مجلة أميركية: تاريخ قديم للاتصالات السعودية - الإسرائيلية.. توافقا ضد عبد الناصر.. وواشنطن غير متحمسة لخطتهما الجديدة

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMED BIN SALMAN
Handout . / Reuters

الملك السعودي سيهبط في مطار بن غوريون قرب تل أبيب. وبعد ذلك، ستضم الدولة اليهودية والمملكة العربية السعودية قواتهما كجزءٍ من "ناتو شرق أوسطي" جديد يهدف لاحتواء، وربما حتى اتخاذ إجراءات عسكرية ضد، إيران لمنع إقامة ما يُسمَّى الهلال الشيعي.

هكذا وصلت تنبؤات بعض المحللين المتحمسين للتحالف السعودي - الإسرائيلي المفترض.

ليون هادار المُحلِّل المُتخصِّص بشؤون الشرق الأوسط، تناول في مقال بمجلة ناشونال إنتريست الأميركية، النتائج المفترضة لهذا التحالف، من خلال استعراض تاريخ الاتصالات السرية بين البلدين والمصالح المشتركة التي جمعتهما في الماضي، وكيف أثمرت ضغوطهما على واشنطن في هذا الشأن تدهور الشرق الأوسط وإضعاف المصالح الأميركية أحياناً.

ولفت هادار إلى التعلُّق المستمر، والحماسة التي تجتاح مراكز الأبحاث وغيرها على امتداد العالم، بما جرى الاحتفاء به باعتباره "تحالفاً" بين السعودية وإسرائيل، والذي يُفتَرَض أنَّه يتطوَّر تحت إشرافٍ أميركي.

ووفقاً لتنبؤات عديدة، الأمر مسألة وقت قبل أن يهبط الملك السعودي في مطار بن غوريون قرب تل أبيب. وبعد ذلك، ستضم الدولة اليهودية والمملكة العربية السعودية قواتهما كجزءٍ من "ناتو شرق أوسطي" جديد يهدف إلى احتواء، وربما حتى اتخاذ إجراءات عسكرية ضد، الجمهورية الإسلامية الإيرانية القوية التي تُمثِّل تهديداً؛ وذلك من أجل منع إقامة ما يُسمَّى الهلال الشيعي.


صداقة متنامية أم اتحاد عائلي؟


وتتراوح تلك التقارير والتكهُّنات، بالإضافة إلى القصص التي تتناول اللقاءات "السرية" بين الإسرائيليين والسعوديين، بين الشائعات المسلية حول الصداقة المتنامية بين ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غاريد كوشنر -أو قل إن كنت ترغب، الاتحاد بين عائلة آل سعود وعائلة ترامب/كوشنر- وصولاً إلى التعليقات "العميقة" الجدية التي ترى تحوُّلاتٍ جذرية في توازن القوى بالشرق الأوسط في صورة حرب سُنّيّة-شيعية باردة أو ساخنة، من شأنها أن تغيِّر صورة العالم التي نعرفها الآن.

وفي هذا السياق، يجري تحذيرنا كي نكون خائفين، وخائفين للغاية؛ لأنَّنا نواجه شبح استدراج الولايات المتحدة إلى الصراع بين السعودية وإيران. ومن هناك، تناور كلٌ من الرياض والقدس، وداعمي إسرائيل في واشنطن، لدفع الولايات المتحدة لاستخدام قوتها الدبلوماسية والعسكرية كاملة كي يُظهِروا لآيات الله في إيران مَن هو السيد الحقيقي الآن بالشرق الأوسط وإجبارهم على الاستسلام وطلب العفو.

ويُقال لنا إنَّ الأمر "يتكرَّر" من جديد، وإنَّه من جديد أشبه بعشية غزو العراق: إحراز نقطة، فكسب مجموعة، ثُمَّ الفوز نهايةً بالمباراة. ومن ثَمَّ، نصبح من جديدٍ عالقين في مستنقعٍ عسكري آخر بالشرق الأوسط.


الفوضى


مشكلة تلك التقارير والتحليلات والتنبؤات الشبيهة بها أنَّها تخلط بين البحث عن الثبات والسعي إلى التغيير، والثورة المضادة والثورة، في محاولةٍ للعودة بالوضع الراهن بالشرق الأوسط إلى ما قبل حرب العراق والربيع العربي، مع مشروعٍ وهمي لإعادة تشكيل المنطقة.

