السعوديون حاولوا تغيير قواعد اللعبة بلبنان وينتهجون سياسة إما معنا أو ضدنا واعتقدوا أن أميركا ستقف معهم.. المملكة تتهيأ لواقع جديد

تم النشر: تم التحديث:
MOHAMMAD BIN SALMAN
Mohammad Bin Salman

نشرت صحيفة The Wall Street Journal تقريراً حول تهيؤ السعوديين لواقع جديد بعد أحداث لبنان الدرامية خاصة بعد إدراكهم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس مستعد لوقوع حرب أهلية أخرى بلبنان للحد من سيطرة حزب الله.

تقرير الصحيفة يقول إن المملكة وإدارة ترامب يتشاركان بهدف كبح جماح النفوذ الإقليمي لإيران. لكنَّهما، كما تُظهر الأحداث الدرامية الأخيرة حول رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، لا يتفقان على التكلفة التي تُعَد مقبولةً لتحقيق ذلك.

وفي حين يظل لبنان تحت السيطرة المتزايدة لميليشيا حزب الله الموالية لإيران، فإنَّ لبنان يظل مركزاً إقليمياً مهماً وأحد البلدان القليلة في الشرق الأوسط التي نجت من الفوضى في أعقاب الربيع العربي عام 2011.

وعقب استقالة الحريري المُعلَّقة الآن، من الواضح أنَّ واشنطن وحلفاءها الغربيين - بعكس الرياض - ليسوا مستعدين للمخاطرة.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه كل من الولايات المتحدة والسعودية حزب الله منظمةً إرهابية، يتواجد حزب الله في الحكومة التي يترأسها الحريري ويحافظ على قوةٍ عسكرية هائلة مستقلة عن سيطرة الدولة، وهي القوة التي تلعب دوراً هاماً في الحرب في سوريا. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، ضغط حزب الله باتجاه انتخاب أحد حلفائه، العماد ميشال عون المسيحي، رئيساً للبلاد.

ومع ذلك، اتبعت إدارة ترامب بشكل عام سياسة التمييز بين حزب الله والدولة اللبنانية وفق The Wall Street Journal لتسير بذلك إلى حدٍ كبير على النهج الذي وضعه البيت الأبيض إبَّان حكم الرئيس السابق باراك أوباما.


أميركا ساعدت لبنان


وواصلت الولايات المتحدة دعمها للجيش اللبناني، متجاهلةً المخاوف بشأن تعاونه مع حزب الله، وامتنعت عن فرض عقوباتٍ اقتصادية يمكن أن تدمر السياحة أو الخدمات المصرفية الحيوية في لبنان.

الحكومة اللبنانية يرأسها سعد الحريري وهو سياسي سُني عارض منذ فترةٍ طويلة حزب الله الشيعي. وقد اتهمت محكمةٌ دولية أعضاء من حزب الله باغتيال والد الحريري، رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. في حين رفضت قيادة حزب الله هذا الاتهام.

وأصبح سعد الحريري رئيساً للوزراء كجزءٍ من اتفاقٍ يضم حزب الله جرى التوصُّل إليه العام الماضي لانتخاب عون رئيساً للبلاد، ورحَّب به الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض يوليو/تموز الماضي.


صبر السعودية نفد إزاء تصرفات الحريري


لكنَّ صبر السعودية وفق The Wall Street Journal نفد إزاء تصرفات الحريري في الأشهر الأخيرة. وتقول السعودية إنَّ خبراء حزب الله نشطون في اليمن، ويساعدون ميليشيات الحوثي الموالية لإيران على إطلاق صواريخ بعيدة المدى على المدن السعودية، وأرادت من الحريري اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حزب الله.

ويقول محمد يحيى، وهو مُحلِّلٌ سعودي وزميل غير مقيم بالمجلس الأطلنطي بواشنطن: "لدى السعودية مشكلة مع تناغم حلفائها الظاهريين في لبنان مع حزب الله وتوفير الغطاء السياسي له في حين لا يظهرون أي علامات على التصدي له. إنَّ استقرار لبنان مهم، ومنع نشوب حرب أهلية في لبنان أمر مهم كذلك، لكن هناك مصالح أمن قومي للسعودية في نهاية المطاف".

