"الرولي ديربي".. اللعبة الخشنة تقاوم النساءُ المصريات بها الكبتَ السياسي.. وهذه الأسماء القديمة يطلقنها على أنفسهن

تم النشر: تم التحديث:
W
w

أينما تُلعَب، تحظى رياضة "الرولر ديربي" أو السباق بحذاء التزلج، باهتمام كبير خاصة لمشاركة النساء فيها، لكن في مصر الأمر أكثر إبهاراً لأن النساء يمنحن اللعبة صبغةً أثرية.

تُدعى المبتدئات بـ"المومياوات"، واللاعبات ذوات المهارات المتوسطة بـ"كيلوباترا"، وهؤلاء اللاتي تجاوزن 6 أشهر من التمرين - ودفعن الثمن بالكدمات - يلتحقن بنادي "كايرولر"، وتصبح كلٌ منهن حينها عضوةً كاملة الصلاحيات في نادي الديربي رولر الوحيد في مصر، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية الخميس 28 ديسمبر/كانون الأول 2017.

يتمرنَّ مرتين أسبوعياً، تحت الأضواء الكاشفة في ملعب كرة اليد المفتوح في استاد القاهرة الدولي، يُصقِلن مهارتهن في الجوانب الأساسية في هذه الرياضة: الحركة بسرعة، وبخفة، وإبعاد الخصوم عن الطريق. بمعنى آخر، يفعلن ما يشبه كثيراً ما يقمن به في الحياة اليومية.

قالت ريم السوقي، وعمرها 29 عاماً، الكاتبة الملقبة باسم ليدي ماكديث: "إذا سقطت، لابد أن تقوم بسرعة". وتابعت: "إذا صُدِمت، عليك أن تمتص الضربة وتتحرك. هذه أمورٌ تحملها معك في حياتك اليومية. فهذا يقويك قليلاً".

القاهرة والتحرش

d

واحدة من مشكلات الحياة اليومية للنساء هنا هي التحرش الجنسي المزمن. صُنِّفت القاهرة في دراسةٍ حديثة أعدتها مؤسسة طومسون رويترز بأنها أخطر المدن الكبرى على النساء في العالم، فيما صُنِّفَت لندن باعتبارها أفضل المدن، تليها طوكيو وباريس. في الوقت الذي انتشرت فيه موجة هاشتاغ حملة #me_too التي اكتسحت العالم عقب فضيحة المنتج الهوليودي هارفي وينستاين، حكمت محكمةٌ مصرية على مُقدِّمة برامج تلفزيونية بالحبس ثلاث سنوات لحديثها في برنامجها عن الحمل خارج إطار الزواج، بحسب الصحيفة الأميركية.

"كايرولر" هو خليط من الطالبات والمحترفات في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، يقول إن عثرات وصدمات الديربي رولر تؤدي إلى إحباطهن، لكن أيضاً تمنحنهن شيئاً من التمكين، وأحياناً بعضاً من التباهي، كأنه أخوية نسائية. وهذا ببساطة يُعد طريقةً للتخلُّص من الضغوطات الناتجة عن العيش في مدينةٍ كبرى ضيقة ومُلوَّثة ومُكتظَّة بـ 24 مليون نسمة، مثل القاهرة.

تقول ندى المصري، 23 عاماً، وتعمل مُمَثِّلةَ خدمةِ عملاء في أحد البنوك وتتعامل مع عملاء صاخبين نافذ الصبر طوال اليوم: "يجب أن أكون مُهذَّبة ومُبتَسِمة"، وتتابع: "في يومٍ جيد آتي إلى هنا، وألعب لساعتين، ويذهب هذا كله".

تزايد شعبية اللعبة

s

تصاعدت شعبية رياضة الرولر ديربي، التي بدأت في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، عبر الأعوام الخمسة عشر الماضية. في الشرق الأوسط، انتشرت الفِرَق في القاهرة، وبيروت، وأبو ظبي، ودبي. وكانت بعض عضوات "كايرولر" قد علمن عن اللعبة من فيلم Whip It وهو فيلم أميركي أُنتِجَ عام 2009 ويتحدَّث عن شابةٍ مُتمرِّدة تكسر قيود نشأتها المُحافِظة بالانضمام إلى فريق ديربي رولر خَشِن، بحسب الصحيفة الأميركية.

