الدين والانتقام تسبّبا في وقوع الهجوم الأعنف بمصر.. واتهامات للجيش والشرطة بالتخاذل في مذبحة الروضة

تم النشر: تم التحديث:
ARRWDH
الروضة

في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، سلمت مجموعة صغيرة من الشيوخ بقرية بئر العبد، غربي العريش شمال شبه جزيرة سيناء، ثلاثة أشخاص، مُتهمين بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، لقوات الأمن المصرية، ولم تكن هذه هي المرة الأولى، فقد سلموا سبعة أشخاص آخرين على الأقل بالتهمة ذاتها في الأشهر القليلة السابقة، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وبعد ثلاثة أسابيع، اقتحم مسلحون مسجداً مكتظاً في بئر العبد، أثناء صلاة الجمعة، وقتلوا 311 شخصاً في أسوأ هجومٍ إرهابي شهدته البلاد.

وفي حين تعود جذور هذا الهجوم إلى تزايد التوتُّرات الدينية بين داعش في سيناء وسكان البلدة، البدو الذين ينتمون إلى الصوفية، على نطاقٍ واسع، وهي مدرسة باطنية في الإسلام تعتبرها الجماعة المسلحة بدعة، يبدو أنَّ دافع الهجوم يتجاوز حدود الخلاف الديني.

إذ قال بعض السكان والمسؤولون إنَّ الهجوم كان رداً على تعاون القرية مع الجيش المصري، وتحذيراً وحشياً من عواقب أي تعاونٍ جديد.

فقال غازي سعد، عضو البرلمان المصري عن شمال سيناء، تعليقاً على الهجوم: "أثق بأنَّ هذا الهجوم كان عملاً انتقامياً، والأمر لا يتعلق بالصوفية فحسب. لقد حاولوا بوضوحٍ إرسال رسالة إلى سكان القرية".

hadtharrwdh

ووفقاً لما ذكره القادة المحليون، تُعد بئر العبد منذ فترة طويلة إحدى أكثر البلدات دعماً للجيش في سيناء، ويعود ذلك إلى الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك عام 2011، حين اقتحم مسلحون ومجرمون مراكز الشرطة، واستولوا على أسلحةٍ أثناء الانتفاضة، فأخذ السكان السلاح ثم أعادوه إلى السلطات في عام 2014، بعدما استعادوا السيطرة على المنطقة. وقال مسؤولون محليون إنَّ مئات الشباب من المنطقة يتقدمون للالتحاق بالشرطة والخدمة العسكرية كل عام، رغم رفض طلباتهم بصورةٍ متكررة، لأنَّ الدولة لا تثق بالبدو.

وقال سعد: "إنَّهم يحبون الجيش والدولة، ولذلك أراد الإرهابيون معاقبتهم".

ولم تعلن أي جهةٍ مسؤوليتها عن الهجوم إلى الآن، لكنَّ داعش اختار المدينة لتدميرها، فضلاً عن رفع المهاجمين أعلامَ التنظيم أثناء الهجوم.


تفاصيل جديدة للهجوم الدامي


حين بدأ المسلحون في إطلاق النار على المصلين باستخدام مدفع رشاش، انبطح صبيان يبلغان من العمر 10 و15 عاماً أرضاً داخل حمام المسجد، ولم يبرحا مكانهما، واستمعا لأصوات الصراخ وإطلاق النار.

ووفقاً لوالدة الصبيين، دخل مسلحان الحمام بعد فترةٍ من الوقت للتأكُّد من أنَّهم لم يتركوا أحداً. وبينما كانوا يركلون كل الأبواب لفتحها، سأل أحدهم "كم شخصاً قتلت؟ فأجابه آخر "مائة". وأضافت، قبل وصولهم إلى حيث يختبئ الأولاد، توجَّه إليهم مسلحٌ ثالث وأخبرهم بالتوجُّه إلى موقعٍ آخر. وهكذا نجا الصبيان.

جاء هذا الهجوم بعد أكثر من عامٍ على تصاعد التوتُّر بين مقاتلي داعش والصوفيين في الروضة، أحد أحياء بئر العبد. وقد بدأت الحملة، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، بقطع رأس رجل دينٍ صوفي مُسِن من قريةٍ بالعريش لاتهامه بممارسة السحر.

وبعد ثلاثة أسابيع، وفي مقابلةٍ نُشِرت في مجلةٍ تابعة لداعش، استنكر أحد قادة التنظيم في سيناء الممارسات الصوفية باعتبارها "سحراً وتنجيماً"، ووضع الروضة ومنطقتين صوفيتين أخريين ضمن المناطق التي يعتزم التنظيم "اجتثاثها".

وسرعان ما أعقب ذلك هجمات على ثلاثة أضرحة صوفية في المنطقة.


بداية التهديدات


وقال فكري إسماعيل، الذي قُتل شقيقه في الهجوم: "في كل مرةٍ يبنون فيها ضريحاً جديداً يسارع المسلحون لهدمه، ثم بدأت التهديدات بعد ذلك".

بدأ المسلحون بإرسال رسائل نصية إلى شيوخ القبائل وتوزيع منشوراتٍ تدعو الناس للتخلّي عن الصوفية و"العودة إلى الإسلام".

واتصلوا ببعض السكان بالهاتف، وهدَّدوهم بالقتل إذا لم يتركوا الممارسات الصوفية مثل بناء الأضرحة وتعظيم الأولياء، وهو ما يعتبرونه شِركاً.

