أولوياتهم تغيّرت.. نيويورك تايمز: صرخات المؤازرة للقدس فقدت تأثيرها في العرب ولن يصدر عنهم سوى الاحتجاج

تم النشر: تم التحديث:
JERUSALEM
Brasil2 via Getty Images

على مدار عقود، كانت فكرة قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس بمثابة صرخة احتشادٍ نادرة قوية تُوحِّد العالم العربي.

إذ كان ملوكٌ وحكامٌ ديكتاتوريون يلقون الخطابات عنها، وكان القساوسة والأئمة يدعون ربهم لأجلها، وتوفي جهاديون ومتظاهرون في سبيلها، ونظَّمت جماعاتٌ مُسلَّحة وأحزاب سياسية حملاتٍ لدعمها، بالإضافة إلى تسمية بعض قنواتهم التلفزيونية وشوارعهم وحتى أنفسهم باسم القدس، وفق ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

لكنَّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اعترف رسمياً بالقدس عاصمةً لإسرائيل الأربعاء 6 ديسمبر/كانون الأول، ليدق ما اعتبره الكثيرون المسمار الأخير في نعش هذه التطلعات، ويمنح إسرائيل انتصاراً كبيراً في الصراع الأبدي بين اليهود والعرب للسيطرة على الأرض المُقدَّسة.

لكن في الوقت الذي صرخ فيه قادةٌ عرب ومسلمون لإدانة هذه الخطوة، تساءل الكثيرون في جميع أنحاء الشرق الأوسط عن مدى تغيُّر الكثير من الأوضاع في السنوات الأخيرة لتصبح استجابة العرب الحقيقية أكثر من مجرد تذمُّر.

إذ كتب مصطفى حموي، المدوِّن اللبناني، تغريدةً كئيبة، قال فيها: "انضمت عبارة (القدس عاصمة فلسطين) إلى عبارة (سيعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم يوماً ما)، في قسم الآمال التي لن تتحقق أبداً".


التشدُّق بالقضية الفلسطينية


بينما واصل القادة العرب، على مر السنوات، التشدُّق بالقضية الفلسطينية، تراجعت أهميتها، وحلت محلَّها انتفاضات الربيع العربي، والحروب في العراق وسوريا واليمن، وتهديد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، والتنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران على الهيمنة الإقليمية. حتى إنَّ بعض دول الخليج العربي مثل السعودية -التي تهتم اهتماماً أكبر بتنافسها مع إيران- وجدت مصالحها تتداخل تداخلاً متزايداً مع مصالح إسرائيل.

وكثيراً ما اعتمد القادة العرب على تصريحات دعم القضية الفلسطينية كوسيلةٍ موثوقة لاجتذاب وُد شعوبهم، أو إلهائهم عن المشكلات الداخلية في بعض الأحيان، وضمن ذلك نقص الحريات السياسية والفرص الاقتصادية.

لكن بينما كان الاهتمام بالقضية الفلسطينية بين العديد من العرب صادقاً، استغله أولئك الموجودون في السُلطة لتحقيق أهدافهم الخاصة في أغلب الأحيان.

فحين أرسل حزب الله -الجماعة المُسلَّحة والحزب السياسي الذي شُكِّل لمحاربة إسرائيل- مقاتلين للمساعدة في إنقاذ الرئيس السوري بشار الأسد، قال زعيمه حسن نصر الله في خطابٍ، إنَّ "الطريق إلى القدس" يمر عبر عدة مدن سورية، من بينها حلب.

ونشر بعض منتقدي نصر الله خرائط على الشبكات الاجتماعية لتوضيح خطأ هذه الجملة، إلَّا إذا كان نصر الله يريد اتخاذ طريقاً ملتوياً معيناً.

أدرك القادة الفلسطينيون أنَّ تصريحات الدعم المادي من أشقائهم العرب لا تتحقق سوى في بعض الأحيان. ويرى الكثيرون أنَّ العالم العربي لم يفعل شيئاً أكثر من إصدار مذكرات احتجاج، بينما ظلت الحكومة الإسرائيلية توسِّع سيطرتها الفعلية على الجزء الشرقي من القدس منذ استيلائها عليها من الأردن في حرب الشرق الأوسط التي وقعت عام 1967، وضمته إليها، في خطوةٍ لا تزال معظم دول العالم لا تعترف بها.