يقول الكاتب: "هو ما سيكون منطقياً إن كنتم قد قبلتم الأوهام التي اختلقها مستشارو جورج بوش الابن وباراك أوباما المحافظون الجُدُد والليبراليون أصحاب التوجُّهات العالموية.

ومن ثَمَّ، سيكون استنتاجكم هو أنَّ الفوضى التي ساعد الرجلان على خلقها في الشرق الأوسط -وقضت على توازن القوى الموجود فيه، عبر طرح أجندة حرياتٍ وهمية، أو بمحاولة الركوب على موجات الربيع العربي التاريخية- قد أصبحت هي الوضع الراهن الذي يتعين على واشنطن قبوله باعتباره مُعطىً".


بداية التحالف


يقول هادار: "بمقدور المرء الطعن في أساسات السياسة الأميركية بالشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والمُسوِّغَين الرئيسيَّين للتدخُّل الدبلوماسي والعسكري الأميركي هناك: احتواء التهديدات الإقليمية والدولية للمصالح الغربية في المنطقة -بما يشمل تأمين الوصول إلى مصادر النفط في الخليج العربي- وحماية أمن إسرائيل.

لكنَّ تلك الاستراتيجية استمرت في توجيه الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على حدٍ سواء، وتمتَّعت بدعمٍ من كلا الحزبين في الكونغرس، وحظيت بدعمٍ جماهيري واسع أغلب فترة الحرب الباردة وما تلاها. ولم تخضع أيضاً لإعادة تقييم وتغيير في أعقاب الحرب الباردة، ولا تزال سارية حتى الآن.

وكان ذلك هو السبب الأساسي الذي دفع واشنطن للشراكة مع السعودية ومَلَكيات النفط الأخرى، إلى جانب إيران تحت حكم الشاه.


مصر


كانت الشراكة الغربية مع الخليج وشاه إيران رداً على التهديدات المُتصوَّرة التي كان مصدرها الاتحاد السوفييتي والحكومات والحركات المتشددة في المنطقة، مثل مصر تحت قيادة العروبي القومي جمال عبد الناصر، أو إيران بعد ثورة 1979، أو الديكتاتوريات العلمانية الاشتراكية التي قادها حزب البعث في العراق وسوريا.

ومرَّت تلك الاستراتيجية بتغيُّرات رئيسية في السياسة: جهود إدارة أيزنهاور لتشكيل تحالف أمني إقليمي مُوجَّه ضد عبد الناصر والسوفييت، وسياسة "حجرَي الأساس" التي ساهم في ظلها كلٌ من شاه إيران والسعودية في الحفاظ على توازن القوى في الخليج العربي، ومبدأ كارتر الذي نص على التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن السعودية ضد الاتحاد السوفييتي الأقوى وإيران الثورية، وجهود إدارة ريغان لضمان عدم بروز آيات الله في إيران أو صدام حسين كقوتين مهيمنتين في الخليج العربي.

واتُّبِعَت تلك السياسة الأخيرة من جانب الرئيس جورج بوش الأب، بقراره استخدام القوة العسكرية لإجبار صدام على الخروج من الكويت، والرئيس بيل كلينتون بسياسة "الاحتواء المزدوج" تجاه العراق وإيران.

وفي هذا السياق، كان يُفتَرَض دوماً أنَّ التقدُّم في محادثات السلام بين الدولة اليهودية وجيرانها العرب سيؤدي إلى تقليص تكلفة الانخراط الأميركي في المنطقة، والتي ارتفعت نتيجة التلاعب بالمصالح الاستراتيجية الأميركية في العالم العربي ودعم إسرائيل.


عندما توافق السعوديون والإسرائيليون ضد عبد الناصر


وبالفعل، ساعدت جهود الرئيس نيكسون -وسلفه جيرالد فورد، ثُمَّ لاحقاً جيمي كارتر- الرامية إلى إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل وإدخال القاهرة إلى المعسكر الأميركي، في تحقيق تلك الأهداف الاستراتيجية الأميركية طويلة المدى.

