العالم الخفي لرسم الوشوم على أجساد الإيرانيات.. مجموعات سرية تقوم بطقوسها بأماكن لا تصلها الشرطة الأخلاقية

تم النشر: تم التحديث:
TATTOO GIRL DRAW
social media

في غرفة صغيرة لا تتعدى مساحتها الأمتار الأربعة، أخذ الشاب يغما (اسم مستعار) في الاستعداد لاستقبال زبائنه السريين الذين يريدون أن يرسموا وشوماً على أجسادهم رغم أن ذلك قد يعرضهم لعقوبات قد تكون جسدية، لكنها لم تستطع رغم قسوتها وقف تمدد الشغف بالوشوم بين الشبابات والشباب الإيراني.

"إنها المقاومة الممتعة"، كما وصف الشاب الإيراني مهنته التي يمارسها سراً متحدياً الحظر الذي فرضته الشرطة الأخلاقية بلاده عليها.

وقف يغما أمام طاولة صغيرة عليها أوراق بيضاء وبعض الأقلام الرصاص. وتناول أحد الأقلام، ثم التقط هاتفه لتشغيل بعض الموسيقى، وبدأت يداه تعمل بسرعة واتقان لرسم صورة أحد الأوجه المستمدة من الحضارة الفارسية القديمة.

بعد قرابة 20 دقيقة، اعتدل الشاب وهو يرمق الورقة بنظرة تحمل الكثير من الرضا، ثم توجه لأحد الرفوف الذي تنتشر عليه عشرات الزجاجات الملونة، وبدأ يلتقط بعضها ويقوم بإضافة بعض الحبر الملون منها إلى ما يشبه الحقن المعدنية الكبيرة. هو الآن في انتظار أحد الزبائن الذي يرغب في رسم هذه الصورة على كتفه الأيمن.

"كل شيء فى إيران يتم فى الخفاء حتى رسم الوشم، قد يبدو الأمر صعباً للبعض، لكن بالنسبة لي أراها مقاومة ممتعة"، هكذا يصف يغما عمله كأحد رسامي الوشم (التاتو) في طهران.


مجرمون


في إيران، كان الوشم مرتبطاً بأفراد العصابات والمجرمين والسجناء، حتى أن المجرمين عندما كانوا يعتقلون تجول عناصر الشرطة بهم في الساحات العامة -وهي عادة سائدة في البلاد- ويكشفون وشم هؤلاء المذنبين دليلاً على جرمهم.
ولكن في السنوات القليلة الماضية، أصبح الوشم أكثر شعبية بين الشباب صغير السن، الذين استغنوا عن الكلمة الغربية "تاتو" واستبدلوها بالمرادف الفارسي "خلكوبي".

ومع ذلك، فإن هذا الازدهار للوشم لايزال قابعا "تحت الأرض". فقد انضم الوشم منذ عدة سنوات إلى قائمة الممنوعات والقيود بعد ملاحظة السلطات انتشاره بين الشباب.

يغما (26 عاماً) هو خريج كلية الفنون، وطوال حياته كان مولعاً بفن الرسم على الجسد. وعندما ذهب إلى دبي في إحدى العطلات، تعلم هناك رسم الوشم. هو يملك استديو خاص به فى منزله وأصبح لديه الكثير من الزبائن.

إذ يبدو أن كثيراً من رسامي الوشم اكتسبوا مهاراتهم في الخارج، في الإمارات العربية المتحدة أو في كردستان العراق، ثم عادوا لتعليم الآخرين.

في عام 2016، أثارت الممثلة الإيرانية ترانه عليدوستي ضجة كبيرة في بلادها، وذلك خلال حضورها مؤتمرًا صحفيًا، للاحتفال بحصولها على جائزتين في مهرجان "كان" السينمائي الدولي، في نسخته رقم 69، حيث رصدت الصور وجود "وشم" على ذراعها.



tattoo iran

وبمجرد انتشار الصور، قاد المتشددون في إيران حملة انتقادات قوية، على الممثلة الإيرانية، 32 عامًا، قائلين إن هذا الرمز يعني تأييد الإجهاض وضد العائلة.


الوشم والدعاية الصعبة في المجتمع الإيراني


الترويج للوشوم ليس أمراً يسيراً في هذا البلد المشهور بشرطته المخصصة للأخلاق، ويقوم يغما عادة بذلك من خلال عدة حسابات على الشبكات الاجتماعية.
ولكن العاقبة قد تكون وخيمة إذ يروي تجربة شخصية مريرة قائلاً: "في أحد الأيام وجدت شرطة الأخلاق تقتحم الاستوديو الخاص بي واقتادوني إلى قسم الشرطة كأنني قاتل أو سارق".

تم اتهام يغما بتهمة مزاولة عمل مناف للآداب العامة وتعاليم الجمهورية الإسلامية وتم الحكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر فى السجن.

