"في عتمة الماء".. كاتبة "فتاة القطار" تحكي عن أرواح النساء الغارقة في الحزن بلندن

تم النشر: تم التحديث:
PAULA HAWKINS
sm

في مدينة مُتخيلة قاتمة، ومنعزلة في لندن تُدعى "بيكفورد"، ينساب وسطها نهر، هو الأكثر غرابة على الإطلاق، تدور أحداث رواية "في عتمة الماء".

قد يبدو لك أن مسارك داخل المدينة ينتهي بالعودة إلى النهر دائماً، أينما اتجهت رأيت النهر مكوناً بركة صغيرة اشتهرت بـ"بركة الغارقات"، والتي سلبت على امتداد قرون أرواح العديد من النساء، المضطهدات، والبائسات، والضائعات أمثال - ليبي ستون وميري مارش وآن وارد وجيني وثوماس ولورين سيتر وكاتي ويتاكر، وكثيرات غيرهن.

العمل هو أحدث روايات باولا هوكينز، مؤلفة رواية الغموض الشهيرة "فتاة القطار"، والتي تصدرت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في نيويورك تايمز لمدة 16 أسبوعاً، وقوائم الكتب الأكثر مبيعاً في بريطانيا لمدة 20 أسبوعاً، والتي تحولت لفيلم يحمل نفس الاسم (The Girl On The Train) بطولة إيملي بلنت في 2016، صدرت الرواية مترجمة عن دار نشر"منشورات الرمل" في يوليو 2017، ويتم حالياً تحويلها إلى فيلم سينمائي لم يتم الإعلان عن موعد عرضه بعد.





تصف باولا البركة في روايتها قائلة "مكان يصلح لأخذ الأطفال إليه، بقعة من أجل نزهة رائعة في يوم مشمس. لكن المظاهر خداعة، لأن هذا المكان مميت. الماء قاتم صقيل، يخفي ما هو جاثم تحته: أعشاب مائية تخنقك وتشدك صوب الأسفل، وصخور مسننة تقطع لحمك، وفي الأعلى ينتصب جرف أردوازي رمادي اللون"، وستجد للماء حضوراً طاغياً -في الرواية- متمثلاً في بركة الغارقات والنهر، وستُعده في بعض الأحيان كياناً كابوسياً، يجثم على صدرك ويخنق أنفاسك، يسلب الأرواح، وقد يمنح الحياة.

تبدأ الأحداث بالعثور علي جثة دانيال "نيل" آبوت، بعد أن لفظها النهر إلى ضفته، ونيل مصورة فوتوغرافية ناجحة ومهووسة، منذ طفولتها بالنهر وقصص النساء المنتحرات أو المقتولات في بركة الغارقات، وكانت تُعد كتاباً لتروي قصصهن، مما أثار غضب السكان المحليين للبلدة.

تعود أختها جوليا "جولز" آبوت، إلى بيكفورد وبيت الطاحون، رغماً عنها، للاعتناء بابنة أختها، ذات الخمسة عشر عاماً -والتي ماتت صديقتها "كاتي" منذ ثلاثة أشهر أيضاً في بركة الغارقات- وتجد "جولز" في أوراق أختها تلك العبارة "بيكفورد ليست مكاناً للانتحار، بيكفورد مكان للتخلص من النساء اللواتي يثرن المشاكل"، تبدأ الشكوك في مُراودتها هل انتحرت نيل حقاً أم قتلت لأنها أغضبت البعض وأثارت المشاكل؟

في سبيل الإجابة عن تلك التساؤلات، يتفكك الغموض تدريجياً، وتنكشف الكثير من الحقائق، ونتعرف على ملابسات مقتل العديد من النساء في تلك البركة -سواء من خلال أحداث الرواية أو من خلال مسودة كتاب نيل آبوت-، تغوص جولز في ماضيها وتواجه، حادثة اغتصابها -من طرف صديق أختها " روبي كانون" والد "لينا آبوت"- والتي حاولت على إثرها الانتحار في بركة الغارقات، وإنقاذ أختها لها.

أيضاً تواجه "لينا آبوت" المدرس الثلاثيني الذي أقام علاقة حب مع صديقتها "كاتي ويتاكر" ذات الخمسة عشر عاماً، والتي انتحرت خوفاً عليه من المساءلة القانونية، وأن يزج به في السجن، لإقامته علاقة جنسية مع فتاة قاصرة، فأرادت أن تُخفي جريمته فانتحرت.

في النهاية يعترف "باتريك تاونسند" بقتل زوجته "إيرين" التي يتضح أنها لم تنتحر، ويعترف أيضاً بقتله لـ"نيل آبوت" ليتستر على ابنه "شون"، القاتل الحقيقي لـ "نيل".

يقوم بسرد الرواية العديد من الشخصيات، عشر شخصيات تقريباً، مما يجعل قراءتها على عدة مرات صعبة لتتبع الشخصيات ومعرفة من قام بماذا؟، وقد يخفف من تلك الصعوبة قراءتها مرة واحدة أو الاحتفاظ بنوتة لتدوين الشخصيات، كما أنه قد يجعل من الصعب أن تتعاطف مع شخصية بذاتها أو تتوحد مع معاناتها، أيضاً تتعدد وجهات النظر، وتنتقل باولا هوكينز بين الماضي البعيد 1679 في سردها لقصة ليبي ستون، والماضي القريب 1920 لحكاية قصة كوخ آن وارد، والحاضر في مقتل نيل آبوت، مما ساهم في إضفاء جو ممتع من الإثارة والغموض.



paula hawkins

جاءت الخاتمة غير مفاجئة، فيمكن توقع النهاية من منتصف الرواية، إلا أنها تُقدم حلولاً وإجابات لكل التشابك والغموض. تتعرض الرواية للعديد من القضايا الشائكة اضطهاد النساء كما في قصة "ليبي ستون" في القرن السادس عشر حينما كان يتم تقييد النساء وإلقاؤهن في النهر لمعرفة إن كن ساحرات أم لا، فإن غرقن كن بريئات، وإن نجون ثبتت عليهن تهمة السحر ويشنقن، كما أنها عرضت بصورة جيدة جداً، التداعيات النفسية، التي تصيب أسرة المنتحر من خلال قصة لويز والدة كاتي ويتاكر المراهقة المنتحرة، والعلاقة الجنسية مع القاصرات، والاغتصاب.

وقد نجحت باولا هوكينز في تقديم رواية مثيرة غامضة، تثير التساؤلات في نفسك، عن النساء اللاتي يحطن بك وقد غرقن في أحزانهن، وإحباطاتهن، والذي يصبح بجانبه الغرق في "بركة الغارقات" أمراً هيناً.