حرب حقيقية بعد معارك إعلامية.. أي "الحليفين" يلتهم الآخر.. الحوثي أم صالح؟

تم النشر: تم التحديث:
YEMEN
| Mohammed Hamoud via Getty Images

بعد أشهر من معارك إعلامية بين "الحليفين"، جماعة "أنصار الله"، بزعامة عبد الملك الحوثي، والرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح (1978-2012)، باتت العاصمة صنعاء، التي يسيطرون عليها منذ أكثر من 3 أعوام، مسرحاً لحرب حقيقية بين دبابات ومدافع، وليس قنوات تلفزيونية وصحف مطبوعة ومواقع إلكترونية.

هذا المشهد، وفق مراقبين، كان متوقعاً، لاسيما منذ مهرجانات 24 أغسطس/آب الماضي، التي استعرض فيها كل طرف قوته منفرداً بالحشد في صنعاء.

لكن غير المتوقع هو تأييد التحالف العربي وحليفته الحكومة الشرعية صراحة لصالح، الذي كانوا يتهمونه حتى الأمس بالشراكة مع الحوثيين في الانقلاب، عبر إفساح الطريق أمامهم لدخول صنعاء، يوم 21 سبتمبر/ أيلول 2014.

ومراراً اتهمت قيادات حوثية صالح بالتواصل مع دول التحالف العربي سراً، والبحث عن تفاهمات معها بعيداً عن حليفته (الجماعة)، وهو ما نفاه الرئيس السابق أكثر من مرة.

التطور الأخطر

وتمثل معركة صنعاء التحول النوعي الأخطر في مسيرة الحرب منذ 3 أعوام، فبعد أكثر من 18 شهراً من المواجهات، التي تخوضها القوات الحكومية، بإسناد جوي من التحالف، في مديرية "نهم" شرقي صنعاء لهدف التوغل نحو العاصمة، جاءت المفاجأة من داخل صنعاء نفسها.

وبعد مناوشات دامت يومين تطورت المواجهة بين الحليفين السابقين إلى معارك حقيقية شاركت فيها دبابات، لكن لا تزال الصورة غامضة بشأن ما قد تؤول إليه هذه الجولة من الحرب بين صالح والحوثيين، المتهمين بتلقي دعم عسكري من إيران.

خلال اليوم الأول من المواجهات، تلقت جماعة الحوثي ضربة معنوية كبيرة جعلت زعيمها يخرج، خلال ساعات، في خطابين متتاليين، محاولاً استرجاع صالح إلى الحوار، وواصفاً إياه، خلافاً للعادة، بـ"الزعيم"، لكن رغم كل ذلك ما زال مسلحو جماعة الحوثي مسيطرين على معظم مربعات العاصمة.

خارطة صنعاء

منذ اجتياحها قبل ثلاثة أعوام والعاصمة عملياً تحت سيطرة الحوثيين تماماً، وهو ما كانت تكشف عنه حواجز التفتيش، نظراً لوجود شعاراتهم في تلك النقاط.

فيما ظلت مربعات من الجهة الجنوبية لصنعاء، وعلى رأسها منطقة "حدة" و"السبعين" و"الحي السياسي" و"شارع الجزائر"، خالية من تلك النقاط، ربما بناء على اتفاقات، كونها تضم منازل ومقرات تابعة لصالح وأفراد عائلته العسكريين.

وخلال الساعات الماضية، بدت صنعاء منقسمة جغرافياً بطريقة تشبه ما جرى عام 2011، عند انطلاق الثورة الشبابية على الرئيس صالح آنذاك، حيث سيطرت القوات المؤيدة للثورة على المربع الشمالي من العاصمة، فيما ظلت الجبهة الجنوبية في أيدي قوات الحرس الجمهوري الموالية لصالح.

واندلعت شرارة المعركة بين الحليفين الحوثي وصالح في شارع الجزائر، بعد اتهامات حزب المؤتمر، بزعامة صالح، للحوثيين بالسعي إلى اقتحام منزل العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس السابق، إضافة إلى جامع الصالح.

وأعلنت قوات صالح السيطرة على شارع الجزائر والحي السياسي والمصباحي والسبعين، إضافة إلى معسكر 48 الاستراتيجي جنوبي العاصمة.

لكن جماعة الحوثي سارعت إلى إعلان استعادة غالبية تلك المواقع، ودفعت بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى صنعاء من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، كما دفع صالح بتعزيزات مماثلة من المناطق الخاضعة لسيطرته.

التحالف والقبائل

ورغم سقوط عشرات القتلى والجرحى، إلا أن مراقبين يرون أن المعركة لم تبدأ بعد، وأن صنعاء ستشهد معركة صعبة وغير مسبوقة.

وقال المحلل السياسي اليمني، ماجد المذحجي: "أتوقع أن يشهد اليومان القادمان معركة تموضع للطرفين، واشتعال المعركة في الجزء الجنوبي من صنعاء".

وتابع موضحاً: "في تقديري المعركة ستشتعل في الجزء الجنوبي من صنعاء.. صالح سيسطر على الضاحية الجنوبية من العاصمة، مع محاولات للتعامل مع مربعات التموضع، والحوثيون سيحاولون فك هذه السيطرة، والتمركز بقوة أكبر في شمالي صنعاء حيث يمتلكون حاضنة اجتماعية لهم".