قد تتشابه لاعبات "كايرولر" مع بطلة الفيلم، فكثيرات منهن يرتدين الحجاب تحت الخوذات احتراماً للدين الإسلامي. بعضهن متزوجات، وأخريات يعشن في منزل واحد مع آبائهن. لاعبة منهن تبلغ 34 عاماً، ولديها ثلاثة أطفال، أكبرهم عمره 12 عاماً. والعديد منهن كن راقصات باليه في السابق.

مؤخراً، صرن يستمتعن بالكدمات والرضوض، وحتى الإصابات المُتكرِّرة. كل لاعبة تقريباً لديها قصة مع كاحل ملتو، أو ركبة مصابة، أو سن مكسورة. تعد الكدمات التي تُعرَف باسم "قُبلات الديربي"، علامة تبعث على الفخر، بحسب الصحيفة الأميركية.

تقول سمر عبد الناصر، وهي كاتبة تلفزيونية تبلغ من العمر 26 عاماً: "أحب الكدمات، تجعلني مرتاحة أكثر مع جسدي، وواثقة أكثر في التواصل".

وكانت مُعلِّمتان أميركيتان في مدرسة دولية عام 2012، قد أسَّستا الفريق، وأقامتا أول محاضرة تدريبية في ساحة انتظار السيارات بالمدرسة. كان هذا وقت التغيير العاصف في مصر، فقبل هذا بعام، وفي أوج ثورات الربيع العربي، تجمَّع الشباب المصري في ميدان التحرير متظاهرين للإطاحة بحسني مبارك، رئيس الدولة آنذاك ولمدة 30 عام تقريباً.

وعلى خلفية الشجاعة التي اكتسبوها من الثورة، تبنَّى الشباب المصري أنواعاً جديدة من التعبير الثقافي، والسخرية السياسية، والرياضات غير التقليدية مثل الرولر ديربي. تبدَّدَت الآن روح التغيير تحت فترة الحكم الصارمة للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي اعتقلت حكومته آلاف المعارضين، وحبست الشباب المصري لكتاباتهم على منصات التواصل الاجتماعي.

وقالت سمر: "هُزِمَت أحلامنا، نحن في اكتئاب عميق منذ 2011. لم يتغيَّر شيء. نحن عالقون في كل ذلك".

لكن الديربي رولر صمد، بسبب الصداقة الحميمة بين اللاعبات. إذ يتجمعن عقب كل تمرين لتناول العصير أو لإقامة حفلة بيتزا. وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر، ديسمبر/كانون الأول، ذهبن لممارسة التزحلق على الرمال في الكثبان الكثيفة في واحةٍ على تخوم محافظة الفيوم، جنوب العاصمة القاهرة. وتُطلق عضوات الفريق على بعضهن اسم "زوجات الديربي"، بحسب الصحيفة الأميركية.

وتقول ريم: "هناك أخوية يتردَّد صداها عبر العالم بأسره، نرى بعضنا، ونبقى مع بعضنا".

ما ينقصهن هو الخصوم

s

هناك نوعٌ آخر جديد من الرياضات النسائية في مصر. فقد تأسَّسَ فريق وطني لرياضة "الراغبي" للنساء عام 2015، ومؤخراً فاز فريق الكرة الخادعة "الدودجبول" النسائي بالبطولة الإفريقية الكبرى. لكن رياضة الديربي رولر مُقيِّدة بعدة عوامل، من بينها التكلفة.

فمجموعة كاملة من الخوذات، وضمادات الركب، والزلاجات تُكلِّف آلاف الدولارات، وضاعف الانهيار المفاجئ للجنيه المصري العام الماضي، 2016، من الأسعار.

كان عليهم الارتجال إذن. تستخلص اللاعبات نصائح التدريب من مقاطع الفيديو الإرشادية على موقع يوتيوب، ويأخذن تبرعات المعدات المستخدمة من فرق الولايات المتحدة. حلمهن هو إقامة دوري تنافسي في مصر. ويبحثن عن مُموِّل، بحسب الصحيفة الأميركية.

في وقتٍ سابق من هذا العام، لعب "كايرولر" مباراياته التنافسية الأولى ضد فِرَقتَين نسائيَّتَين زائرتَين من أبو ظبي ومارسيليا. وقالت سمر إنها أُصيبَت بالقلق قبل أيام من اللعب، لكن ما إن انطلقت صافرة البدء، تلاشى قلقها كله. وقالت: "كان أمراً رائعاً للغاية، ولا أستطيع الانتظار للقيام به مرة أخرى".