كيف أصبح إماراتي مولود في إيران و"جامع نفايات" أشهر فنان يعارض توجهات بلاده المادية

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يُعد التنميط العرقي أمراً معتاداً في سوق الفنون المعاصرة. فالفنانون من خارج المجال الأوروبي والأميركي، مطلوب منهم، لو أرادوا الشهرة أن تعكس أْعمالهم ثقافة بلادهم، وأن يقدموها بطريقة يستطيع الغرب فهمها.

وقد كان الفنان الإماراتي حسن شريف (1951 ـ 2016)، الذي يقيم معرضاً في مؤسسة الشارقة للفنون، معارضاً بالفطرة للتنميط العرقي في سوق الفن. إذ أنتج شريف، الذي عمل على عدد من الوسائط والأنماط غير المترابطة، فناً لا ينتمي لمكانٍ يمكن تحديده، ولا حتى لعددٍ من الأماكن.

وقد أشار شريف لنفسه، مُتهرِّباً من التعريفات، بأنه نصف ساخرٍ، بأنه بدوي، مع أنه لم يعش كبدوي، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية. وقد قضى شريف حياته كلها في منطقة الخليج، باستثناء عددٍ قليل من سنوات الشباب في إنكلترا، وقد صار يُنظر إليه اليوم في الخليج بصفته رائداً في الفن.

وُلِدَ شريف في إيران وتربَّى في دبي، التي كانت قبل الطفرة النفطية في الستينيات بلدة بطيئة النمو تستمد المال من حصاد اللؤلؤ. كان والده خبازاً، وتصوَّر شريف بأنَّ اهتمامه بالفن بصفته نشاطاً ــ أي التلاعب بالمواد، وتحريك الأفكار ــ إنما بدأ بمشاهدته لوالده وهو يصنع الكعك. وعندما مرَّ، بعد ذلك بوقت قصير، بأعمال مُقلَّدة لسيزان، وفان غوغ وبيكاسو، عرف أنه يريد أن يكون فناناً معاصراً.

كان شريف موهوباً. كان رساماً بالفطرة مع "نظرة ساخرة للحياة" بحسب تعبيره. وقد عمل في بعض المجلات في السبعينيات في كاريكاتيرات سياسية كانت تنتقد الإمارات حديثة التكوين والغنية بالنفط لسعيها وراء التحديث الاستهلاكي.

hsanshryf

وفي الوقت ذاته، قُبِلَت بعض لوحاته التكعيبية في عروض ترعاها الحكومة. وقد أكسبه ذلك منحةً للدراسة في الخارج. وقد اختار الكثير من معاصريه، ما إن أتيحت لهم هذه الفرصة، الذهاب إلى باريس. أما شريف فقد ذهب إلى لندن.

وفي كلية الفنون في لندن أخذ شريف توجهاً جديداً، إذ لم ينجذب إلى كلية الرسوم التقليدية، إنما إلى الأساتذة المهتمين بمذهب المفاهيمية، بما في ذلك الأداء، والتجريد المُحدَّد رياضياً.

وكان أحد أبطاله في تاريخ الفنون مارسيل دو شامب لاعب الشطرنج، الذي حاول نزع القداسة عن الفن، وسحبه من فخ الاستهلاك.

وكانت لوحات شريف المُشخبَطة التجريدية في ذلك الوقت، المولدة من قواعد منطقية تشبه الألعاب، من أوائل مقتنيات معرض الشارقة، إلى جانب صورٍ فوتوغرافية لعروضٍ كانت تشتمل على محادثاتٍ في الحمامات وخلع الملابس حال صعود السلالم.

لو كانت هذه الأعمال بعيدة المنال في إنكلترا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، فقد كانت راديكالية في الإمارات، التي كان شريف يعود إليها في إجازات الصيف. وهناك، عام 1983، عمل شريف قطعة فنية أخرى، لكنَّها هذه المرة كانت عبارة عن طريق لتحمل القدرة على المشي في الصحراء الحارقة خارج دبي.

hsanshryf

بعد ذلك بعامين، في الشارقة، عرض لوحات تجريدية، لا في معرض وإنما في سوق في الهواء الطلق، كانت فيه إحدى اللوحات ملقاة على الأرض، والأخرى مسطحة، مثل طاولة، على أربع زجاجات مياه. لم يعرف أحد ما الذي كان ينبغي لهم التفكير فيه. كان شريف يُقدِّم، في وطنه، فكرةً جديدة، لما يمكن أن يكون عليه الفن.

