رافضوه يلجأون لمنعه عبر العالم الافتراضي ومؤيدوه يخشون خيانة الأمانة.. قصة المسجد الذي يثير صراعاً بين سكان أكادير

تم النشر: تم التحديث:
MOROCCO MOSQUE
A picture shows the Great Mosque of Sale on November 24, 2017. / AFP PHOTO / FADEL SENNA (Photo credit should read FADEL SENNA/AFP/Getty Images) | FADEL SENNA via Getty Images

لطالما كان بناء المساجد بالمغرب مدْعاةً للترحيب، وطريقاً سالكاً للمُحسنين لكسب الثواب والأجر. إلا أن مشروعاً حديثاً لبناء مسجد أُطلق عليه اسم "يوسف بن تاشفين"، بضواحي مدينة أكادير، جنوبي البلاد، لاقى معارضة من طرف بعض المواطنين، الذين أطلقوا حملة لتوقيع عريضة توقف البناء، في سابقة من نوعها في تاريخ المملكة المغربية.


أولويات


شباب منطقة "أنزا العليا" لم يحفَلوا كثيراً بهذا المشروع، الذي سيُكلِّف ميزانية تقدَّر بـ36 مليون درهم (حوالي 3.3 مليون دولار)، حيث أطلق معترضون على هذه الخطوة حملة على موقع الحملات الدولية "آفاز"، منتقدين "المبلغ الخيالي" المخصص لبناء مسجد ضخم لفائدة سكان حي فقير يصل عددهم لـ40 ألف نسمة.

وأوضحت تفاصيل العريضة، المُنشأة من طرف محمد رضا الطاوجني، والقاطن بمدينة أگادير، أن مركز الشباب بالمنطقة لم يتمكن أبداً من فتح أبوابه بسبب نقص الموارد المالية، كما أن المُستوصَفين لا يفتحان سوى ساعة أو ساعتين يومياً، ولا يتوفران على معدات أو أدوية لتلبية حاجيات السكان، فيما تغيب المرافق الرياضية تقريباً، لا مسارح ولا مكتبات، ولا مراكز لغسيل الكُلى، ولا مدرسة للأطفال الذين يعانون من إعاقات مختلفة، ودون مخفر للشرطة حتَّى.

ولفتت العريضة، التي استطاعت حصد توقيعات 1000 من الرافضين لبناء المسجد، انتباه السلطات العمومية المحلية إلى أن بناء مسجد ضخم بتكلفة باهظة ليست أولوية في منطقة تفتقر لكل شيء، موضحة أن هذه الأموال لا بُدَّ أن تستثمر في تشييد المرافق الاجتماعية الضرورية والمفيدة للساكنة.


استنكار وعرقلة


الجمعية الموكل لها ببناء المسجد، لم تقف مكتوفة الأيدي حُيال العريضة الإلكترونية، مهددة بممارسة حقها في اللجوء للقضاء، وفق ما أكده رئيسُها عزيز بنبريك لـ"هاف بوست عربي"، الذي اعتبر أنه لا وجود للعريضة، مشيراً إلى أن "العمل الديني لا يؤمن بالعالم الافتراضي، بل بوقائع وتوقيعات ملموسة وعلى أرض الواقع".

وقال بيان لجمعية "بناء مسجد يوسف بن تاشفين"، إن المحسنين المهتمين ببناء المسجد هم المساهمون مادياً في ذلك، فيما قامت سلطات الدولة بالجانب التأطيري، وتوفير النصائح والمعلومات بشأن المساطر الإدارية والإجراءات المفروض اتباعها لإنجاز المشروع.

وردّاً على مطلب تحويل الأموال المخصصة لبناء المسجد صوب إنجاز مرافق اجتماعية أخرى، اعتبرت الجمعية أن هذه الخطوة تعد "خيانة أمانة موكولة لها من طرف محسنين أمدوا الجمعية بأموال لبناء المسجد دون أغراض أخرى".

وانتقد البيان بشدة ما جاءت به العريضة الرافضة لبناء المسجد والواقف وراءها، مستنكرة الخطوة، واصفة إياها بـ"عرقلة للعمل الخيري المشروع قانوناً وتشويشاً على العمل الجمعوي".