وشجَّعت الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط أيضاً اثنين من البلدان الإسلامية غير العربية الموالية للغرب؛ تركيا وإيران -مع كون الأخيرة دولة غير سُنّيّة كذلك- على العمل معاً إلى جانب إسرائيل في احتواء تهديدات مصر الناصرية وحليفها السوفييتي. ولذا، لم يكن مفاجئاً أن يحافظ شركاء أميركا السعوديون والإسرائيليون هم أيضاً على مستوى ما من التعاون طويل الأمد في المسائل الأمنية والاستخباراتية.

ودعمت السعودية، العضوة بالجامعة العربية، القضية الفسطينية ودعت للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وقادت مقاطعةً اقتصادية للدولة اليهودية لسنواتٍ عدة، رغم أنَّها لم تضطلع بدورٍ نشط في الحروب العربية معها.

ولو أنَّ الإسرائيليين والسعوديين، الذين اعتبروا مصر الناصرية والقوميين العرب العلمانيين تهديداً لمصالحهم، عملوا معاً خلف الكواليس لرفع تكلفة التدخُّل المصري في الحرب الأهلية اليمنية في الستينيات، وهي الحرب التي دعمت فيها كلٌ من القاهرة وموسكو الثوار المناهضين للملكية.


تشدد القومية العربية


وأرغم انتصار إسرائيل العسكري في حرب الأيام الستة عبد الناصر على سحب معظم القوات المصرية من اليمن في نهاية المطاف. لكن في الوقت نفسه، عجَّل انتصار إسرائيل أيضاً بتشدُّد القومية العربية والفلسطينية، ومنح موسكو فرصاً أكثر للتدخُّل في المنطقة. ونتج عن ذلك، فرض ضغوطٍ على السعوديين لدعم الحملات العربية الدبلوماسية والعسكرية اللاحقة التي قادتها مصر ضد إسرائيل.

وبالفعل، خلقت الثورة في إيران والغزو السوفييتي لأفغانستان حوافز من أجل تعاونٍ استخباراتي من خلف الستار بين الإسرائيليين والسعوديين. لكنَّ ذلك لم يتطوَّر قط إلى شراكة صلبة لسببٍ بسيط للغاية: الفشل في التوصُّل إلى تسويةٍ فلسطينية-إسرائيلية. وقد حال ذلك -ولا يزال- دون إقامة تحالفٍ استراتيجي طويل الأجل بين إسرائيل والعرب في الشرق الأوسط.


إزاحة المستبدين العرب


لكنَّ الأمور تغيَّرت بعد هجمات الـ11 من سبتمبر/أيلول. فبعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي، كانت ثمة مخاوف لاحقة لدى واشنطن من أنَّ الدعم الأميركي للمستبدين في المنطقة، ودعمها لإسرائيل، يُثيران المشاعر المعادية لأميركا، بما في ذلك أشكال محتملة من الإرهاب.

وقرَّر صانعو السياسة الأميركيون أنَّ إزاحة المستبدين العرب عن السلطة باستخدام القوة العسكرية أو عبر مساعدة المتمردين المناهضين للحكومات، إلى جانب تسريع عملية السلام العربية-الإسرائيلية، من شأن ذلك كله أن يجعل انتهاج استراتيجية في المنطقة أمراً أكثر سهولة.

تقوية إيران والعودة للمربع الأول
وغني عن القول إنَّ ذلك لم ينجح كما كان مُتوقَّعاً؛ بل أدَّت السياسة الأميركية في نهاية المطاف إلى تحويل العراق من قوةٍ عسكرية ساعدت في موازنة إيران بالخليج العربي إلى حليفٍ لإيران، كل ذلك مع تقوية توابع طهران في المنطقة.

وبطريقةٍ ما، يجد صناع السياسة الأميركيون الآن أنفسهم وقد عادوا إلى المربع الأول: فلا يزالون ملتزمين بالدفاع عن السعودية -والقدرة على الوصول إلى مصادر الطاقة بالمنطقة- وإسرائيل، في ظل تحذير كلا البلدين، السعودية وإسرائيل، من أنَّ ظهور إيران أكثر قوةً من شأنه أن يُمثِّل تهديداً لمصالحهما. وتمارس الدولتان، إلى جانب مصر وحكومات عربية سُنّيّة أخرى، ضغطاً على واشنطن من أجل المساعدة في إعادة تأسيس الوضع الراهن القديم بالمنطقة، ليس عبر التخلِّي عن مسألة الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط وحسب؛ بل أيضاً بالتصدي لما تعتبره تلك الدول توجُّه طهران الرامي إلى تحقيق التفوق الإقليمي.