ورأى المذحجي أن "سيناريو معركة صنعاء سيعتمد على عاملين، الأول هو طبيعة تدخل التحالف وقدرته على استهداف إمدادات الحوثيين، إضافة إلى قدرة أحد الطرفين على استمالة القبائل المحيطة بصنعاء، وهي قبائل خائفة ومترددة، ولا تدري حالياً في أي معسكر تقف".

وتوقع "أن يحظى صالح بدعم أكبر، خلال الأيام القادمة، من التحالف العربي.. نتفق أو نختلف، صالح الآن يخوض معركة نيابة عن كل الأطراف، وسيحظى بدعم استخباراتي وأمني لتعزيز معادلته مع الحوثي".

واعتبر المحلل اليمني أن "صالح لن يخرج من هذه المعركة باعتباره الطرف القوي، فالمعركة ستلتهم القوة التي راكمها لفترة طويلة (..) هذه معركة قاسية على جميع الأطراف".

سقف التوقعات

خلافاً للمناطق الجبلية والمفتوحة، إن للمعارك في المدن طبيعة خاصة، وهو ما ثبت في مدينة تعز (جنوب غرب) بين الحوثيين والقوات الحكومية، حيث كان التقدم المحرز فيها لأي طرف بطيئاً، والإنجازات محسوبة بالسيطرة على مبان وليس أحياء بالكامل، وهو ما قد تشهده صنعاء حالياً.

ووفق الكاتب والمحلل السياسي اليمني، غمدان اليوسفي، فإن "رفع سقف التوقعات بشأن معارك المدن أمر غير منطقي، وينحو منحى دعائياً أكثر منه واقعياً، في حال الحديث عن الوضع العسكري".

اليوسفي مضى قائلاً: "من الصعب الخلاص من حرب المدن بالبساطة التي سيقت في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ذات التوجه المسبق".

وأضاف: "صحيح أن صنعاء سقطت بسهولة غير متوقعة في يد الحوثي، لكن ليس لضعف الطرف المواجه للحوثيين (القوات الحكومية)، وإنما لعدم وجوده أساساً".

وتابع: "واليوم لن يكون من السهولة إخراج الحوثي من صنعاء، لكنه ليس مستحيلاً، على الأقل حين نتحدث عن خصم (صالح) خبِر الخصومات السياسية والعسكرية، وبالتأكيد لن يكون لقمة سائغة بيد الحوثي".

حلفاء صالح

بعد بيانات تأييد علنية لما يقوم به صالح، ووصفه بـ"الانتفاضة"، شن التحالف العربي، الذي يدعم القوات الحكومية منذ 26 مارس/آذار 2015، غارات على مواقع حوثية في صنعاء، لمساندة الرئيس السابق.

كما شن التحالف أربع غارات على تعزيزات حوثية هاجمت منزل الزعيم القبلي، مبخوت المشرقي، المرتبط بعلاقة مصاهرة مع صالح، في مديرية "خمر" بمحافظة عمران (شمال)، لكن ذلك لم يحل دون هزيمة المشرقي، الذي سلم نفسه للحوثيين، صباح أمس الأحد.

هزيمة حلفاء صالح أمام الحوثيين قد تنعكس سلباً على بقية القبائل، مالم يتوفر دعم حقيقي من التحالف والتحام للقوات الشرعية مع قوات صالح في أكثر من منطقة، وفق مراقبين.
وأعرب اليوسفي عن اعتقاده بأن المشهد "سيظل معقداً لفترة من الزمن، وإذا شعر صالح بخذلانات من الداعمين الإقليميين، فلن يصل صالح إلى مرحلة متقدمة (في مواجهة الحوثي)".

الوضع الإنساني

شكلت صنعاء منطقة آمنة لمئات الآلاف من اليمنيين، الذين قدموا إليها من محافظات مختلفة، لكن ساعات من المعارك حولتها إلى جحيم، حيث صارت وكأنها مدينة أشباح، واختفت الخدمات، وخاصة في الجهة الجنوبية منها.

وقال شهود للأناضول إنه تم إغلاق الشوارع والأحياء الجنوبية للعاصمة بالكامل، وأعربوا عن خشيتهم من انقطاع المواد الغذائية على أكبر تجمع سكاني.

وشدد اليوسفي على أن "الوضع الإنساني هو الحلقة الأضعف.. ستتفاقم المعاناة المتفاقمة أساساً، وهذه الحرب ستكون جديدة على المشهد اليمني كحرب شوارع كاملة التسمية والمعنى".

وتسببت الحرب في تدهور الأوضاع في أفقر بلد عربي، حيث بات 21 مليون يمني (حوالي 80% من السكان) بحاجة إلى مساعدات إنسانية، كما يفتقر نحو 15 مليوناً إلى الرعاية الصحية الكافية، فضلاً عن مقتل وجرح عشرات الآلاف من المدنيين، وتشريد نحو ثلاثة ملايين آخرين، وفق الأمم المتحدة.