صحفي بالنهار ومدرب بالليل.. قصة الألماني الذي يجمع لاجئين من مختلف دول العالم في برلين من أجل كرة القدم وتعلم اللغة

تم النشر: تم التحديث:
A
social media

كانت الساعة السادسة مساء في وسط برلين، الشمس قد غابت قبل ساعتين، درجة الحرارة قاربت الصفر، والأمطار المتساقطة بدأت تتحول حبات ثلج على أرض ملعب كرة قدم أخضر مضاء، الذي بدأ يتجمع عليه فريق يرتدي ثياباً رياضية بأكمام طويلة، وتحتها سراويل.

وبهتاف واحد من المدرب الألماني قنسطنطين، انطلق شبان من سوريا وأفغانستان باللعب.

طوال ساعة ونصف الساعة ظلوا يطاردون الكرة تحت المطر والثلج والرياح الباردة. أحياناً تسمع أعضاء الفريق السوري يتحدثون فيما بينهم بالعربية. ولكن معظم الكلام كان بالألمانية.

هذا المشهد يتكرر كل يوم أربعاء في السادسة مساء، حيث يجتمع هذا الفريق للعب كرة القدم، بغضِّ النظر عن برودة الطقس، دائماً اللاعبون حاضرون وجاهزون لمطاردة الكرة.

قبل 3 سنوات بدأ قنسطنطين المدرب بجمع لاجئين من منطقته للعب كرة القدم مساء في أوقات فراغه.

فهو يعمل صحفياً رياضياً في النهار، وفي المساء يلعب الكرة.

يقول لـ"هاف بوست عربي"، إن الفكرة جاءته عندما زار مرة أحد مراكز اللجوء للمساعدة في أعمال تطوعية، وشاهد الشبان جالسين والملل يحيطهم. فهم لا يمكنهم العمل بسبب أوراقهم، ويملأون وقتهم بتعلم اللغة والانتظار.

ويضيف "سألت مرة من يحب أن يلعب كرة القدم، وتحمّس كثيرون، ومنذ ذلك الحين بدأت أنظم للعب مرة في الأسبوع".

عندما بدأ الفريق كان يضم 20 لاعباً، ينقص العدد أحياناً وأخرى يزيد. ودائماً هناك لاعبون جدد. يقول المدرب وهو يتحدث عن مبادرته: "ونحن نلعب نتحدث الألمانية، لأن اللاعبين من جنسيات مختلفة، ولا يتحدثون كلهم اللغة نفسها. وهكذا يكونون قد تمرنوا على اللغة أيضاً وهم يقضون وقتاً ممتعاً".



s

وأحياناً ينظم قنسطنطين جلسات تجمع اللاعبين خارج الملعب، ويدعو بعض أصدقائه، ويضيف: "هكذا يتدربون أكثر على اللغة، ويتحدثون مع ألمان للتعرف على المجتمع الذي يعيشون فيه بصورة أفضل".

هذا الأسبوع استقبل قنسطنطين لاعبين جدداً؛ أعضاء الفريق السوري، وهو يعرفنا عليهم يقول مبتسماً وهو يشير إلى كل واحد بدوره: محمد ومحمد ومحمد… ثم يرفع يديه قائلاً وهو يضحك: "كلهم محمد". يضحكون جميعهم ويتبادلون بعض الكلام بالألمانية.

هؤلاء الشبان الأربعة، ثلاثة منهم محمد، وواحد محمود، لا يتشاركون فقط الأسماء. جميعهم غادروا سوريا للسبب نفسه؛ هرباً من الخدمة العسكرية، أعمارهم متقاربة، تتراوح بين الـ21 والـ24.

وجميعهم قادمون من مكان واحد: مخيم خان الشيح (للاجئين الفلسطينيين) في ريف دمشق.

وفوق كل ذلك كان هؤلاء السوريون الفلسطينيون، يلعبون كرة القدم في فريق واحد في سوريا، كانوا يسمونه "فريق رام الله". جلبوا معهم قمصان الفريق الحمراء يرتدونها هنا في التدريب.

