مقتل صالح يبعث رسالةً إلى غيره من الحُكَّام الديكتاتوريين.. الغارديان: قُلبت موازين الحرب في اليمن والصراع قد يزداد حدةً

تم النشر: تم التحديث:
SALEH YEMEN
3

جاء اغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ليزيل الشخصية السياسية الأبرز في اليمن خلال العقود الأربعة الماضية من المعادلة المُعقَّدة التي أدخلت البلد الأفقر عربياً في نزاعٍ فجَّر الكارثة الإنسانية الأسوأ في العالم.

وتقول صحيفة الغارديان البريطانية، إن مقتله يُمثِّل تحوُّلاً جذرياً في حربٍ بلا هوادة امتدت لثلاث سنواتٍ. وينبِّئُ أن الصراع قد يزداد حدةً.

كان صالح طرفاً أساسياً في انزلاق اليمن إلى حربٍ أهليةٍ. فإقالته الجبرية من السلطة عام 2012 - والتي أرغمه عليها الربيع العربي بعد 33 عاماً من الحكم - أتت بنائبه المدعوم من السعودية عبد ربه منصور هادي للرئاسة.

غير أن صالح عقد في عام 2014 تحالفاً غير هيِّنٍ وغير مُتوقَّعٍ مع أعدائه القدامى الحوثيين، لتسهيل استيلائهم على صنعاء، ثم في النهاية إجبار منصور هادي على الهروب إلى السعودية.

لقد كان تحالفاً مكتوباً عليه الفشل، غير أن أحداً لم يكن يتوقَّع أن الرجل الذي تحالف مع المُتمرِّدين الذين حاربهم في ست معارك بين 2004 و2011 سينتهي به المطاف مقتولاً بأيديهم.

وفيما كان التحالف سارياً، كان كلا الطرفين مستفيداً منه، فصالح استخدم جنود وسلاح الحوثيين، بينما وفَّر هو لهم حكومته وشبكاته الاستخباراتية.

لكن المعادلة تغيَّرَت الأسبوع الماضي، حين تحرَّك صالح لمدِّ نفوذه في صنعاء، وبدا أنه سيستبدل حلفاءه، ساعياً إلى فتح حوارٍ مع السعوديين وحلفائهم، ومن بينهم الإمارات. ويُقال إن القصف السعودي الأخير لصنعاء كان يستهدف معاقل الحوثيين في محاولةٍ لمساعدة صالح. لكن ذلك لم يكن كافياً للحيلولة دون اغتيال المُتمرِّدين له.

وربما بات الحوثيون أقوى دون صالح، على المدى القريب على الأقل. ويقول آدم بارون، الزميل الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "هناك احتمالٌ أن يضعف نظام صالحٍ بشكلٍ جذري، إن لم يُهمَّش في الفترة القادمة، وهذا يمنح الحوثيين اليد العليا في شمالي اليمن".

ويقول بارون إن الحوثيين دعوا لإقامة الاحتفالات في الميادين العامة الثلاثاء 5 ديسمبر/كانون الأول في أعقاب اغتيال صالح، مما لا يدع مجالاً للشك في أن المُتمرِّدين "عازمون على توطيد وضعهم" بدلاً من المصالحة.


رسالة إلى الحكام الأقوياء في العالم



وتقول مجلة أتلانتك الأميركية، إن مقتل صالح، بعد ست سنوات من مقتل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي واستعراض جثمانه في شوارع مسقط رأسه في مدينة سرت، سيبعث رسالةً قويةً إلى الحُكَّام الأقوياء عبر العالم، لا سيما الرئيس السوري بشَّار الأسد.

ولعل الأسد اليوم أقوى في إحكام السيطرة على سوريا من أي وقتٍ مضى منذ اندلاع الحرب الأهلية في مارس/أذار 2011. لكن حكمه هشٌّ، رغم الدعم العسكري والدبلوماسي من قِبَلِ روسيا وإيران. ويريد جيران سوريا، وتركيا كذلك، أن يرحل الأسد من منصبه - فضلاً عن الولايات المتحدة في ذلك أيضاً. وما دام باقياً في السلطة، سيظل عدم الاستقرار، بشكلٍ يكاد يكون مُؤكَّداً، سمةً للسياسة والحياة في سوريا. لكن المصير الذي لاقاه صالح، ومن قبله القذافي، مثالٌ قويٌ على ما يخشاه الحُكَّام الديكتاتوريون - ليس فقط فقدان سلطاتهم، بل حياتهم نفسها. وهكذا قد يتقرَّب الأسد من مناصرين السياسيين ليضمن أنه لن يلاقي نفس المصير.