وفي الوقت نفسه، تغيَّرت أولويات الدول العربية التي كانت تدافع عن فلسطين.

فمصر، على سبيل المثال، كانت جبهةً موثوقة للغضب المؤيد للفلسطينيين؛ إذ كانت تشهد اندلاع احتجاجاتٍ متكررة ضد إسرائيل في التسعينيات من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي، لكنَّ الاحتجاجات العامة قُوِّضَت بسبب سنواتٍ من القمع الوحشي في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فضلاً عن زيادة القلق بشأن الاستقرار الإقليمي، بحسب ما تقوله الصحيفة.


الشارع العربي الذي كان يُضرَب به المَثَلُ أُخفِيَ قسراً


وقال حسام بهجت، الصحفي المصري البارز: "لا يزال الناس مهتمين بالقضية الفلسطينية. لكنَّ الشارع العربي الذي كان يُضرَب به المَثَلُ أُخفِيَ قسراً"، مشيراً إلى سلسلةٍ من عمليات الاختطاف غير القانونية التي تعرَّض لها بعض منتقدي الحكومة منذ أن جلب الجيشُ السيسي إلى السُلطة عام 2013.

ومع تراجع مدن دمشق والقاهرة وبغداد التي كانت ثلاثة مراكز تقليدية للقوة العربية، سعت المملكة العربية السعودية إلى إثبات نفسها.

وبينما كان ملوك المملكة وأفراد العائلة المالكة يتحدثون كثيراً عن القضية الفلسطينية، لم يتناولها ولي العهد، محمد بن سلمان، البالغ من العمر 32 عاماً وحاكم البلاد الفعلي، علناً؛ بل كشف لبعض الزوار الأجانب في العام الجاري (2017)، أنَّه لا يعتبر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أولوية بالمقارنة بمواجهة إيران ومواصلة الإصلاحات المحلية.

يُعَد السيسي والملك السعودي سلمان من أشد مؤيدي ترامب في العالم العربي؛ إذ شهدت القمة التي عُقِدَت بالعاصمة السعودية الرياض في شهر مايو/أيار، وقوف القادة الثلاثة متجاورين خلف مُجسَّمٍ لامعٍ للكرة الأرضية؛ لالتقاط صورةٍ بدا أنَّها تؤكد تحالفهم، حتى إنَّها ألهمت موجةً من السخرية على الإنترنت.

وفي شهر سبتمبر/أيلول، اجتمع السيسي ​​مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، علانيةً للمرة الأولى، وأضفيا مظهراً باسماً على علاقةٍ كانت تزدهر بهدوء على مدار عدة سنوات، ويرجع ذلك بنسبةٍ كبيرة إلى التعاون في القضايا الأمنية. وهناك اعتقاداتٌ واسعة بأنَّ المملكة العربية السعودية توسِّع تعاونها الاستخباراتي السري مع إسرائيل.

لكنَّ قرار ترامب بشأن القدس وضع حليفيه في موقفٍ مُحرِج؛ بسبب الاضطرار إلى انتقاده، ولو شفهياً.

إذ وصف الملك سلمان الخطوة الأميركية بأنها "خطوةٌ خطيرة تستفز مشاعر المسلمين كافةً حول العالم".

وذكر مكتب السيسي أنَّه تحدث مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأنَّ كلا الرجلين أعرب عن أسفهما لصدور قرارٍ "يتجاهل وضع القدس الخاص بالنسبة للعرب والمسلمين". ونشر موقع "الأهرام" الإلكتروني تقريراً مُصوَّراً تحت عنوان: "القدس عاصمة الدولة الفلسطينية رغم قرار ترامب".

وقال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إنَّ هذا القرار ستكون له "تداعياتٌ خطرة على استقرار المنطقة وأمنها".

