حُرِم من عائلته الأميركية والبطاقة الخضراء لسبب بسيط.. قصة مصري منسيّ في ملاذ للاجئين بالبحر المتوسط

تم النشر: تم التحديث:
45
4

يحمل ياسر عبدو حياته كلها على ظهره أينما حل؛ جزء منها يحزمه داخل حقيبة ظهر صغيرة مليئة بالسجلات الإجرامية وطلبات اللجوء وقرارات الفصل والطرد؛ أما بقية حياته فيحملها موشومة على جلده: أسماء أطفاله وأدعيته المفضلة ورموز بهتت ألوانها لعصابة في ديترويت.

من بين آلاف الأشخاص العالقين أمام باب اللجوء المسدود على شواطئ المتوسط، لعل عبدو هو من مجموعة أصحاب الحظ العاثر الأكبر، وفق ما ذكرته صحيفة الغارديان البريطانية.

فقبل 4 سنوات، كان لدى عبدو زوجة أميركية وعائلة وبطاقة خضراء (غرين كارد)، ويعترف عبدو بأنه رغم كثرة خروقاته للقانون وانغماسه في عالم الجريمة والأخطار، فإنه لم يتوقع قط أن تقوده الأقدار إلى هنا، شريداً في صقلية.

يقول: "كنت أشاهد المهاجرين يعبرون البحر ليصلوا أوروبا على التلفزيون فقط، أما الآن فأنا واحد منهم، وهو ليس أمراً لطيفاً ألبتة".

ليس لدى عبدو وظيفة ولا مأوى، فهو ينام في الطابق الثالث من مبنى مهجور، يبعد بضع خطوات عن الميناء. فراشه فراش تخييم مفروش في غرفة واسعة لا ماء فيها ولا تدفئة، يسميها "فندقه". يبدأ نهاره في محطة القطار التي يستحم فيها بالمياه التي تخرج من أنابيب السكة الحديدية، ثم يشرب القهوة ويدخن.

يسحب من حقيبة ظهره شهادة ميلاد ويتفحصها بعينين ذابلتين كمن مرّ وقاسى الكثير في حياته، ثم يقول: "ها هي., سأخبركم قصتي؛ لكي يعلم العالم معنى أن تكون ديترويت كلها في راحة كفك ثم أن تخسرها".

وُلد عبدو عام 1983 في وادي حلفا على شاطئ بحيرة ناصر شمال السودان، ثم بعدها ببضع سنوات انتقلت العائلة إلى الإسكندرية وغدا مواطناً مصرياً.

يقول: "عشت ذكريات جميلة في مصر، لكن لم تكن هناك من فرص متاحة لنا؛ لذا عام 2005 قررنا الانتقال إلى أميركا، إلى كارولينا الشمالية".

4

قضى عبدو شهوره الأولى بأميركا في بلدة ساليزبيري بفيزا زيارة، ثم التقى سيدة أميركية من أصل إفريقي تدعى كينييل، كانت تعمل موظفة في دار رعاية. تزوجا عام 2007، ثم بعدها بعامين انتقلا إلى ديترويت.

يقول: "وجدنا لنا بيتاً في حي the 8 Mile، لكنني لم أكن أعمل وكنت بحاجة للمال، وكذلك كانت كينييل تنتظر مولوداً".

الحياة في حي the 8 Mile بديترويت ليست سهلة؛ بل صعبة تكتنفها المشقات. يستمد الحي اسمه من الطريق السريع الذي يقسم المنطقة بين حي بيض البشرة وحي السود، كما أنه الشارع الذي تعتمده العصابات لتقسيم المدينة إلى مناطق لتوزيع مخدراتها وتجارتها. يقول عبدو: "أحبَّ أفراد العصابات أني وُلدت في إفريقيا، فبدأت ببيع المخدرات لصالحهم. لم أكن أحب ذلك، لكننا على الأقل كسبنا قوتنا ورزقنا فترة ما".

