهدف إلى تسريع عملية الإصلاح. لكنَّ السيطرة العنيفة على السلطة، والمركزية المحسوبة للسلطة، والابتزاز الغاشم للأثرياء تنذر بالسوء في المستقبل. وإعادة تقديم ما قد يُنظَر إليه في مناطق أخرى باعتباره انتهاكاتٍ صادمة لن يُصحِّح حكم بن سلمان ويجعله أكثر قبولاً.

ويشير الكاتب في مقاله إلى أن الأمر اللافت للنظر بشكلٍ خاص هو الاستخدام المستمر للأجهزة الأمنية من أجل اعتقال وتعذيب الأعضاء البارزين بالطبقة الثرية لإرغامهم على التخلي عن أصولهم.

mohammed bin salman trump


سياسة خارجية أكثر إشكالية


وتُعَد سياسة الرياض الخارجية أكثر إشكالية. فقبل أن يحصل بن سلمان على السلطة، تدخَّلت السعودية في سوريا نيابةً عن المتشددين الذين يُشكِّلون تهديداً أكبر بكثير على الغرب مما كان يُشكِّله نظام الأسد القمعي - لكن العلماني.

وتدخَّلت الرياض أيضاً عسكرياً من أجل دعم النظام الملكي السُنِّي في البحرين ضد السكان الشيعة في غالبهم. ومع ذلك، فإنَّ ولي العهد مسؤولٌ عن أسوأ أخطاء السعودية، المتمثِّلة في شن حربٍ دموية في اليمن المجاور. وقد تحوَّل الصراع اليمني المحلي إلى حربٍ دولية طائفية تمكَّنت فيها إيران، بكلفةٍ قليلة، من استنزاف السعودية.

والعام الماضي أطلق بن سلمان أيضاً حصار الأمر الواقع الذي ضُرِب على قطر، والذي قسَّم الخليج – إذ انضمت الإمارات والبحرين إلى الرياض، وبقيت الكويت وعُمان محايدتين- ودفع الدوحة إلى إيران وتركيا.

ومع أنَّ السعودية ادَّعت أنَّها تستهدف بذلك الإرهاب، فإنَّها كانت تاريخياً واحدة من أهم مصادر المال والأفراد للإرهابيين، لاسيَّما أولئك الذين يستهدفون أميركا. وقد غرَّد الرئيس ترامب مُعبِّراً عن دعمه للرياض، لكنَّ وزارتي الخارجية والدفاع مالتا نحو قطر.


اختطاف الحرير


ومؤخراً، دعا محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى السعودية، ثُمَّ اختطفه عملياً وأرغمه على إعلان استقالته. وأجبر الضغط الدولي المملكة على إطلاق سراح سعد الحريري، وبعد ذلك تراجع الأخير عن استقالته. لقد هدَّدت السعودية بتدمير السلام الهَش الذي يعيشه لبنان في محاولةٍ لإضعاف حزب الله الشيعي المدعوم من إيران، لكنَّ الأمر انتهى بتقوية خصوم الرياض.

ومن شأن سعي بن سلمان للهيمنة في الشرق الأوسط أن يتناقض مع مصالح الولايات المتحدة معظم الوقت. فبالإضافة إلى تهوُّره، يُعَد هدفه الأساسي هو إيران. ومن المُسلَّم به أنَّ الأخيرة تُشكِّل تهديداً وجودياً لصورة حكمٍ ملكي لا تبدو معقولة في العصرالحديث.

asswdyh


التلاعب بترامب لضرب إيران


ويوضح الكاتب دوغ باندو أن ولي العهد يأمل بإقناع - أو بالأحرى التلاعب - بإدارة ترامب كي تقوم بمهاجمة إيران. وبالفعل، اتَّهمت حكومة محمد بن سلمان طهران بارتكاب عملٍ من أعمال الحرب عن طريق تسليح الأخيرة "المزعوم" لليمن بصواريخ أُطلِقَت على الرياض.

لكنَّ الادعاء لم يكن مدعوماً بالأدلة. وفوق ذلك، تقصف السعودية اليمن روتينياً، بما في ذلك العاصمة صنعاء، وقد قتلت آلاف المدنيين. ومثَّل الادعاء بأنَّ اليمنيين ليس لديهم الحق في الرد أمراً فاحشاً. هذا هو قانون الحرب السعودي.

يتعين على الولايات المتحدة أن تضع نفسها على مسافة من نظامٍ يُقوِّض القيم والمصالح الأميركية. وسيكون التكافؤ المتقارب بين إيران والسعودية هو الأفضل لأميركا. ورغم إشاعة الخوف الذي تُروِّج له كلا الحكومتين السعودية والإسرائيلية، لا تُشكِّل طهران حتى الآن تهديداً يُذكَر لأي طرف، خصوصاً الولايات المتحدة.