كان شريف، بحلول ذلك الوقت، قد أنهى دراسته وعاد إلى منطقة الخليج للأبد. في البداية، أمضى معظم وقته في الشارقة، على بعد نصف ساعة بالسيارة من دبي، وهناك عمل مع مجموعة صغيرة من الفنانين الطليعيين، والشعراء والمفكرين الذين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم مجتمع الفنون الجميلة الإماراتي.

كان دعم المجموعة محورياً. فقد كان النوع المقبول من العمل العربي المعاصر في الإمارات في ذلك الوقت هو تجريد فن الخط، الذي كان شريف يحتقره، كما كان يحتقر كل أنماط الفنون "القومية". ومع ذلك، فقد بدا فنه، بالنسبة للجمهور الإماراتي، قومياً ـ غربياً ـ وقوبل بالرفض.

لكن حتى قبل عودة شريف، كان الفن قد بدأ في التغير استجابة للحياة الإماراتية. إذ ازدادت المادية التي سخر منها في رسوماته السياسية بشكل مطرد. وأصبحت الأسواق التي كانت يوماً ما تبيع المصنوعات اليدوية غارقة بمنتجات المصانع. وبدا أنَّ هذه التخمة الجديدة تزيد من الجوع بدلاً من التخفيف منه. ولم يعلق شريف على هذه التطورات بتصريحات مباشرة ــ إذ استنكر رسوماته المبكرة باعتبارها ثقيلة الوطأة ــ وإنما عبر سلسلة من التماثيل، سميت "علم الآثار الحضري"، اتخذت من السوق ذاته مادة خام، وسوف يصير هذا أكثر أعماله شهرة.


صنع شريف أول أمثلته من قمامة الشوارع، فربط أطوالاً من حبل عادي، وحزم صناديق كرتونية وشرائط تجديل من القماش المعاد تدويره. ونقع جرائد في المياه والصمغ، وهرسها إلى أن صارت عجينة، ثم عجنها بالطريقة ذاتها التي كان والده يعجن العجين. ثم جعل هذا العجين على شكل كعك يشبه الرغيف ــ بعضها كان يشبه القضيب أو الروث ــ وعرضها في حزم وأكوام، وهي الطريقة التي كان يتذكر بها عرض المخبوزات في الأسواق عندما كان طفلاً.


hsanshryf

حتى بينما كان يفعل كل ذلك، كانت الأسواق والشهية تتسع. فاجتاحت المصنوعات الآلية المصنوعات اليدوية في الأسواق والمحلات، ومحت المستوردات المحلي. عند نقطة ما، أبطأ شريف من جمع الفضلات، وبدأ في شراء الأشياء الرخيصة التي يمكن الاستغناء عنها والتقاطها بكميات كبيرة، مثل النسخ المُقلَّدة من أعمال دوشامب المعدة سلفاً، والعرائس البلاستيكية المصنوعة في الصين، والجرادل، والنعال، والمكانس، والسجاجيد، والشباشب.

وربط مثل هذه الأشياء بدعامات منسوجة من الأسلاك. وقد استعمرت التجميعات الناتجة عن ذلك ــ سواء كانت واقفة بحرية أو معلقة أو متدلية من الأسقف، أو منسكبة على الأرضيات ــ كل مساحة المعرض بالطريقة ذاتها التي اكتسحت الاستهلاكية بها الكوكب.

لكنَّ هذا الفن لم يكن جدلياً، وإنما كان، أولاً وأخيراً، مبهجاً للعين، بأسطحه الأنيقة، وألوانه الزاهية والمحمومة، وكثرته العدوانية.

