الغارديان: العلاقة الحميمة بين بن سلمان وترامب تحدد مصير القدس المعلق بين الاستنكار والمفاوضات السرية

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMED BIN SALMAN TRUMP
| Kevin Lamarque / Reuters

من بين القضايا المستمرة في قلب الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، ليس هناك قضيةٌ تُضاهي في حساسيتها وضع مدينة القدس. فالمدينة المُقدَّسة تقع في القلب من جهود إحلال السلام منذ عقود.

لكنَّ نهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيالها يُهدِّد بتمزيق حالة الإجماع الدولية طويلة الأمد بطريقةٍ مدمرةٍ وخطيرةٍ، حسب الوصف الذي ورد في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

تقول الغارديان: لقد فَشلت التحذِيرات التي تلقَّتها واشنطن من دول الشرق الأوسط، وغيرها من دول العالم، في الكشف عمَّا إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف بالفعل بالقدس عاصمةً لإسرائيل من جانبٍ واحد، أو المضي قُدُماً في تنفيذ وعد حملة ترامب المُثير للجدل بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، أو كلا الأمرين معاً.

ويُمارَس ضغطٌ هائلٌ وواسع من أجل إثنائه عن القيام بأي من الأمرين، فمخاطر كليهما مرتفعة.

عاصمة أبدية وموحَّدة

وعادةً ما تَصِفُ إسرائيل المدينة، التي تحوي أماكن مقدَّسةً يهوديةً وإسلاميةً ومسيحيةً، بأنَّها العاصمة "المُوحَّدة والأبدية".

بيد أنَّ تاريخ المدينة مُرتبطٌ على نحوٍ مُعقَّد وبصورةٍ أكبر بالخلاف، حسب الغارديان. فمنذ سبعين عاماً، وبالتحديد مع النهاية العنيفة للحكم البريطاني، عندما صوَّتت الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين عربيةٍ ويهوديةٍ، حدَّدَت القدس ككيانٍ مُنفصلٍ يخضع للإشراف الدولي.

لكن الحقائق الصعبة على الأرض كانت خلافاً لذلك. ففي حرب 1948 قُسِّمَت المدينة، على غرار برلين في الحرب الباردة، إلى قطاعين غربي وشرقي، تحت إدارة إسرائيل والأردن على التوالي. وبعد 19 عاماً، في يونيو/حزيران 1967، احتلَّت إسرائيل الجانب الشرقي، وقد وسَّعت حدود المدينة وضمَّتها إليها، وهو الأمر الذي لم يُعتَرَف به دولياً.

ويُرهَن الاعتراف بقضايا أكبر حول الأرض والسلام، بل ويتصادم مع مطالب الفلسطينيين بأن تكون القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل. وتعتبر النظرة الدولية الواضحة حيال وضع المدينة، والمقبولة من جميع الإدارات الأميركية السابقة، أنَّه يجب التوصل إلى حلٍّ عبر المفاوضات.

تمييز

وتجعل القومية، وكذلك الدين والأمن، القدس قضيةً مشحونةً عاطفياً. ويعيش اليهود في مدينة القدس، والعرب (حوالي 37% من إجمالي سكان المدينة)، بشكلٍ منفصل إلى حدٍّ كبير، وحياة كل طرفٍ منهما منعزلةً عن الآخر في الكثير من الزوايا. وتُميِّز الميزانيات البلدية في التعامل ضد الفلسطينيين، الذين قد تُلغى تصاريح إقامتهم في المدينة. ويفصل الجدار العازل بعضاً من المناطق الفلسطينية عن باقي المدينة. فقد أصبحت أحياء القدس الشرقية الفلسطينية جيوباً محاطةً بالأحياء اليهودية التي بُنِيَت بعد عام 1967، وليس بينهما إلا تواصل محدود.

ويظل وضع الحرم الشريف المُلاصق للجدار الغربي وضعاً شديد الخطورة. ففي يوليو/تموز 2017 اندلعت احتجاجاتٌ واسعةُ، بعد أنَّ قتل رجلٌ إسرائيلي مُسلَّح من أصلٍ عربي شرطيَّين إسرائيليَّين، ووضعت السلطات الإسرائيلية أجهزةً للكشف عن المعادن بطريقةٍ فُسِّرَت على أنَّها انتهاكٌ للوضع الراهن. وفي كثيرٍ من الأحيان بدأت سيناريوهات مُفزعة حول التصعيد تُثار في القدس.

وقد حذَّر صائب عريقات، كبير مفاوضي منظمة التحرير الفلسطينية المخضرم، من أنَّ أي تغييرٍ في الموقف الأميركي قد يعني أنَّ الولايات المتحدة ستكون "غير مؤهَّلة للقيام بأي دورٍ في أي مبادرة نحو التوصُّل إلى سلامٍ عادلٍ ودائمٍ".

وقد سلَّط ملك الأردن، عبدالله، الضوء على هذا الخطر بأنَّ هذه الخطوة قد "يستغلَّها الإرهابيون لإثارة الغضب والإحباط واليأس كي ينشروا أيديولوجيتهم". وقد هدَّدت حركة حماس الإسلامية بانتفاضةٍ جديدة.

هل تشجعه السعودية أم توقفه؟

قد يعترف ترامب، نظرياً، بالقدس عاصمةً لكلٍّ من إسرائيل وفلسطين. وقد يُؤكِّد ذلك على التزام الولايات المتحدة بحلِّ الدولتين، وهذا أمرٌ مشكوكٌ فيه منذ تنصيب ترامب في يناير/كانون الثاني من العام الجاري. لكنَّه ذلك يبدو مُحتَمَلاً بدرجةٍ كبيرةٍ في ضوء المحادثات المُكثَّفة بين الأطراف التابعة لترامب لإبرام "صفقة القرن" لحلِّ النزاع.

ولم يُعلن عن أي شيء رسمي، لكنَّ التسريبات تُشير إلى دورٍ رئيسي للسعودية، التي أفادت التقارير بأنَّها تضغط على الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لقبول خطة سلامٍ قد تشمل سيطرةً فلسطينية على الجيوب المُبعثَرة في الضفة الغربية، والمفصولة بالمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، على أن تكون ضاحية أبو ديس في القدس الشرقية، الواقعة وراء الجدار العازل، عاصمةً لها. ويتردَّد أنَّ صهر ترامب، جاريد كوشنر، قد خطَّطَ لذلك مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

ويبدو أنَّ ترامب يدرك أنَّ محمد بن سلمان ملتزمٌ بالإصلاح الداخلي، وكذلك بالمواجهة مع إيران وإحلال السلام الإسرائيلي الفلسطيني.

وإذا كانت واشنطن تهتم برؤية الرياض، فإنَّ بيان السعودية العلني، يوم الثلاثاء 5 ديسمبر/كانون الأول، الذي يُعارض اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل، قد يُساعد في منع حدوث هذه الخطوة الاستفزازية، التي لا ضرورة لها، على الأقل في الوقت الراهن، حسب الغارديان.