اختلفتا في كل شي واتفقتا على منح المرأة حقوقها.. إيران والسعودية تتصارعان في ساحات مختلفة ولكن تستجيبان للضغوط الدولية في هذا الملف

تم النشر: تم التحديث:
SAUDI WOMEN
Saudi women look at books during the International Jeddah Book Fair on December 16, 2017. / AFP PHOTO / Amer HILABI (Photo credit should read AMER HILABI/AFP/Getty Images) | AMER HILABI via Getty Images

يتبادل كلاهما الاتهامات بالتدخُّل في شؤون الدول الآخرى، والولع بالحرب، والنفاق الديني، بالإضافة إلى التشدد ورعاية الإرهاب، لكن الآن تتنافس إيران والمملكة العربية السعودية، العدوين اللدودين بالشرق الأوسط، في ساحةٍ جديدة مثيرة للدهشة: المساواة بين الجنسين. إذ يبدو أنَّهما تتنافسان على أيُّهما الأسراع في تعديل قوانينهما التي تقمع المرأة، وفق تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وأعلن قائد شرطة طهران هذا الأسبوع أنَّ ما يُدعَى بشرطة الآداب والأخلاق التي تجوب دورياتها العاصمة لن تحتجز بعد الآن النساء اللواتي لا يرتدين حجاباً مناسباً في الأماكن العامة تلقائياً وتعاقبهن، وهي جريمةٌ تُسمَّى عادةً بجريمة "الحجاب السيئ"، وبدلاً من ذلك ستُقدِّم لهن النصيحة والمشورة.

وفي المملكة العربية السعودية، إحدى أكثر البلدان تقييداً للمرأة، سمحت السلطات هذا الأسبوع للنساء المتنافسات في بطولة الشطرنج الدولية باللعب دون ارتداء العباءات. وهذا القرار هو الأحدث ضمن سلسلةٍ من القرارات التحرُّرية التي يتخذها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم السعودي الشاب، والتي تتضمَّن السماح للمرأة بقيادة السيارات.

تختلف المملكة العربية السعودية وإيران بطرق عديدة، مثل تبني كلٍ منهما لمذهبٍ إسلامي مختلف، والحروب في سوريا واليمن، بالإضافة إلى السياسة اللبنانية، والعلاقات مع الولايات المتحدة. وتتصادم كلٌ منهما بالأخرى في ما يتعلق بإنتاج النفط، والحج، وتعريف الإرهابيين. لكنَّ كلا البلدين يستجيبان للضغوط المحلية والدولية في ملف حقوق المرأة.

وحتى مع فرض قواعد صارمة للفصل بين الجنسين بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تمتَّعت المرأة الإيرانية تاريخياً بحرياتٍ أكبر من نظيرتها السعودية.

لكنّ هذا التمييز أصبح أقل وضوحاً في المملكة مع صعود ولي العهد السعودي، الذي تتضمَّن أجندته تخفيف التزمُّت الديني في الحياة اليومية.

وفي ظل حكم ولي العهد، سيُسمَح للمرأة السعودية قريباً بحضور مباريات كرة القدم في الملاعب العامة. وتقول الحكومة إنَّه بحلول يونيو/حزيران المُقبل لن يُسمَح لهن بقيادة السيارات فحسب، بل والشاحنات والدراجات النارية أيضاً.


هل أثّرت التغييرات في المملكة بنظيرتها في إيران ؟


وليس واضحاً ما إذا كانت التغيُّرات في المملكة قد أدَّت بصورةٍ مباشرة إلى التأثير غير المقصود في ما يتعلق بالتغيُّرات الحادثة في إيران. لكنَّ بعض المدافعين عن حقوق المرأة يرون علاقةً بين الأمرين.

فكتبت رويا حكاكيان، الشاعرة والصحفية الإيرانية الأميركية التي شاركت في تأسيس مركز التوثيق الإيراني لحقوق الإنسان في مدينة نيو هيفن بولاية كونيتيكت الأميركية، في عمود رأي نُشر يوم الأربعاء، 27 ديسمبر/ كانون الثاني، بصحيفة نيويورك تايمز، أنََّ النساء في إيران والمملكة العربية السعودية قد استفدن من "المنافسة بين النظامين للفوز بعباءة البديل الإسلامي المعتدل الحديث".

ونقلت عن مريم ميمارساديغي، التي تعيش الآن في الولايات المتحدة والمؤسس المشارك لموقع "تافانا"، وهو موقع تعليمي مدني عن إيران، قولها إنَّها لا تشعر بسعادة للنساء السعوديات فحسب، لكنَّها تشعر أيضاً "بسعادةٍ غامرة لأنَّ التفوق الأخلاقي المزعوم للنظام الإيراني قد فُضِح أمره، إذ أصبحت قوانين النظام الإيراني وإجراءاته ضد حقوق المرأة يُنظر إليها بوصفها رجعية حتى من قِبل البلد الذي لطالما اعُتبِر الأكثر رجعية في المنطقة".