الآن وصل الزبون، رحب به يغما وهو مستمر في رواية قصته، قائلاً إنه تلقى إهانات كثيرة أثناء احتجازه فى قسم الشرطة. طلبوا منه الإفصاح عن أسماء وأماكن زبائنه، ولكنه رفض.


رسم الوشم في الشريعة والقوانين


في قانون العقوبات الإيراني لا توجد عقوبة لمزاولة مهنة رسم الوشم أو عقوبة إذا كان لديك وشم، لكن السلطات تبرر هذا المنع بمخالفته للشريعة في موقف يفسره البعض بأنه يستند لتفسير متشدد للإسلام يُستدعى خاصة عندما يتعلق الأمر ببعض مظاهر الموضة الغربية خاصة أن قائمة الممنوعات الاجتماعية تطول لتشمل عدة مظاهر أخرى تشكل تقليداً للغرب .

اللافت أن موقع المرجع الشيعي علي السيستاني الإيراني الأصل المقيم في النجف بالعراق يرد على سؤال حول حكم الوشم بأنه يجوز ولكن الوشم في حد ذاته ليس امرا مستحسنا وهناك روايات في ذمه، ومع أنه لايوجد إحصاءات بعدد اتباع أو مقلدي كل مرجع شيعي إلا أنه يعتقد أن السيستاني أكثرهم اتباعاً مع ملاحظة إن لإيران ظروف استثنائية في ظل وجود مرجعية قم بها إضافة إلى سيطرة نظرية ولاية الفقيه على السلطة التي يمثلها حالياً مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي.



tattoo iran

المفارقة الأكبر هي الرد الذي قدمه موقع راديو إيران العربي على سؤال بشأن حكم رسم الوشم الدائم على الجسم في أماكن الوضوء وغيرها.

إذ ينقل الموقع عن خامنئي والسيستاني قولهما: "لا إشكال في رسم الوشم الدائم ولا يُعد من الموانع الشرعية للغسل والوضوء. ثم ينقل عن خامنئي تحديداً قوله الوشم جائز مطلقاً وإذا كان تحت الجلد لا يضر بالوضوء والغسل وكذا لو كان مجرد لون".

وتثير هذه الإجابة تساؤلاً حول سر تحفز السلطات الإيرانية ضد الوشم رغم فتاوي اثنين من أهم مراجع الشيعة واللذين يبدوان أكثر تساهلاً من فقهاء السنة.

وفي ظل غياب نص شرعي أو قانوني قاطع حول العقوبة، فإنه عندما يتم القبض على رسام الوشم، يترك أمر العقوبة بيد القاضي، وفي الأغلب تكون العقوبة ما بين الجلد والسجن لعدة أشهر (كعقوبة تهذيبية) أو الغرامة المالية.

توقف يغما عن الحديث الآن، فقد بدأ في رسم الوشم وهو يحتاج إلى تركيز تام في هذه اللحظة.


وشم النساء مهنة أكثر سرية وخطورة


شيرين شابة إيرانية تبلغ 25 عاماً وتعمل معلمة فى إحدى المدارس الابتدائية. تملك 4 وشوم حصلت عليهم منذ قرابة عام. لكنها حرصت أن تكون جميعها في أماكن غير مرئية من جسدها.

كانت شيرين تريد الحصول على وشم على يدها، لكنها تخاف من شرطة الأخلاق (الباسيج). فكرة الخوف منهم تضايقها، تقول "هذا جسدي أنا، ولدى مطلق الحرية في فعل ما أريد به، لكن في إيران ليس لدينا حقوق لأي شيء".

ولم تكتف النساء الإيرانيات مثل شيرين بتحدي الحظر عبر رسم الوشوم على أجسادهن بل دخلن بدورهن هذه المهنة رغم مخاطرها، بعد أن تعلمنها على أيدي ذوي الخبرة سواء داخل أو خارج إيران ثم يقمن بدورهن بتدريب آخرين وهكذا.
فقد حصلت شيرين على على سبيل المثال على وشومها التي تخفيها بواسطة رسامة إيرانية تعمل في الخفاء في أحد صالونات التجميل.

هذه الرسامة تم إلقاء القبض عليها عند تفتيش الشرطة للصالون والعثور على أدوات الرسم والأحبار الخاصة بها.


الوشم متهم بالمجوسية والمؤامرة الغربية والخطر الصحي


تتعامل السلطات الإيرانية بحساسية شديدة مع موضوع الوشم وتلجأ لأساليب متعددة لتنفير مواطنيها منه، لاتقتصر على الأمني والديني بل تتضمن أيضاً إبراز ما تقول إنه مخاطر صحية لهذه العادة.