تدخل ملكي


صاحب العريضة الإلكترونية، أبى إلاَّ أن يُنزِّلها على أرض الواقع، ويوصلها لمسؤولين على أعلى مستوى، عامداً إلى توجيه رسالة للملك محمد السادس باعتباره أميراً للمؤمنين، مطالباً إياه بالتدخل لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قصد إشرافها على المتطوعين الراغبين في بناء مساجد ضخمة لتمويل مشاريع اجتماعية واقتصادية، وغيرها من البنى التحتية في المدن أو الأحياء.

ولفت رضا الطاوجني، مدير نشر سابق لإحدى الجرائد الوطنية، إلى أن "بناء مسجد ضخم في حي فقير ليس أولوية، خاصة أن الحي يضم 40 ألف شخص"، موضحاً أنه "في حال كان هناك نقص في البنى التحتية يصبح بناء المساجد الفخمة ثانوياً، ضماناً لرفاه السكان".

وقال صاحب الرسالة الموجهة لديوان الملك محمد السادس "أنا مسلم، وأستطيع الصلاة في أي مكان وحتى داخل سيارتي، إلا أنه ليس بإمكاني تلقي العلاجات خارج مستشفى مجهز، كما أن الشباب بحاجة لأحياء نظيفة وآمنة، والعيش بكرامة".


إساءة للمغاربة


وفي الوقت الذي استحسن فيه مدونون مغاربة هذه الخطوة، وعلى رأسهم الباحث في قضايا الإسلام والشريعة، عبدالوهاب رفيقي، الذي هنأ سكان الحي على هذه الخطوة، مثنياً عليها بالقول "برافو لساكنة حي أنزا... موقف يستحق كل تقدير"، حسب تعبيره، ذهب رئيس الجمعية إلى اعتبار أن العريضة تسيء للمغاربة ولساكنة حي "أنزا".

وأوضح عزيز بنبريك، رئيس جمعية بناء المسجد المثير للجدل، أن عملية تمويل المسجد تمت عن طريق الإحسان العمومي، لافتاً إلى أن صاحب العريضة ليس من ساكنة الحي، وأكد أن التوقيعات الـ1000 على العريضة ولا واحدة منها لأحد شباب "أنزا العليا"، وفق تقديره.

وأبرز بنبريك ضمن حديثه لـ"هاف بوست عربي"، أن الحي المذكور يتوفر على مُركب تربوي، وعلى آخر سوسيو رياضي ومركب اقتصادي، بالإضافة إلى حضانة، ومؤسسة للتكوين المهني، ومدارس، ومستوصف يقدم خدماته للساكنة، لافتاً إلى أن ثانوية في طور البناء.

وأشار الفاعل الجمعوي، أن عملية بناء المسجد الممول من طرف المحسنين وفاعلي الخير في أطوارها الأولى، حيث انطلقت عملية حفر الأسس، وأفاد أنهم سيقومون بتوجيه دعوة للملك محمد السادس قصد أداء أول صلاة جمعة داخله عند استكمال تشييده.

رفْض بناء المسجد بمدينة أگادير، أثار جدلاً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء حد التناقض فيمن يرى أن "قمة العبث تتجلى في بناء مسجد بالمليارات، بينما الحي مهمش وفقير"، وبين من اعتبر أنه "لا تتم ملاحظة ارتفاع الميزانية إلا إذا تعلقت بالمساجد، وأن نقاش طرق صرف أموال مدفوعة من جيوب المحسنين لا يستوي".


مجتمع حيوي


هذا الجدال الواسع المثار لأول مرة بالمغرب، عدَّه رشيد الجرموني الباحث في علم الاجتماع تحولاً للقيم داخل المجتمع المغربي، الذي دخل مرحلة إعادة بناء منظوره للقيم، بعيداً عن الإجماع والمرجعية المتفق حولها.

وأفاد الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، لـ"هاف بوست عربي"، أن المجتمع المغربي بات يمتلك جرأة وقدرة على طرح مواضيع تتعلق بالمقدسات والنقاش حولها، وبالتالي عقلنة الفعل الإحساني والديني.

وأشار المتحدث إلى أن ما يقع دليل على حيوية المجتمع، ويعكس اختيارات جديدة في ظل سؤال عن الأولويات، منقسمة ما بين الطقوس والمقدس، أو التنمية، وعلى رأسها التعليم والصحة.