الشباب الإيراني أكثرة قدرة على مقاومة القيود


والبعض الآخر لا يرى ارتباطاً بالضرورة بين الأمرين، ويعزو التغييرات في إيران إلى أسبابٍ أخرى. ويقولون إنَّ الشباب في إيران أثبتوا أنَّهم أكثر قدرة على مقاومة القيود المجتمعية التي تفرضها الحكومة مقارنةً بآبائهم. وربما يكون التنفيذ المتساهل للقانون الخاص بلباس المرأة في إيران سببه جزئياً عدم القدرة العملية على ملاحقة المخالفين للقانون وتغريمهم وسجنهم.

وقال نادر كريمي جوني، الصحفي الإيراني في طهران، إنَّ "اعتقال النساء والمحاكمات قد ثبت أنّها مضيعة للوقت"، وأضاف أنَّ القانون لم يتغير، لكن الآن " استُبدِلت الغرامات النقدية والجَلد في بعض الأحيان (بالدروس التعليمية) ".

وأشار آخرون إلى أنّ إيران لا تزال تُطالب النساء بارتداء الحجاب في الأماكن العامة. وقالت شهرزاد رضائي، وهي فنانة في طهران تبلغ من العمر 24 عاماً وقد اعتُقِلت في عام 2012 لعدم ارتداء الحجاب بشكلٍ صحيح، إنَّ سياسة التنفيذ الجديدة "لا تعني أنَّه يُمكنني الخروج إلى الشارع دون حجاب".

وفي المملكة، يُنظَر إلى منح حق قيادة المرأة للسيارات باعتباره نقلة نوعية هناك، بينما هو حقٌ قديم العهد للنساء في إيران وفي أماكن أخرى من الشرق الأوسط وبقية العالم. كما أنّ مسألة ما يُسمَح للمرأة بارتدائه خارج المنزل، والذي لا يزال مسألة إشكالية في المملكة، هو أمرٌ بالكاد يُثَار في كثيرٍ من البلدان.

وقالت سعاد أبو دية، وهي فلسطينية تعمل مستشارة لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "المساواة الآن"، وهي منظمة عالمية تدعم حقوق المرأة، "يؤسفني القول إنَّنا في عام 2017 وما زلنا نتحدث عن ما يُسمَح بارتدائه من ملابس. نأمل أن يستمر ما يجري في السعودية".


كل منهما يراقب الآخر


وفيما كانت حذرة من الخروج باستنتاجٍ مفاده أنَّ التغييرات في إيران مرتبطة بالتساهل السعودي مؤخراً، قالت إنَّه من الواضح أنَّ كلاً منهما يراقب الآخر.

وتابعت سعاد: "أي تقدم في أي دولة سيؤثر حقاً على الوضع في الدول المجاورة. وربما يكون لما حدث تأثيرٌ غير مباشر على إيران كي تُعزِّز حقوق المرأة، لأنَّها لا ترغب في أن يُنظَر إليها بوصفها حكومةً تقمع حقوق المرأة، خاصةً أمام المجتمع الدولي".

وقالت منى أبو سليمان، إحدى أوائل النساء اللواتي قدمن برامج تلفزيونية في المملكة، إنَّها تنظر إلى الاجراءات المتساهلة فيما يخص المرأة في البلاد باعتبارها جزءاً من رغبةٍ أوسع لدى السعوديين في تبنّي حياةٍ أكثر حداثة. وقالت إنَّ المرأة السعودية لا تُقارِن نفسها بالمرأة الإيرانية.

وعلى العكس من ذلك، قالت أبو سليمان إنَّ النساء السعوديات في بعض أنحاء البلاد يخرجن دون أغطية الرأس أو يرتدينها بشكلٍ فضفاض دون خوفٍ من العقاب أو التعنيف.

ولا يبدو واضحًا تماماً ما إذا كان القرار السعودي القاضي بالسماح للنساء بحضور مباريات كرة القدم سيؤدي إلى انتهاج إيران الشيء نفسه. لكن بعد فترةٍ وجيزة من إعلان إجراءات متساهلة بالمملكة في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، قالت إيران إنَّها ستسمح لرافِعات الأثقال بالتنافس في المسابقات الدولية بالخارج للمرة الأولى.

وقالت فريدة فارهي، وهي باحثة إيرانية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة هاواي الأميركية، إنَّها لا تتوقع بروز قضية حضور النساء للمباريات في إيران مرةً أخرى على السطح حتى تستضيف البلاد مباراة كرة قدم كبرى. وقد تعرَّضت بعض النساء الإيرانيات لخطر الاعتقال والسجن بسبب تحديهن حظر حضور مثل هذه الأحداث.

وقالت فريدة في رسالةٍ بالبريد الإلكتروني: "إنَّ الدفع شعبياً من أجل تمكُّن المرأة من حضور مثل هذه الأحداث مطلبٌ طويل الأمد لطالما عارضته السلطات الدينية منذ زمنٍ بعيد".

وأضافت أنَّه من غير المُرجَّح حل هذه القضية عن طريق "المنافسة المُفترَضة مع المملكة العربية السعودية. فأسلوب الجمهورية الإسلامية أقرب إلى اتباع تعديلاتٍ تدريجية بطيئة للقضايا الاجتماعية والثقافية الخلافية".