ففى عام 2013 أصدر المجلس الأعلى للصحة التابع لوزارة الصحة الإيرانية، بياناً ينص على أنه سيتم إغلاق جميع صالونات التجميل التي تقدم خدمة رسم الوشم والمكياج الدائم (تاتو الحواجب والشفاه).



tattoo iran

وحرص المجلس في بيانه على ربط عمل الوشم بأمراض سرطان الجلد والإيدز والإصابة بفيروس التهاب الكبد الوبائي في خطوة منه لترهيب الإيرانيين من القيام بهذا الأمر.

تناولت الإذاعة الإيرانية في أحد برامجها آثار الوشم الصحية، والمخاطر الناجمة عنه خاصة في ظل عدم وجود تعقيم كاف أو استخدام مواد غير صحية مع تبيان متى يكون الوشم صحياً ومطلوباً في حالة معالجة تشوهات جسدية.

بجانب ذلك تصر السلطات الإيرانية على وصم من يحصلون على الوشوم بشكل سلبي، إذ تتعمد السلطات عند إلقاء القبض على أفراد العصابات أن يكشفوا عن الوشوم التي بأجسادهم أمام العامة ما يربط بين الوشم والإجرام دائماً.

يقول الشاب الإيراني حسين أنه في أحد أيام الصيف الماضي 2017 ، ذهب لأداء صلاة الجمعة وكان يرتدي قميصاً بأكمام قصيرة تظهر جزءاً من الوشم على ذراعه. عندما لمحه خطيب الجمعة، قرر تغيير موضوع خطبته ليتحدث عن الوشم وأنه حرام شرعاً ومؤامرة غربية لإسقاط إيران. "أي مؤامرة يتحدث عنها، فأنا أحمل وشماً لأبيات قصيدة فارسية"، هكذا علق حسين ضاحكاً.

العديد من الشباب في الواقع يطلبون رسم وشوم مع العناصر الإيرانية، مثل صور الفيلسوف الإيراني ومؤسس الديانة الزرادشتية زرادشت، والجنود العشرة آلاف الخالدين، ورموز الديانة الزرادشتية (تطلق عليها المراجع الإسلامية المجوسية)، وغيرها.

ويبدو أن هذا الاتجاه في الوشوم مرتبط بما رصدته تقارير إعلامية غربية عن تبني العديد من الإيرانيين المسلمين الشيعة لرموز الثقافة الزرادشتية علناً ​​في إطار رفضهم للثيوقراطية الشيعية، خاصة أن الزرادشتية هي مرتبطة بتاريخ إيران القومي حتى أن السلطة تستدعي بعض رموزها أحياناً مسايرة منها للمزاج العام.

ويمكن تلمس حجم حساسية السلطات من موضوع الوشم لدرجة أن لجنة الأخلاقيات باتحاد كرة القدم الإيراني استدعت لوضعهم وشوماً على أجسادهم من بين سلوكيات أخرى اعتبرتها السلطات مرفوضة ومدانة.


كل هذه الأسباب تؤدي لارتفاع تكلفة الوشم


لاتقتصر مشكلات رسامي الوشم الإيرانيين على المطاردات الأمنية. فحسب الرسام الشاب يغما، يتعرض رسامو الوشم في إيران لمعاناة أخرى تتعلق بعدم توافر معدات الرسم والأحبار الخاصة بالوشم.

وهناك طريقان للحصول على هذه الأدوات، أولهما أن يتم شراؤها من على الإنترنت (أونلاين) من الصين، لكن حينها سيحصلون على أدوات ليست جيدة.



tattoo iran

وإما أن يأتي بها أحد أصدقائهم من الخارج، وهذا ما يزيد تكلفة الوشم في إيران مقارنة بالدول الأوروبية مثلاً.

فتكلفة الوشم صغير الحجم قد تصل في إيران إلى ما يقارب الـ 30 دولاراً أميركياً، بينما تصل التكلفة إلى 300 دولار للوشم الأكبر.

هذا الارتفاع في الأسعار، يفسره يغما قائلاً إن رسامى التاتو في إيران يعملون تحت ضغط المخاطرة وقلة الإمكانيات، فيعوضون ذلك في تكلفة الوشم.

ورغم كل تلك المخاطر والتهديد بالجلد أو السجن مازال رسامو الوشم في إيران يواصلون عملهم، فهل يدفعهم لذلك متعة المقاومة أم كثرة الأرباح.

أما الشباب من عشاق الوشوم، فيرونها حقاً من حقوقهم، وقد يكون الأمر أبسط من ذلك بكثير إنه هوس الشباب التقليدي في كل عصر ومكان بالتقاليع الجديدة، فمثلما تمرد شباب إيران يوماً على تغريب الشاه يتمردون اليوم بطريقة مختلفة.

أما يغما فيبدو ضميره مرتاحاً رغم مطاردة السلطة "أنا لست مجرماً، أنا فنان أقوم بالرسم على أجساد الناس، كما أرسم على الأوراق، ولا أجد في ذلك الأمر شيئاً محرماً أو مكروهاً وسأكمل رسمي للوشم إلى النهاية".