ترامب يتحدى العرب والغرب ويصر على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.. والفصائل الفلسطينية تستعد لأيام من الغضب

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Pool via Getty Images

يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأربعاء 6 ديسمبر/كانون الأول، أن الولايات المتحدة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل تمهيداً لنقل سفارتها إلى هناك في مخالفة لما جرت عليه السياسة الأميركية منذ فترة طويلة وفي خطوة ربما تؤجج الاضطرابات في المنطقة.

ورغم تحذيرات من حلفاء الولايات المتحدة من الدول الغربية والعربية سيلقي ترامب كلمة الساعة الواحدة بعد الظهر (18:00 بتوقيت غرينتش) في البيت الأبيض يطلب فيها من وزارة الخارجية البدء في البحث عن موقع لإقامة سفارة في القدس في إطار ما يتوقع أن تكون عملية تستمر سنوات لنقل النشاط الدبلوماسي من تل أبيب، بحسب ما ذكرت وكالة رويترز.

وقال مندوب فلسطيني إن القرار إعلان حرب في الشرق الأوسط. ودعا البابا فرنسيس لاحترام "الوضع الراهن " في القدس قائلاً إن أي توتر جديد في الشرق الأوسط سيؤجج الصراعات في العالم. وعبّرت الصين وروسيا عن مخاوفهما من أن الخطط قد تزيد من الأعمال القتالية في المنطقة.

وحذر كل حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط من تداعيات خطيرة لهذا القرار.

وقالت تركيا إنها قد تذهب إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إذا مضت الولايات المتحدة قدما في تحركها. وقال متحدث باسم الحكومة التركية إن هذا سيلقي بالمنطقة في "آتون لا نهاية له".

وسيوقع ترامب أمراً استثنائياً يجيز له تأجيل نقل السفارة في الوقت الحالي نظراً لعدم وجود مبنى في القدس ليكون مقرا للسفارة. وقال مسؤول كبير بالإدارة الأمريكية إن بناء السفارة قد يستغرق ثلاث أو أربع سنوات.

ومع ذلك فإن قرار ترامب، الذي كان من وعوده الأساسية في الحملة الانتخابية، سيقلب رأساً على عقب السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة منذ عقود والمتمثلة في أن وضع القدس يمثل جزءا من حل الدولتين للقضية الفلسطينية.


وعود ترامب


هناك فئة قليلة بالولايات المتحدة تهتم فعلياً بموقع السفارة الأميركية لدى إسرائيل. فقد شعر الإنجيليون وجماعة الضغط اليمينية الموالية لإسرائيل بسعادة غامرة جراء وعود الرئيس ترامب، خلال حملته الانتخابية، بإلغاء السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة على مدار عقود، من خلال الاعتراف بالقدس "الموحدة" عاصمةً لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

ورغم سعادة بعض مؤيديه الغامرة بمثل هذا الخبر -وسعادة الحكومة اليمينية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- فإن الخطوة المقترحة تخاطر بإثارة موجة عارمة من الغضب في الشرق الأوسط والمجتمع الدولي، حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وتعد القدس، التي تُقدسها الديانات الإبراهيمية الثلاث، جوهر النزاع الإقليمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وترى إسرائيل أن المدينة الموحدة عاصمة لها، بينما يعتبر الفلسطينيون القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية عاصمة لدولة فلسطين المستقلة في المستقبل. ولا تتخذ أي دولة من القدس مقراً لسفارتها؛ وترى الولايات المتحدة على مر العصور أن الوضع النهائي لمدينة القدس لن يُقرَّر إلا من خلال اتفاقية سلام دائمة بين الطرفين.

ويبدو حالياً أن ترامب قد عقد عزمه على إلغاء ذلك الوضع القائم، رغم أن الأمر لم يتم حسمه بعد. فقد يعترف الرئيس رسمياً بالقدس عاصمةً لإسرائيل، في المقابل قد يحذو حذو أسلافه على مدار عقدين من الزمن بأن يوقَّع تنازلاً مرتين سنوياً يرجئ بموجبه انتقال السفارة الأميركية من تل أبيب.


هدف الدولتين لن يتحقق


ونقلت صحيفة Today's Worldview عن دان شابيرو، السفير الأميركي لدى إسرائيل في عهد أوباما، قوله: "إن المناورة المشوشة سوف تؤدي إلى خلق موقف يتركنا في دولة نصف حبلى ويثير جدلاً دون جدوى. فهدفنا الأكبر بإقامة دولتين لن يتحقق؛ وما سيتحقق لأي من الطرفين لن يكون واضحاً".

وخلال الأيام الأخيرة، تحدث ترامب هاتفياً مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وعاهل الأردن الملك عبدالله الثاني، والملك سلمان العاهل السعودي، حيث أبلغهم خطته فيما يتعلق بالقدس. ويبدو أنهم لم يتفهموا الأمر جيداً.

وذكر نبيل شعث، مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مقال كتبه ديفيد نكامورا ولافداي موريس وآن جيران، أن "ترامب أخبر رئيسنا بأنه سينقل السفارة من تل أبيب إلى القدس". وأشار الصحفيون إلى أن ترامب أبلغ عباس أن الولايات المتحدة ستتخذ خطوات مستقبلية يعتقد أنها ستسرُّ الشعب الفلسطيني، رغم أنه لم يذكر أي تفاصيل. وقال شعث: "قال رئيسنا: ليس لديك ما يعوض الشعب عن القدس". وقال شعث إن "الرئيس ذكر أننا لن نقبل ذلك بالتأكيد".