فالقوات المسلحة الإيرانية ونفقاتها تحلّ، وبفارقٍ كبير، خلف إسرائيل والسعودية وتركيا. ومع أنَّ الساسة الجمهوريين يُشوِّهون طهران روتينياً باعتبارها نظاماً إرهابياً، فعلت الرياض ما هو أكثر بكثير لتمويل الحركات الإرهابية. وقبل أن يُوحِّد ترامب بحماقةٍ معظم الإيرانيين خلف نظامٍ طائفي، خلق تواصل باراك أوباما والاتفاق النووي الإمكانية لمستقبلٍ أفضل، وحفَّز معركةً سياسية طويلة الأمد بين الإيرانيين الشباب والمهنيين والحضريين، ونَزَع المصداقية عن الأصوليين الإسلاميين الأقوياء، إن كانوا لا يزالون كذلك.

أمَّا في ما يتعلَّق بمزاعم المكاسب الجيوسياسية الإيرانية، فلا شيء مثيراً للإعجاب: نفوذٌ أكبر في الحطام السياسي المعروف باسم حكومة الأسد؛ وزيادة مؤقتة في النفوذ لدى فصيلٍ يمني بدولةٍ تُمزِّقها الحرب الأهلية لم يُعرَف عنها السلام والاستقرار قط؛ والحفاظ على دورٍ غير مباشر في المجتمع اللبناني المُمزَّق بشدة عن طريق حزب الله، لكن دون تأثيرٍ دولي عملي.

الشيء الأهم ربما يكون نفوذ إيران في العراق، والذي، بطبيعة الحال، كان هديةً من جورج بوش الابن الذي أطاح بنظام صدام حسين من السلطة. وقد عزَّز ذلك، على نحوٍ مُتوقَّع، الجارة ذات الغالبية الشيعية للعراق، التي لجأ إليها جزء كبير من النخبة العراقية اليوم إبَّان ديكتاتورية صدام حسين. ومع ذلك، لا مصلحة لدى معظم العراقيين في أن يُحكموا من جانب طهران.

ويخلص الكاتب الأميركي في مقاله إلى أن إنهاء إدارة ترامب الدعم الأميركي لحرب السعودية التي لا هدف لها في اليمن قد يُمثِّل بدايةً جيدة. ويتعين على الرئيس الإشارة إلى أنَّه سيكون من الأفضل توجيه الجهود السعودية في اليمن ضد أي جيوبٍ متبقية لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

ويتعين عليه أيضاً أن يدعم الوزيرين ماتيس وتيلرسون عن طريق انتقاد محاولة الرياض الحمقاء لحصار قطر. وبافتراض أنَّ بن سلمان جادٌ بشأن محاربة داعش، فعلى واشنطن أن توعز إلى ولي العهد بإنهاء دعم بلاده للتعصُّب الوهابي في الخارج فيما يبذل المزيد من أجل تطهير الكتب الدراسية والخطب في الداخل.

وبدلاً من أن تساعد الولايات المتحدة بغير قصد المتشددين في إيران عن طريق إضفاء الشرعية على سلوكهم العدائي الأبدي تجاه أميركا، على واشنطن أن تُوسِّع الفرص المحتملة لإصلاح إيران، وتشجيع نضالٍ سياسي داخلها. وينبغي عليها أن تدفع المملكة والإمارات لفعل الشيء نفسه، لا سيَّما بعد النهج الأكثر مرونة الذي اتبعته قطر والكويت وعُمان. وإن كان محمد بن سلمان يرغب في بدء حربٍ مع إيران، فعليه أن يدرك أنَّه سيكون بمفرده في ذلك.

ويختم الكاتب مقاله بقوله إنه أثناء الحرب الباردة كان احتضان واشنطن الوثيق للسعودية مقبولاً ومفهوماً استراتيجياً إلى حدٍّ ما، ولو أنَّ الحماسة التي أظهرها صانعو السياسة الأميركيون لم تكن كذلك.

واليوم، هناك حاجة لعلاقةٍ أكثر محدودية وتحفُّظاً. ورغم الإشادة بمحمد بن سلمان باعتباره مُصلِحاً بعيد النظر، يبدو أنَّ مواهبه الرئيسية هي تكديس السلطة وإساءة استخدامها. وقد ينضج بن سلمان بمرور الوقت، لكن لا يجب أن تكون السياسة الأميركية معتمدةً على مثل هذا التحول.