وقد هاجموا منزل الشيخ حسين الجرير، رجل الدين المحبوب هناك، مرتين.

وأرسلوا رجالاً إلى المسجد لمطالبة الإمام بالدعوة إلى الجهاد، لكنَّه رفض.

كان معظم سكان الروضة يخشون المسلحين، لدرجة عدم الإبلاغ عنهم، لكنَّ بعض الشيوخ توجّهوا إلى الشرطة.

وقال مسؤولون محليون إنَّ هذه الشكاوى لم يجرِ تجاهلها، لكنَّ السلطات منحت الأولوية لعملياتٍ أمنية أخرى في المنطقة. ولم يظن أحدٌ أنَّ المسلحين سيهاجمون مسجداً.

وعَمَدَ الجيش إلى تحسين العلاقات مع قادة البدو في مختلف مناطق سيناء هذا العام. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت قبيلة الترابين، وهي واحدة من أكبر القبائل في سيناء، أنّها ستساعد الجيش على مطاردة عناصر داعش.

وبعد وقت قصير من الإعلان، قُتِل عددٌ من السكان المحليين ممن يُعتَقَد أنَّهم يتعاونون مع الحكومة في الروضة ومناطق أخرى. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، اختطف داعش 14 شخصاً وسط سيناء، واستجوبهم على خلفية اتهامهم بالعمل كمخبرين للأمن المصري.


التنظيم وحالة من الاضطراب


وفي الوقت نفسه، كان التنظيم يواجه حالة اضطراب. فمع انهيار الخلافة الواسعة في العراق وسوريا، اضطر للاعتماد أكثر على فروعه الأخرى، مثل ذلك الفرع النشط في سيناء، لنشر تكتيكات الكراهية الطائفية والانقسام.

وتُعَد ولاية سيناء، التي نشأت بعدما أطاح الجيش المصري بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في عام 2013، واحدةً من أكثر فروع داعش نشاطاً، وتُعَد هي المسؤولة عن إسقاط طائرةٍ روسية في عام 2015، ما أسفر عن مقتل 224 شخصاً.

لكنَّها انقسمت منذ ذلك الحين إلى فصيلين، وهذا التقسيم -وفقاً لمسؤولي الأمن والسكان- قد يمدنا بتفسيرٍ أفضل لمذبحة مسجد الروضة.

فبعد محاولة الولاية وفشلها في الاستيلاء على إحدى البلدات شرقي سيناء في عام 2015، شنَّ الجيش حملةً جوية مُدمِّرة تسبَّبت بحالةٍ من الفوضى والضعف للجماعة، ودفعت مجموعة ضعيفة متشظية من التنظيم غرباً إلى العريش، فبدأت المجموعة الموجودة في العريش بقبول مُجنَّدين من خارج المنطقة، من البر الرئيسي لمصر خارج سيناء، وبلدان مجاورة كسوريا والسودان وليبيا، ممن لا تجمعهم روابط قبلية مع بدو قرية الروضة.

وقال أحمد صقر، وهو مسؤولٌ سابق بارز في سيناء وخبير في الحركات المُتشددة هناك: "يُمكننا الجزم بأنّ الهجوم على المسجد قد نفَّذته مجموعة العريش"، وأضاف أنَّ ولاية سيناء الإسلامية الرئيسية "لن توافق" على عمليات القتل الجماعي، لكنَّ مجموعة العريش تسعد بقتل أي شخص".

ومع أنَّ سيناء أرضٌ تئنّ من العنف، يبقى حجم الهجوم على مسجد الروضة، الجمعة الماضية، أمراً مفزعاً.

إذ اقتحم المسجد أكثر من 20 مسلحاً مستخدمين 5 سيارات، وذلك بعدما امتلأ المسجد عن آخره خلال صلاة الجمعة، ففجَّر المسلحون عبوة ناسفة ثم انهالوا على المصلين بإطلاق النار.

وقد تمركز المسلحون خارج المسجد ونوافذه، لقتل مَن يحاولون الفرار، وجرى صفّ السيارات المتوقفة خارج المسجد، بحيث تعرقل الهروب.

وأوضح الإمام -الذي رفض الدعوة إلى الجهاد- أنَّه نجا عن طريق الاختباء تحت جثتين لصديقيه، وتظاهر بالموت، وقال إنَّه في لحظةٍ ما وقف أحد المسلحين قبالة رأسه للتأكُّد من موته بالفعل.

وبعدما قتلوا أكبر عددٍ ممكن من الناس في المسجد، من بينهم 27 طفلاً، ذهب بعض المسلحين إلى المنازل، فقتلوا أي رجلٍ وجدوه.

ويقول السكان والخبراء، إنَّ عاملاً آخر ربما أسهم في ارتفاع عدد القتلى.

فبالرغم من وجود ثلاث منشآت أمنية حكومية على بعد حوالي 19 كيلومتراً من المسجد، وصلت سيارات الإسعاف إلى مكان الحادث قبل قوات الشرطة والجيش، وذلك بحسب السكان وبعض الضحايا. وقد أرجعوا هذا التأخير إلى افتراضٍ ينتشر بصورةٍ واسعة، حتى بين بعض المسؤولين الأمنيين، بأنَّ قوات الأمن المصرية تخشى الصراع المسلح.

ولم يتسن الوصول إلى المتحدثين باسم الشرطة والجيش على الفور، من أجل التعليق على ذلك.

وقال صقر: "بغضِّ النظر عن الطريقة التي تنظر بها للأمر، كان بإمكان الحكومة تقديم المزيد".