تحذيرات شديدة اللهجة


ومع ذلك، أصدرت الحكومات العربية التي تحتفظ بعلاقات ودية مع ترامب تحذيراتٍ شديدة اللهجة؛ إذ ذكر بيان صادر عن عمّان أن "الملك عبد الله أكد أن تبنّي هذا القرار سيكون له تبعات خطيرة على أمن واستقرار الشرق الأوسط، وسوف يؤدي إلى تقويض جهود الإدارة الأميركية فيما يتعلق باستئناف عملية السلام وإثارة مشاعر المسلمين والمسيحيين".

وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الملك سلمان أخبر البيت الأبيض بأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل "سيكون بمثابة استفزاز سافر للمسلمين في أنحاء العالم". وحثت منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة ذات أغلبية مسلمة، الولايات المتحدة على "ألا تنجرف وتميل إلى صف الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي".


"3 أيام من الغضب"


وأعلنت الفصائل الفلسطينية "3 أيام من الغضب"، بدءاً من الأربعاء 6 ديسمبر/كانون الأول 2017؛ احتجاجاً على خطوة نقل السفارة المحتمل. وترى الفصائل أن الاعتراف بالقدس "الموحدة" عاصمة لإسرائيل بمثابة موافقة ضمنية على استمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وضمن ذلك القدس الشرقية. وحذرت القنصلية الأميركية في القدس الرعايا الأميركيين وموظفي الحكومة من التهديدات المحتملة؛ وقام الفلسطينيون بحرق صور ترامب في مدينة بيت لحم مساء الثلاثاء 5 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

ونقلت صحيفة Today's Worldview عن يوسف منير، المدير التنفيذي للحملة الأميركية لحقوق الفلسطينيين، قوله: "مثل هذا القرار خاطئ من الناحية الأخلاقية وخطير من الناحية السياسية. دونالد ترامب لا يتعمد إهانة الشعب الفلسطيني وحده؛ بل يهين العرب والمسلمين في العالم أيضاً. وبذلك، يتخلى عن المصداقية الضئيلة للولايات المتحدة في الإقليم الذي يعاني النزاع والانقسام".


مهووس بإشعال الفتن


وكان أيمن عودة، النائب العربي رئيس ثالث أكبر تكتل بالكنيست الإسرائيلي، أكثر حدة. وكتب على حسابه بموقع تويتر: "ترامب مهووس بإشعال الفتن، وقد يضرم النيران في الإقليم بجنونه".

من جانبه، أكد السفير الأميركي السابق شابيرو أنه لا يوجد أي ضرر من الناحية النظرية من نقل السفارة الأميركية إلى القدس الغربية، بشرط أن يوضح ترامب أن القدس الشرقية لها وضع مختلف، وأن يُجري الكثير من المشاورات الدبلوماسية التمهيدية. ويتعين على ترامب التشاور مع المسؤولين العرب بصفة خاصة؛ للحد من الانتقادات والإبقاء على رغبة المسؤولين الفلسطينيين في التفاوض.

ومع ذلك، فقد فوجئ القادة العرب بصورةٍ كبيرة بقرار ترامب، ما أثار تساؤلاتٍ عن نوايا البيت الأبيض واستراتيجيته النهائية. ويثير القرار تساؤلاتٍ أيضاً عن مستقبل جهود الإدارة لاستئناف عملية السلام. وقال منير: "تحاول الولايات المتحدة رعاية عملية السلام المزعومة على أساس أنها تستطيع لعب دور الوسيط. ومع ذلك، فإن تبنّيها الجلي للموقف الإسرائيلي يوضح أنها لم تعد حتى تتظاهر بدور الوسيط".


علامَ يراهن ترامب؟


ويمكن أن تكون الإدارة تعتمد على تغيُّر المناخ في الشرق الأوسط، من خلال تفتُّت المنطقة جراء المنافسة السعودية-الإيرانية وتوطيد علاقات وثيقة بين إسرائيل ومجموعة من البلدان العربية، ومن بينها المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، قد يثبُت خطأ ذلك.

وكتب شيبلي تلهامي، من مؤسسة بروكينغز: "ستكون تلك الخطوة مناهضة للأولويات التي حددتها الإدارة الأميركية بالشرق الأوسط والمتمثلة في القضاء على الحركات الإسلامية ومواجهة النفوذ الإيراني. وتعد القدس هي القضية المثالية التي تستغلها إيران والمتمردون الإسلاميون لحشد الدعم ضد الولايات المتحدة وهؤلاء الذين يؤيدون سياساتها".

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، ذكر صهر الرئيس ومبعوث السلام في الشرق الأوسط غاريد كوشنر، أن ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن القدس. وقال كوشنر: "إنه لا يزال يبحث الكثير من الحقائق المختلفة. وحينما يتخذ قراره، فسوف يخبركم به بنفسه، وليس من خلالي".

وإذا ما اتخذ ترامب قراره لصالح نقل السفارة، فستكون مهمة كوشنر مستحيلة. وقال إيلان غولدنبيرغ، من مركز الأمن الأميركي الجديد: "إذا كنت توشك على إطلاق خطة سلام كبرى، فإن آخر ما تفكر فيه هو تناول قضية القدس الحساسة للغاية ومحاولة اتخاذ قرار بشأنها".