هل الجيش والشرطة خطٌّ أحمر؟ تونسيون يخشون هزيمة ديمقراطيتهم الوليدة بقانون أمني

تم النشر: تم التحديث:
TUNISIA BOURGUIBA STREET
Anadolu Agency via Getty Images

حين خرج مئات آلاف التونسيين إلى الشوارع لإجبار الدكتاتور زين العابدين بن علي، على ترك السلطة، كانت لينا بن مهني في الصفوف الأمامية للاحتجاجات، التي مثَّلت إلهاماً لموجة من الانتفاضات الشعبية عبر العالم العربي، حسب تقرير لصحيفة The Financial Times البريطانية.

الآن، تُوجَد المُدوِّنة، صاحبة الـ34 عاماً، في الصفوف الأمامية لمعركةٍ جديدة، تقول هي ونشطاء آخرون إنَّها حاسِمة لحماية الديمقراطية الوليدة التي ظهرت في البلد الواقع بشمال إفريقيا بعد ثورة 2011.

ولينا عضوٌ في حملة تُدعى "حاسبهم"، التي تقاتل من أجل منع الحكومة من إقرار قانونٍ للأجهزة الأمنية، يجادل المجتمع المدني بأنَّ من شأنه منح حصانة للشرطة والجيش. ومن شأنه كذلك تمكين الدولة من سجن أي شخص تعتبره "يُشوِّه صورة" الأجهزة الأمنية، وهي تهمة واسعة يخشى النشطاء أن تُستخدَم ضد مُنتقدي انتهاكات الشرطة.


القانون يُمثِّل هزيمة للثورة


تقول لينا: "من شأن قانونٍ كهذا أن يُمثِّل هزيمة للثورة. فحرية التعبير أحد الأشياء القلائل التي خرجنا بها من الثورة، وبهذا القانون ستنتهي وسنعود إلى الممارسات القديمة".

وتُعَد مسودة القانون، التي قدَّمتها الحكومة للبرلمان الشهر الماضي (نوفمبر/تشرين الثاني)، وفق The Financial Times، حسَّاسة بشكلٍ خاص للتونسيين، الذين عاشوا في ظل الدولة البوليسية إبَّان حكم بن علي. ويقول البعض، مثل لينا، إنَّهم تعرَّضوا لوحشية الشرطة منذ الإطاحة بالحاكم المستبد، فقبل 3 سنوات ضربها أفراد شرطة بقوة في أثناء عُطلة كانت تقضيها بأحد المنتجعات السياحية المحلية. وتقول لينا إنَّ ذلك كان عقاباً لها على انتقادها الانتهاكات التي تقوم بها أجهزة الأمن.

تبرز تونس في منطقةٍ مُصابة بآفة الصراعات والديكتاتوريات، باعتبارها المثال الوحيد على تحوُّلٍ ديمقراطي ناجح بالبلدان العربية التي شهدت الانتفاضات الشعبية في عام 2011.

وتجنَّب البلد الانحدار إلى العنف، بعدما توصّل ساسة تونس، الإسلاميون والعلمانيون، إلى تسويةٍ في عام 2014، الأمر الذي سمح بإجراء انتخاباتٍ برلمانية ورئاسية. ويجري تقاسم السلطة ضمن تحالفٍ حكومي بين حزب نداء" تونس" الحزب العلماني الرئيسي، وحركة النهضة، وهي حركة إسلامية تعرَّضت للحظر والاضطهاد قبل الثورة.

لكنَّ النشطاء يشكون من أنَّ البيئة السياسية الراكدة تعني غياب الإصلاحات الجريئة. ويضيفون أنَّه على الرغم من الانتهاكات التي عاناها أعضاء "النهضة" قبل الثورة، ظلَّت أولوية الحركة هي الحفاظ على توافقها مع "نداء تونس"، الحزب الذي اعتمد على دعم رموز النظام القديم.


تِذكرة بهشاشة التجربة الديمقراطية


ويقول مُحلِّلون إنَّ مشروع قانون الأجهزة الأمنية المُقترَح مثَّل تِذكرةً بهشاشة التجربة الديمقراطية في البلاد.

يقول يوسف الشريف، وهو مُحلِّلٌ سياسي بجامعة كولومبيا الأميركية مُقيم في تونس: "يُشيطَن نشطاء حقوق الإنسان يومياً على شاشة التلفاز والراديو. وهناك الخطاب نفسه الذي يستهدف كل مَن يتحدَّث عن الحاجة لمزيدٍ من الديمقراطية، واحتواء مختلف القوى، أو حقوق الإنسان، وهناك عودة للأشخاص الذين اعتادوا أن يعملوا لدى الديكتاتورية باسم الكفاءة".

كانت محاولة سابقة من الحكومة لتقديم مشروع قانون للأجهزة الأمنية إلى البرلمان في عام 2015، قد سقطت في وجه الغضب الشعبي. لكن الشهر الماضي، وبعد طعن إسلاميّ مُتطرِّف لرجل شرطة حتى الموت، استأنفت النقابات الشرطية الضغط من أجل القانون وأُعيد من جديد للبرلمان. وطالب الرئيس الباجي قايد السبسي بسرعة تبنِّي القانون، في أثناء زيارةٍ له إلى أرملة الشرطي.

وقد سحبت الحكومة مشروع القانون لإدخال تعديلاتٍ عليه، بعد رد فعلٍ غاضب من منظمات المجتمع المدني. وقال لطفي براهم، وزير الداخلية، إنَّ القانون ضروري لحماية الأجهزة الأمنية في الوقت الذي تحارب فيه المتطرِّفين، لكنَّه أضاف أنَّه سيُعدَّل لتلبية المعايير الدولية.

لكنَّ النشطاء لا يزالون قلقين من أنَّه سيعود بتدابير تُقوِّض الحريات.

وعلاوة على ذلك، لم يكن ذلك هو أول تشريع خلافي تصيغه الحكومة. فبعد عامين من المعارضة العامة، أصدر البرلمان هذا العام قانوناً يسمح للدولة بالعفو عن المسؤولين الفاسدين من نظام بن علي. وشعر النشطاء بالقلق أيضاً من تعييناتٍ تمت مؤخراً لوزراء عملوا إبَّان حكم بن علي، وهو الأمر الذي اعتبروه إشارة مُثيرة للقلق تُنبئ بعودة مؤسسة ما قبل الثورة.


المرحلة الانتقالية لا تراوح مكانها


فقال ناجي البغوري، رئيس نقابة الصحفيين التونسيين: "أنا متشائم، وأعتقد أنَّ المرحلة الانتقالية لا تراوح مكانها. فلا يكفي أن تُجرى انتخابات حتى نقول إنَّنا دولة ديمقراطية. لدينا أجهزة أمنية كانت تُجسِّد الديكتاتورية ولم تخضع للإصلاح. هل ينبغي أن نمنحهم الآن قانوناً يضعهم في وضعية حصانة تامة؟".

يقول النشطاء إنَّه لم تجرِ محاولات لإصلاح الشرطة منذ رحيل بن علي. وانتقدت منظمة العفو الدولية هذا العام، السلطات التونسية؛ بسبب حالات تعذيب واحتجاز قسري بموجب حالة الطوارئ التي فُرِضَت رداً على هجماتٍ شنَّها تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في 2015.

ومع ذلك، لم تفقد لينا بن مهني، التي لا تثق كثيراً بالسياسيين، كل أملها بعد. فقالت: "إنَّنا في وسط عملية ثورية، بها نجاحات وإخفاقات. وأنا متفائلة طالما ظلَّ لدينا مجتمعٌ مدني".