ثم ذات ليلة من الليالي، حدثت حادثة على حاجز أمني للشرطة يبعد رصيفين عن بيته، فكانت تلك الحادثة بداية النهاية لحياته في الولايات المتحدة.

يقول عبدو: "استوقفني شرطيان وطلبا رؤية هويتي الشخصية، وقالا إن لدي مشكلة في الفيزا الخاصة بي وأخذاني معهما".

لم تكن المخدرات هي التي تسببت في ترحيل عبدو إلى إفريقيا؛ بل كانت مسألة بيروقراطية: فهو لم يكن قد وثق أمام المحاكم انتقاله رسمياً من كارولينا الشمالية إلى ولاية ميشيغن؛ وهكذا في يونيو/حزيران 2013 تم ترحيله إلى مصر، وقيل له إنه لن يُسمح له بالعودة مدة 5 سنوات.

لم تكن مصر وقتها بلداً آمناً، فأراد عبدو أن يجد له طريقاً ليعود إلى عائلته في ديترويت، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2013 عبَر البحر في مركب إلى صقلية، ومن هناك أُرسل إلى "مينيو"، أكبر مراكز استقبال المهاجرين في أوروبا، وهناك بدأ يتكسب بعض المال من غسل السيارات التي يستخدمها المهربون لمرافقة السوريين إلى شمال أوروبا.

ثم ذات يوم من ديسمبر/كانون الأول 2014، صعد هو الآخر سيارة وذهب بها إلى ألمانيا، التي بدأ يدمن فيها المخدرات والكحول، كذلك بدأ بسرقة أجهزة الهواتف الجوالة وإعادة بيعها.

يقول: "في يوم من الأيام، وجدت نفسي سكران في ملهى، وسمعت ألمانيّاً يتفوه بالسوء عن المهاجرين، قائلاً إنه لا مكان لنا في أوروبا، فلكمته في وجهه وسرت مبتعداً، ثم وجدت الشرطة تبحث عني، وهكذا حزمت كل أشيائي في حقيبة وعدت أدراجي إلى صقلية".

عاد عبدو إلى "مينيو"، لكنه اعتُقل بموجب مذكرة اعتقال دولية وحُبس بسجن في بريمن الألمانية؛ لارتكابه اعتداءً مشدداً. ما إن انتهى من محكوميته حتى أرسلته الحكومة الألمانية إلى "كاتانيا" بموجب إجراءات اللجوء الأوروبية المتعارف على تسميتها اتفاقية دبلن، وهناك في "كاتانيا" انتهى به المطاف متشرداً بلا مأوى. سجله الإجرامي بصمة لا تمحى من تاريخه كأنه أحد الوشوم الكثيرة التي تغطي جلده، وهكذا استمرت مراكز الاستقبال في رفض طلباته المتكررة للإيواء.

تؤكد منظمة أوكسفام صحة تاريخه الحافل بالمشاكل، فقد قدمت المنظمة الدولية له الدعم القانوني. تقول نانسي داريغو، المسؤولة عن مشروع "أوروبا المفتوحة" الذي تديره "أوكسفام" في صقلية: "للأسف، لم تساعده سجلاته الإجرامية في معركته للحصول على إذن بالبقاء، فطلباته كانت دوماً ما تتباطأ بسبب رغبة السلطات في معرفة المزيد عن تهمه السابقة، وهذه الحال ساقته رويداً رويداً إلى الشارع".

يقول عبدو إنه ما عاد يشرب أو يدمن المخدرات. يفرد سجادة على أرض غرفة "فندقه" ويجيل النظر في الأرجاء بحثاً عن القِبلة شرقاً، ثم يبدأ صلاته.

يختم عبدو بهذه الكلمات: "الله أعطاني أميركا، وأميركا أعطتني فرصة. فما كان مني أنا إلا أن أخذت تلك الفرصة ورميت بها في المرحاض".