ما لا تعرفه عن عبدالله صالح: استولى على المليارات ونهايته تشبه ما فعله مع سلفه.. وشهود يكشفون صفاته الغريبة

تم النشر: تم التحديث:
ABDULLAH SALEH
عبدالله صالح

كان الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح معروفاً بأنَّه رجلٌ قوي يعرف كيف ينجو بنفسه في سياسات الشرق الأوسط، وحكم لأكثر من 3 عقود، وعاود الظهور ليلعب دوراً رئيسياً في الحرب الأهلية المُدمِّرة التي تشهدها بلاده.

صالح، الذي قُتِل أمس، الإثنين 4 ديسمبر/كانون الأول 2017، في ظروف لا تزال غامضة، كان مناوراً ماكراً في السياسات القبلية اليمنية المُعقدة، وشبَّه رئاسته ذات مرة بـ"الرقص على رؤوس الثعابين"، لكنَّ مهاراته المكيافيللية وحظه الوافر نفدا أخيراً، حسب ما ورد في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

فقد قال مساعدون له إنَّه قُتِل بعد انفجارٍ بمنزله في العاصمة اليمنية، صنعاء. بينما قال منافسوه الحوثيون، الذين كانوا حلفاءه في الحرب سابقاً، إنَّهم قتلوه في كمينٍ بالصحراء.


المراوغة حتى في العمر


وفي يوم السبت الماضي، 2 ديسمبر/كانون الأول 2017، أحدث صالح علناً قطيعةً مع الحوثيين، داعياً اليمنيين لـ"الدفاع عن البلاد" ضدهم. وثبت أنَّ تلك الخطوة، في حياته المليئة بالتحالفات المتعددة، كانت هي الأخيرة له.

وبحسب معظم الروايات، كان صالح يبلغ 75 عاماً عند مقتله، رغم أنَّ سيرته الذاتية الشخصية جعلته لسنواتٍ أصغر من ذلك الرقم بـ4 أعوام. ولم يكن عمره هو الشيء الوحيد المرن في الحقائق التي أظهرها في حياةٍ حافلة بالأحداث.


فاسد وبلا مبادئ



وقد تركت فترة حكمه الطويلة كرئيسٍ لأفقر دولة عربية عانت من حروبٍ دورية وأصبحت مرتعاً لتنظيم القاعدة، بصمةً لا تخطئها عين. لكنَّ الجميع كانوا ينظرون إليه كفاسدٍ وبلا مبادئ، وكشخصٍ مهتم أساساً بتكريس الثروة والسلطة لنفسه وأقاربه، الذين وضعهم في مناصب نافذة.

فقال فارع المسلمي، الباحث اليمني ومدير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية: "إنَّها نهاية مأساوية لـ33 عاماً من الحكم السيئ لليمن".

وقد قارن المسلمي صالح بصدام حسين والعقيد معمر القذافي، وقال إنَّ اليمن، شأنه شأن العراق وليبيا، قد انحدر إلى الفوضى جزئياً بسبب فشل صالح في بناء مؤسساتٍ قوية أثناء وجوده في الحكم.

ووصف جيرالد فايرستاين، الذي التقى صالح مراراً كسفيرٍ للولايات المتحدة لدى اليمن بين 2010 و2013، الرئيس اليمني السابق بأنَّه "غير جديد بالثقة تماماً". لكنَّه قال إنَّ بعض اليمنيين قد يُفضِّلون الاستقرار النسبي الذي حظيت به بلادهم أثناء معظم حكمه، من عام 1978 إلى أوائل 2012، عن العنف والانهيار الحالي.

salh

ميزته الوحيدة


وقال فايرستاين إنَّ "الشيء الإيجابي هو أنَّه أبقى البلد متماسكاً نوعاً ما"، مُظهِراً "نوعاً من البراعة السياسية التي نقلت اليمن إلى الأمام في نواحٍ عدة"، بما في ذلك التعليم والصحة.

لكنَّ صالح، كما يقول فايرستاين، "كان مصاباً بهوس السرقة واستولى على مليارات، وربما عشرات المليارات، من الدولارات على مدار السنوات". وأضاف إنَّه أقام حكمه على أساسٍ شخصي، ولذا "لم تكن الحكومة أو النظام القضائي قادرين على تأدية عملهما بعدما غادر منصبه، لأنَّهما بُنيا حوله وحول عائلته".