كان لفنه أثر نفسي مدغدغ، خليط من الهزل والعنف. وكان فنه متاحاً بطريقة تجعل المشاهد يظن أنَّ بإمكانه هو الآخر أن يصنع مثله. كان هذا فناً لم يكن يعتمد على مهارات عبقرية أو تدريب نخبوي أو مواد غالية. تقريباً كان أي شخص معه القليل من المال، وميل للي الأسلاك وجمع الأشياء غير المهمة، يمكنه أن يصنع نسخته الشخصية في المنزل، تماماً كما فعل شريف في شقته المتواضعة في دبي حيث عاش وعمل.


hsanshryf

وقد نُقِلَ ستوديو شريف، الذي كان يشتمل على مكتب عتيق عليه أقلام رصاص متناثرة، وأنبوب تبغ وكراسة ملحوظات، بحاله، إلى مؤسسة الشارقة.

ويبدو الاستوديو، الذي تم تنصيبه في المعرض، بجوانبه المزدحمة بالأشياء، كما لو كان ملجأ لجامع أشياء، لا خلوة فنية. وهو ما يعطي نوعاً من التصور لعادات عمل شريف: فهو لم يتوقف قط عن العمل. إذ يبدو أنَّ صنع الأعمال الفنية كان يبدو، بالنسبة له، نوعاً من الانشغال الوجودي، جزء منه لهو طفل، وجزء منه عمل، وجزء تفكر. كان شريف، المتشكك الاجتماعي، ينظر إلى الاستهلاكية بوصفها نفاية إدمانية. لكنَّ فن شريف يركز على أنه ليس ثمة نفايات لو جعلت النفايات مصدر إبداعك.

ولم يكن الفن وحده هو ما استوعب طاقته. فقد درس الفن أيضاً وكتب عنه، وروجه وساعد على إنشاء منظمات مثل منظمة فلاينج هاوس في دبي (التي أنشأها أخوه، عبد الرحيم شريف)، الذي كان يدعمها.

ومهد الطريق للجيل التالي من الفنانين الإماراتيين، ولفعاليات دولية مثل (معرض الشارقة نصف السنوي) الذي بدأ عام 1993 وما زال مستمراً بقوة. واستمر، في أعماله الخاصة، في التجربة وجس نبض زمانه ومكانه، وهو ما يعني أيضاً، عند أخذ ارتباط كل السياسات في الاعتبار، أنه جس نبض العالم.

بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، التي ضربت الإمارات بقسوة، انكمشت تماثيل "علم الآثار الحضرية" في الحجم، وأصبحت مستأنسة. بعضها كان يتكون من عنصر منزلي واحد ــ لقاطة أو مطرقة ــ مربوطة بسلك نحاسي كما لو كانت مضمدة بكثافة، أو مصفحة، أو ربما مخنوقة.

s

وفي الوقت ذاته، عادت سخرية شريف السياسية إلى السطح في سلسلة من الرسومات شديدة القبح ــ تبدو كما لو كانت تشبه السياسة الأميركية الحالية ــ بعنوان مؤتمر صحفي". وكانت هناك عودة مباشرة إلى الرسومات واللوحات الفائضة للغاية المعتمدة على النظام.

وتعرض أمثلة معظم أعماله التأملية الماضية، "أنا الفنان الوحيد" حتى الثالث من شهر فبراير، وهي أعمال مرضية وإن كانت واسعة بشكل مرهق. وقد نصبت هذه الأعمال، التي نظمتها حور القاسمي، منشأة مؤسسة الشارقة للفنون، في موقعين: مجمع من المعارض الشبيهة بأسلوب الصناديق البيضاء، بالقرب من ميدان المريجة، وبيت من القرن التاسع عشر يدعى بيت السركال، الذي كان يوماً ماً بيتاً للمفوض البريطاني في الخليج العربي، ثم أصبح مستشفى لاحقاً.

والجو المعماري لهذين المكانين مختلف للغاية. ويشي بالكثير عن التنوع الثقافي لأعمال شريف الفنية التي تبدو كمان لو كانت في مكانها تماماً في كلا الموضعين، كما كان الحال في معرض فنيس نصف السنوي الصيف الماضي (ويفتتح معرض بنيويورك بعنوان: "حسن شريف: نصف أنظمة"، بمؤسسة ألكساندر جراي في مانهاتن يوم الخميس، الرابع من شهر يناير/كانون الثاني). أما ضخامة معرض الشارقة فهي اعتراف بالتقدير الفائق لهذا الفنان، المقام على شروطه الخصامية، التي اكتسبها في وطنه، وقد حان الوقت لمشاركتها عالمياً.