أموال حزب الله "ليست في المصارف".. بيروت ترفض اتهامات السعودية بتبييض الأموال لكنها تتساءل عن الخطوة التالية

تم النشر: تم التحديث:
BANK LEBANON MONEY
Mohamed Azakir / Reuters

نادراً ما اتحد اللبنانيون على شيء بقدر اتحادهم على رفض الاتهام السعودي للقطاع المصرفي اللبناني بأنه يستخدم لتهريب الأموال لصالح حزب الله أزعج الجميع في بيروت.

اللبنانيون رأوا في تصريحات وزير الخارجية السعودي مساساً بدرة التاج اللبناني، الذي لعب دوراً أساسياً في الحفاظ على الاقتصاد اللبناني رغم الأزمات المتتالية التي مرت بها البلاد. ويقولون إن المصارف اللبنانية ساعدت على أن تتمكن البلاد من امتلاك معدل نصيب للفرد من الناتج المحلي هو الأعلى عربياً خارج دول الخليج النفطية.

فقد وصفت وكالة "فيتش" للتصنيف القطاع المصرفي اللبناني بأنه يتمتّع بـ"مستوى منخفض من الضعف المحتمل"، وهو التصنيف الأعلى للوكالة وفق "المؤشر الاحتراسي الكلي" والذي يضع المصارف اللبنانية في مصاف تلك الموجودة بالمانيا والدانمارك والولايات المتحدة، كما برهن القطاع أن لديه خبرة طويلة بالعمل في بيئة سياسية غير مستقرة ومحفوفة بالمخاطر، وساهم في الوقت ذاته بتمويل النمو الاقتصادي بشكل فعال.

وبلغ حجم الموجودات المجمعة للمصارف اللبنانية حوالي 172.2 مليار دولار في نهاية عام 2014، وهو يشكّل حوالي 370% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يجعل القطاع المصرفي اللبناني من أكبر القطاعات المصرفية العربية والعالمية نسبة إلى حجم الاقتصاد، حسب اتحاد المصارف العربية.


المصارف اللبنانية وسلاح حزب الله في عبارة واحدة


عادل الجبير، قال في كلمة ألقاها في منتدى الحوار المتوسطي في العاصمة الإيطالية روما، في الأول من شهر ديسمبر/كانون الأول 2017 ، إن "حزب الله يستخدم المصارف اللبنانية لتهريب الأموال، وأن الحل في لبنان هو بسحب سلاح حزب الله"، معتبراً أن "لبنان مختطف من دولة أخرى من خلال جماعة إرهابية، وهي حزب الله".

تصريح الجبير جاء في سياق الخطوات السعودية التصعيدية الموجّهة ضد حزب الله، والتي اتسعت لتشمل لبنان عقب أزمة استقالة الحريري من رئاسة الحكومة من الرياض ثم عودته إلى بيروت في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بعد نحو 18 يوماً من إقامة وصفت بأنها غير طوعية، أنهتها وساطة فرنسية مدفوعة باحتجاجات لبنانية رسمية.


المسؤولون يردون على تصريحات الجبير بالإجابة الموحدة


ورغم أن الفرقاء اللبنانيين بدوا شبه متحدين إلا قليلاً منهم في مواجهة أزمة استقالة الحريري المشتبه في جبريتها، إلا أن اصطفافهم الكامل ظهر واضحاً على غير العادة في ردهم على مساس الجبير بقطاعهم المصرفي.

فحتى أحد أقرب حلفاء السعودية وأبرز غرماء حزب الله المحليين سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية رفض هذا الاتهام.

واللافت أن جعجع كان موقفه مؤيداً لاستقالة حليفه الحريري في ظل الاشتباه باحتجازه في الرياض الأمر الذي أغضب الحريري وبدا الأمر في التوتر بينهما بعد عودة الأخير، إلا أنه عندما امتد الأمر لقطاع المصارف وقف في صف الحريري بل إنه حتى وقف في الجانب نفسه الذي يقف فيه خصمه حزب الله.

فقد عارض جعجع كلام الوزير السعودي، قائلاً: "أقدّر كلام الجبير، لكن لدي رأي آخر في ما يتعلق بالقطاع المصرفي اللبناني. فالمصارف اللبنانية تتقيّد بشكل تام بتعليمات المصرف المركزي الذي هو على تنسيق تام مع وزارة الخزانة الأميركية وأخذ على عاتقه تطبيق المعايير الدولية والأنظمة المصرفية الدولية".

وأضاف "لا أعتقد أن هناك أموالاً لحزب الله تمر من خلال النظام المصرفي اللبناني".