وفي السنوات الأخيرة من حكم صالح، اجتذبت بلاده القاحلة الفقيرة ذات الـ28 مليون نسمة اهتماماً كبيراً من الولايات المتحدة باعتبارها مصدراً محتملاً للهجمات الإرهابية من فرع تنظيم القاعدة الموجود هناك، المعروف باسم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

فقد تدرَّب مَن يُعرَف بـ"مهاجم الملابس الداخلية"، الذي حاول تفجير طائرة في مطار ديترويت الأميركي في 2009، وأُرسِل من اليمن. واعتُرِضَت في العام التالي متفجرات مُخبَّأة داخل خراطيش طباعة على متن رحلات طيران لنقل البضائع في طريقها إلى شيكاغو.


استغلال الإرهاب



وبدا أنَّ صالح استمتع بالتأثير الذي منحه هذا التهديد الإرهابي إيَّاه، واستغل بسرورٍ مشكلات بلاده في التماسه للحصول على المساعدات الخارجية.

فوفقاً لبرقية دبلوماسية نشرها موقع ويكيليكس، عرض صالح ذات مرة كل الأراضي اليمنية أمام جهود مكافحة الإرهاب الأميركية، ووافق على مواصلة الكذب على شعبه بشأن الضربات الصاروخية الأميركية على القاعدة.

فقال صالح للجنرال ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية: "سنواصل القول إنَّ القذائف هي قذائفنا وليست قذائفكم".

salh


كيف وصل للحكم وكيف استمر؟


وكان سلفا صالح المباشران، إبراهيم الحمدي وأحمد حسين الغشمي، قد اغتيلا بفارق أقل من عام، وحين وصل إلى السلطة عام 1978، اعتقد قليلون فقط أنَّه سيستمر طويلاً. لكنَّه استخدم مهاراتٍ تفاوضية كبيرة، فضلاً عن شبكات الزبونية، والرشى، والقوة أحياناً، لمواجهة التحديات.

وقد حَكَم صالح شمال اليمن حتى عام 1990، حين وحَّد الجنوب والشمال لتشكيل الجمهورية اليمنية. وقد نجا من الحرب الأهلية عام 1994، وفاز في انتخاباتٍ معيبة في 1999 كأول رئيسٍ منتخب مباشرةً في اليمن وأصبح، بمساعدة أبنائه وأبناء أخوته في المراكز الأمنية المهمة، أطول حاكم يتولَّى حكم اليمن في تاريخه الحديث.

وقالت باربرا بودين، السفيرة الأميركية لدى اليمن بين 1997 و2001، إنَّ صالح في موازنته بين القبائل المتنافسة، والإسلاميين، والاشتراكيين، والجنوبيين اليمنين، والأجانب الانتهازيين، "كان يشبه أحد لاعبي الخفة هؤلاء الذين يجعلون الأطباق تدور فوق العصي".

وأضافت: "لقد حافظ على كل الأطباق في الهواء"، واصفةً ذلك بأنَّه "إنجازٌ سياسي مُعتبَر".

وقالت بودين إنَّ صالح أظهر في بعض الأحيان فضولاً واستعداداً للتعلُّم. وفي إحدى المرات، حين وافقت على التحدُّث أمام اليمنيين الذين كانوا يعقدون مؤتمراً عن العنف المنزلي – وهو الموضوع الذي قد يكون حساساً في مجتمعٍ مسلم محافظ – حصل صالح على شرحٍ منها بشأن الفعالية واستدعاها.

وروت بودين: "كان يجلس في إحدى مقصوراته، وقال: أخبريني بشأن هذه القضية". وأضافت: "بدأنا مناقشةً استمرت ثلاث ساعات حول العنف المنزلي والدور المناسب للدولة في ما يتعلَّق بالتدخُّل في العلاقات بين الزوج والزوجة. وسأل: ما هو مأوى العنف المنزلي؟ لم يكن يمنحني دروساً، لقد كان يحاول حقاً أن يفهم".


الربيع العربي


تعرَّض بقاء صالح في السلطة لتحدٍ حين وصلت الحماسة الداعمة للديمقراطية التي أطاحت برئيسي تونس ومصر إلى اليمن في بداية 2011. وكانت هناك مظاهرات جماهيرية، ما دفعه لمباركة العنف ضد المحتجين، والذي كلَّفه الدعم الذي كان يحظى به بعدما انشق عنه مسؤولون عسكريون وحكوميون ودبلوماسيون بارزون.

وردَّ صالح، الذي تعرَّض لضغوط في الداخل والخارج ليغادر البلاد، بتحدٍ شرس وتكتيكاتٍ مُماطِلة، وتعهَّد بالتنحي ثُمَّ تراجع في اللحظة الأخيرة.