وبعد صدَّام حسين، الذي شُنِقَ في العراق في العام 2006، والقذافي، يُعد صالح هو الديكتاتور العربي الثالث الذي يُقتَل بعد تغييرٍ في النظام في المنطقة. وقد أُطيحَ أيضاً بحُكَّامٍ عرب آخرين استمرت فترات حكمهم طويلاً، من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المصري حسني مبارك، لكنهم نجوا من الموت.

وحيثما يتشبَّث الزعماء بالسلطة في وجهِ الاحتجاجات، مثلما في سوريا والبحرين، تصبح الحرب الأهلية والاضطرابات السياسية - كما هو الحال في البلدين على التوالي - هي القاعدة. ويبدو أن مصير صدَّام حسين والقذافي، على وجه الخصوص، يشغل بال ديكتاتور آخر خارج منطقة الشرق الأوسط، إذ يقول خبراء إقليميون إن كيم جونغ أون يسارع في برامجه النووية والصاروخية جزئياً بسبب أن كلا الزعيمين - صدَّام والقذافي - شهدوا نهاية حُكمهما وحياتهما لأنهما تخليا عن برامجهما. ويقولون إن كيم جونغ أون يعتبر هذه الأسلحة ضمانةً سياسية كي لا ينتهي به الحال إلى مصيرٍ مشابه.

وكان صالح الضابط السابق في الجيش قد صار رئيساً لليمن الشمالي عام 1978 بعد انقلابٍ على السلطة، لكن بعد توحيد اليمن الشمالي والجنوبي عام 1990 انتُخِبَ أولَ رئيسٍ لليمن الجديد. وكان قد شبَّه ذات مرةٍ الوقت الذي قضاه في السلطة بأنه "كالرقص فوق رؤوس الثعابين".

كانت الحرب في اليمن قد وصلت إلى مأزقٍ يصعب معه تحديد أي الطرفين سينتصر. ويقول بارون: "النصر بالنسبة للحوثيين هو الصمود فقط، وهم يُحسِنون صنعاً في هذا الشأن، وبالنسبة للسعوديين يتلخَّص النصر في استعادة الحكومة المُعتَرَف بها دولياً".

ويتابع: "قضى الحوثيون عقداً من الزمان يشنون تمرُّداً من جبال الشمال اليمني، ومجرد مقدرتهم على السيطرة على صنعاء، ناهيك عن القضاء على غريمهم التاريخي صالح، في حد ذاته أمر كبير".

وتعد مخاطر الصراع في اليمن مرتفعةً بما فيه الكفاية، فإطلاق صاروخٍ من اليمن إلى الرياض جعل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتهم إيران بـ"العدوان العسكري المباشر" على المملكة، من خلال تزويدهم الحوثيين بالسلاح، وهو ما أنكرته إيران تماماً.

وقد علَّقَ وزيرالخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، على ذلك قائلاً إن السعودية: "تقصف اليمن بغزارةٍ، قاتلةً آلاف الأبرياء بمن فيهم الأطفال، وناشرةً الكوليرا والمجاعة، لكنها بالطبع تلوم إيران".

منذ ذلك الحين أطلق الحوثيون صاروخاً واحداً على الأقل تجاه السعودية، وزعموا الأسبوع الماضي أنهم أصابوا منشأةً نوويةً قيد الإنشاء في الإمارات، الأمر الذي نفته الإمارات كذلك.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية الاثنين 4 ديسمبر/كانون الأول أن خبراء الصواريخ أثاروا شكوكاً حول مزاعم بأن أنظمة الدفاع الأميركية تمكَّنت من اعتراض صاروخٍ يمنيٍ كان متجهاً نحو مطار الرياض.

الأكيد أن اليمن دون صالح سيكون بلداً مختلفاً، ولكن لا يمكن التنبؤ به حتى الآن.

ويقول بارون: "حتى حين تحاول قوى خارجيةٌ اللعب على الأرض اليمنية، فإن للموازين الدولية طريقتها في التحول على نحوٍ لا يتوقعه أحد".