وعلى صعيد الدول خارج المنطقة العربية، وصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، القدس بأنَّها "خطٌ أحمر للمسلمين"، وهدَّد بقطع العلاقات مع إسرائيل.

بينما قال الرئيس الإيراني حسن روحاني: "هذه هي المغامرة الجديدة للغطرسة العالمية في المنطقة".

وكان لا يزال من الممكن أن يُسفر إعلان ترامب عن اتخاذ خطواتٍ تصعيدية بشأن القضية الفلسطينية، لكنَّ يوم الأربعاء شهد عواطفَ مُحمَّلةً بقدرٍ من الحزن والاستسلام أكبر من الغضب والتهديدات. ولا يزال احتمال انفجار موجةٍ عنيفة قائماً، ولكن حتى الآن، ليس هناك أكثر من مجرِّد موجةٍ من تنهُّدات الحسرة.

ونشر نهاد المشنوق، وزير الداخلية اللبناني، مقطعاً من أغنية "زهرة المدائن" للمغنية اللبنانية فيروز يقول: "البيت لنا، والقدس لنا، وبأيدينا سنُعيد بهاء القدس"، وصحيحٌ أنَّ الكلمات تحمل بين طياتها عزماً وإصراراً، لكنَّ الموسيقى مُحمَّلةٌ بحزنٍ وحنينٍ إلى الماضي.

بطريقةٍ ما، تُعد هذه الخطوة رمزيةً، ولا تؤكد سوى المشهد القاتم للمستقبل الفلسطيني. فلطالما رأت شعوب المنطقة الولايات المتحدة متحيزةً بشدة تجاه إسرائيل، وأنَّ آمال إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة فيها تتلاشى.

لكنَّ الإعلان الأمبركي يُلقي بظلالٍ من الشك على أهم أملٍ فلسطيني كان يُنظَر إليه على أنَّه لا يزال قابلاً للتحقيق: ألا وهو عاصمةٌ في القدس الشرقية؛ إذ قال مُحللون إنَّ العرب سيرون إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل دون الاعتراف بأهميتها لهم بمثابة إنكارٍ لحق المسلمين والعرب فيها.

وقال بارنيت روبين المستشار البارز في وزارة الخارجية الأميركية سابقاً: "بالنسبة للفلسطينيين والعرب المسلمين، سيُشعِرُهم هذا القرار بالأثر نفسه الذي كان سيشعر به اليهود إذا أُنكِر حقهم في القدس".

وأضاف أنَّه فضلاً عن ذلك، "تؤكد هذه الخطوة الرواية القائلة بأنَّ الولايات المتحدة في حربٍ على الإسلام، ولا تحترم آراء العرب والمسلمين".

ومن المُرجَّح أن يؤدي هذا التصور إلى الإضرار بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة.

وقال وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي: "سيؤدي ذلك إلى أضرارٍ بالغةٍ بصورة أميركا ومصالحها في المنطقة". وأضاف أنَّ ترامب بذلك "يخدم المتطرفين ويمنحهم والإرهابيين ذخيرةً دون عناءٍ منهم".


تسليم الحجة لإيران



ومن شأن هذه الخطوة كذلك أن تُقوِّيَ إيران، وتُعيد إليها عباءة المقاومة التي فقدتها حين ساندت النظام السوري ضد المعارضة السورية. وجديرٌ بالذكر أنَّ وحدة النُخبة في الحرس الثوري الإيراني، الخاضعة لقيادة قاسم سليماني، تُسمَّى "فيلق القدس"؛ تيمُّناً باسم مدينة القدس.

وقال روبين: "لقد أعطيناه للتو حُجَّةً لقيادة القضية".

لكنَّ الكثيرين يرون أنَّ الغضب من أفعال ترامب ممتزجٌ بشعورٍ من الاستسلام المُحمَّل بالإنهاك؛ إذ قالت إحدى مستخدمات موقع تويتر، تحمل اسم نادية محمد، بمدينة مصراتة الليبية، في تغريدةً نشرتها: "سوف نشاهد مظاهرات أو انتقادات شكلية من بعض الدول… سوف تُغرِّد وسائل الإعلام فترةً وينتهي الأمر".