وحين استُهدِف مسجد دار الرئاسة بتفجيرٍ في يونيو/حزيران 2011، أفادت تقارير خاطئة بأنَّه قُتِل. وقد تعرَّض لحروق شديدة وحصل على علاجٍ طبي في السعودية والولايات المتحدة. وتخلَّى عن الرئاسة في فبراير/شباط 2012 بعد أشهر فقط من ضغط خصومه القبليين المسلحين، والاحتجاجات في الشوارع، والمجتمع الدولي.

ومع ذلك، تمسَّك بشبكاتٍ قبلية وواصل ممارسة السلطة من خلف الكواليس، مُقوِّضاً حكم نائب الرئيس السابق وخلفه، عبد ربه منصور هادي. وعندما اجتاحت ميليشيا الحوثي، التي هاجمها صالح مراراً في السنوات الماضية، العاصمة اليمنية والمدن الكبرى الأخرى، فاجأ الكثير من اليمنيين بإقامة تحالف مع مقاتلي الحوثي الشيعيين ضد هادي، الذي حظي بدعم السعودية. ورأى البعض يد إيران خلف ذلك التحالف بين الحوثيين وصالح، والذي استمر منذ 2014 حتى الأسبوع الماضي.


شارك في قتل سلفه


وكان صالح قد وُلِد في قبيلة سنحان في بيت الأحمر، وهي قرية زراعية شمالي اليمن. ومثل العديد من رجال قبيلة سنحان، التحق بالجيش كمراهق بتعليمٍ أقل من المدرسة الابتدائية. ودعم صالح، الذي كان مُقرَّباً من المُقدّم أحمد حسين الغشمي، انقلاباً عسكرياً في عام 1974 أدَّى إلى تعيينه قائداً عسكرياً للواء تعز في 1975.

وفي عام 1977، اغتيل القائد العسكري، إبراهيم الحمدي، وتولَّى الغشمي السلطة.

قال روبرت بورويس، الأستاذ المتقاعد بجامعة واشنطن والذي سافر بانتظامٍ إلى اليمن منذ 1975: "دعم صالح بوضوح عملية الاغتيال، ووفق بعض الروايات، كان له حرفياً يد في العملية".

اغتيل المُقدّم الغشمي بعد ذلك بأقل من عام، ما فتح الطريق أما صالح لتولِّي السلطة.

abdullah saleh


رجل شبه أمي


وقال الأستاذ بوروز: "حين وصل للسلطة، سخر الناس منه. وكان الكثير من اليمنيين يعتبرونه شخصاً ضعيفاً لن يستمر، ورجلاً قبلياً شبه أمي بالكاد يمكنه إلقاء خطاب.
وكان مدير عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في اليمن يراهن أنَّ صالح سيكون خارج السلطة بحلول ربيع 1979".

لكنَّ صالحاً، وفقاً لبوروز، تواصل مع السياسيين اليمنيين المخضرمين من أجل النصيحة والدعم وعيَّن طبقةً جديدة من التكنوقراط. وأضاف: "ولسببٍ نفسيٍ ما، لم يشعر أنَّهم يمثلون تهديداً له".

ووفق معظم الروايات، لم يكن صالح متديناً، لكنَّه اهتم بالسيطرة على الإسلاميين الذين ازدهروا في إطار الثقافة الدينية اليمنية. وحين عاد الرجال اليمنيون الذين قاتلوا ضد الجيش السوفييتي في أفغانستان إلى بلادهم في التسعينيات، رأى أنَّهم اندمجوا داخل القوى الأمنية. ولم يُصعِّد القتال ضد تنظيم القاعدة إلا بعدما بدأ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يهاجم نظامه.


قبيلته


رقَّى صالح رفاقه من قبيلة سنحان الذين يخدمون في الجيش والقوات الأمنية، ومن بينهم ولده أحمد علي عبد الله صالح، الذي كان مسؤولاً عن قوات الحرس الجمهوري، وهي قوات نخبة، وابن أخيه، يحيى صالح، الذي عمل عن كثب مع الولايات المتحدة في ما يتعلَّق بمكافحة الإرهاب.

ويوم السبت، تحدَّث صالح علناً عن تغيير ولاءاته مرةً أخرى، فتخلَّى عن الحوثيين وتواصل مع السعودية وقوى إقليمية أخرى قاتل ضدها لثلاث سنواتٍ مع حملة قصفٍ مُدمِّرة.

وقال صالح في خطابٍ متلفز: "سنفتح معهم صفحة جديدة للتعامل معهم بحكم الجوار". لكنَّ أوراق قصته الطويلة، التي صمدت في وجه الكثير من الأزمات، قد نفدت.