رد جعجع كان واحداً من ردود العديد من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين والمصرفيين بشكل بدا أكثر حزماً من المتوقع من حلفاء وأصدقاء المملكة ومنهم على سعد الحريري نفسه، الذي طالما كان حليف المملكة المقرب.

فبعد أيام من كلام الجبير، رد الحريري على حسابه على تويتر قائلاً "نحن من بين أفضل الدول التي تطبّق القانون الأميركي على المصارف لديها، خصوصاً بما يتعلق بموضوع الشفافية. وكل القوانين التي صدرت من الكونغرس نطبّقها في لبنان، فلا خوف في هذا الموضوع".

وتفاعل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة برد مشابه، نافياً ما قاله الجبير، مؤكداً أن "القطاع المصرفي اللبناني يحظى بالشرعية الدولية في ما يخص التعاطي المصرفي والمالي" .

كما سبق أن أكد سلامة أن "مصرف لبنان جمّد بعض حسابات حزب الله التزاماً بالقوانين الأميركية".


الاتهامات جاءت السعودية بعد "فشل" احتجاز الحريري


موقف"سياسي بامتياز"، هكذا وصف رئيس تحرير مجلة "الإعمار والاقتصاد"، الخبير الاقتصادي الدكتور حسن مقلد اتهام الجبير، معتبرا أنه يأتي بعدما فشلت محاولة السعودية في احتجاز الحريري. "تستخدم المملكة السلاح المالي والاقتصادي ضد لبنان بعد تراجع الحريري عن استقالته، والحديث الآن يدور على سحب الودائع من المصارف اللبنانية، وعبر الطلب بتحويل الودائع من الليرة اللبنانية إلى الدولار".

ويتوقع مقلّد "استمرار الضغط السعودي ، إما عبر الضغط على اللبنانيين في المملكة، أو عبر قطع الطريق أمام أي مناقصات لبنانية في الخليج، وقد يكون عبر تحذير المستثمرين الأجانب من الدخول إلى الأسواق اللبنانية".


أسباب تجاهل ترامب لاتهامات الجبير


اللافت أيضاً أن الاتهام السعودي لم يلق استجابة دولية حتى من حلفاء الرياض المقربين ومنهم شريكها الأكبر في نزاعها مع إيران أي الولايات المتحدة الأميركية.

السر في ذلك ان العدسة الأميركية الحادة أخضعت هذا النظام لفحص دقيق قبل الاتهام السعودي بسنوات والمصارف اللبنانية المحلية ملتزمة بالقوانين الدولية التزاماً كاملاً، خصوصاً تلك المتعلقة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، فهي تعلم أنها تحت أنظار المجهر الأميركي الذي لا يرحم.

على سبيل المثال لا الحصر، قبل أكثر من عامين من هذا الاتهام السعودي أصدر الكونغرس الأميركي قرار قضى بعدم فتح حسابات تمُت بصلة إلى نواب أو وزراء ينتمون إلى "حزب الله"، فاستجابت المصارف اللبنانية بل ذهبت أبعد من ذلك وأقفلت حسابات كانت مفتوحة سابقاً، خوفاً من فرض أي عقوبة مالية عليها.

جمعية المصارف اللبنانية، في ردها على الجبير أشارت لهذا الموقف الأميركي بقولها أن "لبنان أقرّ سلسلة تشريعات خلال السنوات الماضية، أشادت بها وزارة الخزانة الأميركية، لكونها تساهم بشكل مطلق بتخفيف مصادر تمويل الإرهاب، وتمنع إجراء أي معاملات مشبوهة عبر المصارف اللبنانية".

كما أن لبنان، كان حريصاً أن يستوفي وفق مجموعة "الغافي" الدولية المعنية بمكافحة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، "كل الشروط المطلوبة من حيث القانون ومن حيث الممارسة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وسلاح الدمار الشامل".


هذا ما يحدث للمصارف اللبنانية إذا سحبت السعودية ودائعها


بالنسبة لسحب الودائع السعودية في المصارف اللبنانية، فلا تُعدّ هذه المرة الأولى التي تلوّح بها المملكة بهذه الورقة، والبعض يرى أن هذه الورقة فقدت قيمتها ، فسبَق ان لوحت الرياض بسحب ودائعها من لبنان عام 2015، عندما كان الاصطفاف السياسي اللبناني لا يزال حاداً بين فريقين اساسيين، حلفاء المملكة (14 آذار) وحلفاء إيران (8 آذار).