الشراكة الأميركية مع خامنئي


وفي حين أصرّ الرئيس أوباما على أنَّ الاتفاق النووي مع إيران لم يكن أكثر من مجرد محاولة لتجميد البرنامج النووي العسكري لذلك البلد، هناك الموجودون في واشنطن وغيرها ممَن يرون أنَّه ينبغي النظر للاتفاق النووي باعتباره جزءاً من انفتاحٍ دبلوماسي أميركي طويل الأجل على طهران.

ويؤكِّد هؤلاء أنَّ استيعاب إيران سيخدم المصالح الأميركية بصورةٍ أفضل من الحفاظ على الشراكات الاستراتيجية الحالية مع السعودية وإسرائيل.

لكن، ليس واضحاً ما إن كان هذا النهج المخالف لرأي الأغلبية، والقائم على فكرة تحقيق انفراجٍ دبلوماسي مع جمهورية إيران الإسلامية، قابلاً للتطبيق.

فلماذا قد يقبل الإيرانيون بما تُسمَّى "صفقةً كبرى" مع الولايات المتحدة، من شأنها أن تتضمن -على سبيل المثال- قطع علاقاتها العسكرية مع حزب الله اللبناني، والاعتراف بإسرائيل، والتخلي عن أي جهودٍ تهدف إلى الحصول على قوة نووية عسكرية -وهي الأمور التي تُمثِّل فقط بعض المطالب الأميركية في أثناء المفاوضات- في حين يشعر الإيرانيون بأنَّهم الآن في مقعد القيادة الإقليمية، بينما يبدو الأميركيون في وضعيةٍ دفاعية ويفتقرون إلى الإرادة لتحدِّيهم بساحة المعركة؟


خطة ترامب للتعامل مع طهران


وفي حين وُجِّهت الكثير من الانتقادات للسعودية ونجمها الصاعد، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بسبب تأجيجها المزعوم للتوتُّرات في الشرق الأوسط- تُشير معظم المؤشرات إلى أنَّ الإيرانيين ليسوا بصدد التخلِّي عن خططهم الرامية إلى أن يصبحوا مركز القوة الشيعية في المنطقة.

وباختصار، لا توجد أي دلائل على أنَّ إيران توقَّفت عن كونها لاعباً إقليمياً راغباً في إحداث تغيير، في الوقت الذي تعود فيه الولايات المتحدة للعب دورها التقليدي كقوة مُحافِظة على الوضع الراهن بالشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يجب أن تتجنَّب الولايات المتحدة أن يجري استدراجها إلى حربٍ بين السُنّة والشيعة بالمنطقة، مع اتخاذ خطوات للحفاظ على توازنٍ عسكري بين السعودية وإيران.

وهذا هو النهج نفسه الذي تبنَّته الولايات المتحدة في أثناء الحرب بين العراق وإيران بالثمانينيات.

وعكس المحاولات الفاشلة من جانب جورج بوش الابن للقيام بتغييرٍ للنظام ومهمة لإعادة بناء الأمة في العراق، يشبه الجزء الأكبر من الاستراتيجية التي يُطوِّرها الرئيس ترامب ضد إيران الآن تلك التي دعا إليها وزير الخارجية آنذاك كولن باول: احتواء عراق صدام حسين عبر الوسائل الدبلوماسية والعسكرية.

وكجزءٍ من العودة إلى دورها الأكثر تقليدية بالشرق الأوسط، يجب على واشنطن أن تستمر في محاولة دفع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين أسوةً بما يُسمَّى "المبادرة السعودية" لعام 2002 في صورة مقترحٍ لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل. وفي المقابل، انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 وإيجاد "تسوية عادلة" للمشكلة الفلسطينية.

ويبدو تجديد الجهد الأميركي في هذا الاتجاه، بدلاً من "تحالفٍ" سعودي-إسرائيلي وهمي، خياراً أكثر واقعية، وقد يساعد في تعزيز المصالح طويلة الأجل للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. وأن تُوجِّه، في أثناء ذلك، توازن القوى بالشرق الأوسط تجاه هؤلاء الحلفاء.