قبل أيام أخبرهم أحد معارفهم بهذا المكان، وبوجود مدرب يجمع لاجئين ويلعب الكرة معهم. كان الخبر أفضل ما سمعوه منذ وصولهم ألمانيا عام 2015.

وصلوا البلاد تباعاً قادمين من تركيا براً، عبر الطرق التي سلكها الآلاف غيرهم. يقضون وقتهم بتعلم اللغة، وباتوا يتحدثون بشكل جيد، ربما يكملون دراستهم الجامعية لاحقاً. ففي سوريا كانوا يدرسون التربية والكيمياء.

عندما أسألهم إذا كانوا "فرحين" في ألمانيا، يجيبون وكأنهم في جوقة: "فقط عندما نلعب الكرة".

يضحكون، ثم يتحدث محمد الأول قائلاً: "الكرة إدمان وهي الحياة بالنسبة لنا". ويكمل محمد الثاني: "في سوريا كنا نلعب الكرة يومياً، الآن مرة في الأسبوع، نحب أن نلعب أكثر بالطبع، ولكن هكذا أفضل من ألا نلعب". ويتدخل محمد الثالث ليقول: "الجميل بالأمر أننا ما زلنا الفريق نفسه، جمعنا أنفسنا من جديد، أو عدداً كبيراً منا، وعدنا لنلعب".



s

ينتهي يوم التدريب بتعليمات من قنسطنطين، وتبادل أطراف الحديث مع اللاعبين الآخرين.

يغادر الشبان، اثنان منهم إلى شقة يستأجرانها، واثنان إلى نزل يقيمان فيه، وهم يتحرقون شوقاً للعودة إلى الملعب بعد أسبوع.


مرحباً بكم في كرة القدم


وهذه ليست المبادرة الوحيدة في ألمانيا في كرة القدم، حيث يُمنَح الطلاب من مجتمعات اللاجئين، ممن يذهبون إلى مدارس محلية، مكافآت بالحصول على مكانٍ في الدورة التدريبية لمدة عامٍ، نظير سلوكهم الجيد.

ويساعد منظمو المشروع أيضاً في إيجاد فرص عمل، وأماكن للدراسة بالجامعات.

فبالقرب من المدرجات الشاهقة لملعب فيستفالين ستاديون، الخاص بنادي بوروسيا دورتموند الألماني لكرة القدم، يشارك 16 لاجئاً من جميع أنحاء العالم في مباراة كرة قدم حماسية.

وهي جزء من مبادرة "مرحباً بكم في كرة القدم" التي تأسَّسَت بقرارٍ من جامعة أندية كرة القدم الألمانية المحترفة (DFL)، في سبتمبر/أيلول 2015، ونتج عنها تنفيذ 24 نادياً محترفاً في البلاد لبرامج مماثلة.

وتهدف هذه المشروعات إلى مساعدة الأطفال اللاجئين في اتخاذ خطوات للانضمام إلى نادٍ محلي.

وتُجرى نحو 65 حصة تدريبية، يشارك فيها نحو 800 لاجئٍ، تتراوح أعمارهم بين الرابعة والثلاثين عاماً في ألمانيا، أسبوعياً، بينما استمر نحو 600 لاجئ في اللعب بالدوريات المحلية للهواة.

وبعد أن أطلق المدرب صافرة الانتهاء من المباراة لهذا الأسبوع، يظهر كل لاعب بقميص دورتموند التدريبي الأصفر، يستعدون للعودة إلى منازلهم، ولكن ليس قبل الكلمة الختامية التي يلقيها مدربهم ومرشدهم حسن المولى، الذي انتقلت أسرته إلى ألمانيا من لبنان، هرباً من أهوال الحرب الأهلية في الثمانينيات.

وقال حسن متحمساً: "من المهم للغاية أن تتعلَّم الاحترام واللعب النظيف؛ لأنه أمر ضروري إذا أردت البقاء في ألمانيا. يمكنك ارتكاب خطأ ما في المجتمع، ولكن يجب عليك أن تُقدِّم مثالاً جيداً وتحاول الاندماج. تُعد القواعد في الملعب بمثابة قواعد مهمة في الحياة".