وحاول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أقام علاقاتٍ وثيقة مع إدارة ترامب، تغيير هذه الدينامية في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن طريق إجبار الحريري، الذي يحمل أيضاً الجنسية السعودية، على الاستقالة. وفي حين نفت السعودية إجبارها الحريري على الاستقالة، يقول دبلوماسيون غربيون ومسؤولون لبنانيون إنَّ رئيس الوزراء اللبناني مُحتجز بالقوة في الرياض عندما سجَّل فيديو خطاب استقالته. وقال الحريري في مقابلةٍ تلفزيونية مؤخراً إنَّه لا يريد أن يتحدَّث عما حدث في الرياض.


السعودية تتوقع أن تتبعها أميركا


وقال أحد المقربين للحريري في لبنان: "ينظر السعوديون إلى سعد الحريري كرهينةٍ لدى حزب الله، ويعتقدون أنَّ التعامل مع الوضع سيصبح أسهل بكثير إذا اختفت الرهينة".

وجاء هذا التحرُّك بعد تحولاتٍ مفاجئة أخرى في السياسة الخارجية السعودية، مثل الحصار الذي فرضته على قطر في يونيو/حزيران الماضي.

وقال فالي نصر، عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز الأميركية إنَّ "السعودية لأول مرة تتخذ قرارات إقليمية كبيرة دون استشارة الولايات المتحدة وتتوقع من الولايات المتحدة أن تتبعها وتدعم أيَّاً كان الشكل الذي ستكون عليه السياسة السعودية"، وفق The Wall Street Journal.

ورغم تغريدات ترامب الداعمة للأمير ابن سلمان، انتهى المطاف بالولايات المتحدة إلى عدم تأييد سياسة الرياض بشأن لبنان (أو، في هذا الصدد أيضاً، سياستها تجاه قطر). وقال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني إنَّ "الولايات المتحدة تحذر أي طرف داخل لبنان أو خارجه من استخدام لبنان كساحةٍ لصراعات الوكالة، أو بأي صورةٍ تُسهم في زعزعة استقرار هذا البلد".

لكن بدلاً من ذلك، وبعد ظهورهم بأنَّهم ألزموا الحريري بالإقامة في السعودية رغماً عنه بعد الاستقالة المعلنة، انتهى المطاف بالسعوديين وهم يواجهون رد فعلٍ دولي عنيف كشف حدود سلطتهم، والتمايز بين نهجهم الراديكالي ومصالح الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين.


السعوديون ينتهجون سياسة إمَّا معنا أو ضدنا


بعد تصريح تيلرسون وتدخُّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سمح السعوديون للحريري في نهاية المطاف بمغادرة الرياض. والأسبوع الماضي، عاد الحريري إلى بيروت واستُقبِل استقبال الأبطال وعلَّق استقالته على الفور.

وقال آلان عون، عضو مجلس النواب اللبناني البارز وابن أخ الرئيس عون: "حاول السعوديون تغيير قواعد اللعبة، لكنَّهم فشلوا في ذلك. لقد استهانوا بعواقب إجبارهم الحريري على الاستقالة والإقامة لديهم، وبالغوا في تقدير قدرتهم على القيام بذلك دون أن يلقوا مقاومة. والأهم أنَّهم استخفوا بالوحدة والتضامن اللبنانيين".

ومع اقتراب الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في شهر مايو/أيار المقبل، لا يوجد سوى قليلين فقط مستعدين لتبنّي النهج السعودي الجديد في لبنان، فوفقاً لـ The Wall Street Journal حتى داخل الطائفة السُنّيّة الكبيرة في البلاد، التي تُقدَّر نسبتها بنحو 27٪ من سكان البلاد، والتي كانت تصطف تقليدياً إلى جانب الرياض.

وقال سياسي سُنّي لبناني بارز: "أصبح السعوديون ينتهجون سياسة إمَّا معنا أو ضدنا. والسُنّة هنا يريدون أن يكونوا أصدقاء للسعودية، لكن لا يمكننا أن نكون معهم على طول الخط، خاصةً الآن وهم يخسرون على كل الجبهات".