يومها، ولأن لبنان هو من بين الدول التي تتمتع بالسرية المصرفية، تم تسريب معلومات عن الحسابات المالية وتحديداً عن الوديعة السعودية في لبنان، والتي قدرها مقلد بأنها تبلغ 500 مليون دولار فقط من بين إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية البالغة نحو 150 مليار دولار بينها 30 مليارا ودائع غير مقيمة حسب تقديرات في بداية 2016.

بينما قال حسن مقلد في تصريح أدلى به في ذلك الوقت إن الوديعة كانت في ذلك العام مائة مليون دولار أميركي، وأنه سيتم سحبها في العام نفسه اي في العام 2015.

ومنذ ذلك الوقت تبلغ الوديعة السعودية الرسمية في لبنان صفر حسبما قال مقلد، ولم يتم نفي هذا الخبر رسمياً حتى اليوم.

بالنسبة لإجمالي الودائع الخليجية، فتشير المعلومات المحيطة بمصرف لبنان، أن حجمها يتراوح بين ثلاثة وأربع مليارات دولار من أصل 160 مليار دولار ودائع في المصارف اللبنانية حالياً، وهو رقم يقول مقلد عنه أيضاً إنه "متواضع لا يمكن له أن يسبب أزمة مالية أو نقدية في لبنان".

الخطوات السعودية أفرغت من فعاليتها كذلك بفضل مؤتمر "مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان"، الذي انعقد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2017 ، في العاصمة الفرنسية باريس، خصوصاً أن أهم ما خرج به المؤتمر هو تأمينه مظلة سياسية مالية للبنان، مانحاً ثقة دولية للعهد والحكومة اللبنانية، وسحب البساط من أمام المحاولة السعودية لتطويقه مالياً.


وهنا تتحرك أموال حزب الله داخل لبنان وخارجه


لطالما أكد حزب الله على لسان قيادييه أنه ليس هناك حسابات مصرفية باسمه أو تابعة له في المصارف اللبنانية، خصوصاً بعد صدور العقوبات الأميركية ضده في السنوات الأخيرة.

وقد اعترف الأمين عام لحزب الله حسن نصرالله أن مصادر تمويل الحزب تأتي من إيران فقط منذ تأسيسه في العام 1982.

ويكاد يجمع المراقبون أن موارد حزب الله" المالية تأتي من مصادر متنوعة ومستترة، والاطلاع عليها يندرج ضمن الحرب الاستخبارية وليس القنوات الشرعية، إذ أن "لدى الحزب طرق تمويل خارج القطاع المصرفي اللبناني أو النظام العالمي".

ويقول تقرير أعدّه "مركز العقوبات والتمويل غير المشروع" إن الحزب يتلقى الأموال من إيران في "حقائب" وليس عبر المصارف، كما أن الحزب تصله هبات تُحوّل له من مغتربيه تصله عبر طائرات خاصة من الشيعة اللبنانيين في أميركا الجنوبية وإفريقيا، وذلك في ظل سيطرة الحزب على مطار بيروت، وقد بدأت الولايات المتحدة في العام الأخير لإدارة أوباما بتعقب حركة انتقال أموال الحزب في إفريقيا والأميركتين.

وقدرت موازنة الحزب عام 2016 بمليار دولار، وهو بحسب تقرير المركز يشكّل "دولة داخل دولة"، ومعظم مصاريفه تذهب للخدمات الاجتماعية (مستشفيات، تعويضات) ولتلفزيون المنار (قدرت موازنته عام 2004 بـ15 مليون دولار).

ويقول الباحث الشيعي اللبناني المهتم بشؤون حزب الله علي الأمين إن إيران توفر للحزب نحو 50 % من موارده المالية، في المقابل فإن الحزب يحصل مـوارد مالية عبر استغلال نفوذه العسكري وحرية الحركة المتاحة له عبر المرافئ اللبنانية والحدود البرية في تنفيذ عمليات غير قانونية لتوفير المال، حسب قوله.

ويضيف الأمين قائلاً "أن هناك عنصراً آخر أساسياً في تمويل الحزب عبر الدولة اللبنانية وخزينتها، حيث يسيطر على نحو مئة بلدية، نجح بطرق مختلفة في الاستفادة من جزء من أموالها لتمويل أنشطته، والأهم لدفع رواتب عناصره الموظفين في البلديات ولكنهم ينفذون تعليماته، إضافة لاستغلال البلديات لاحتكار بيع الطاقة الكهربائية فضلاً عن الاستيلاء على الأراضي العامة.