استخفاف أوباما سبب انتصار روسيا.. قصة المستعرب الذي علَّم بوتين كيف يلعب بالشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
YY
ي

إنَّ أحد الدروس التي نتعلَّمها من التاريخ، هو أنَّ المنتصرين هم من يضعون خطط السلام. وبعد عامٍ تقريباً من سقوط حلب، آخر المعاقل الحضرية للمعارضة السورية، تعود دبلوماسية صنع السلام على استحياء.

ويُتوقَّع أن تجري المباحثات، التي ترعاها الأمم المتحدة، في جنيف، الأمر الذي سيكون موضع ترحيب، حتى وإن كانت الآمال لحدوث انفراجة فيها ضئيلة، حسب قرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

فمنذ عام 2012، عُقِدَت وانتهت العديد من جولات المباحثات، كلها دون جدوى جوهرية. وفي أغلب الأحيان كان حق النقض الروسي (الفيتو) هو ما أعاق قيام الأمم المتحدة بدورٍ فعال، بما في ذلك المساءلة على استخدام الأسلحة الكيماوية.

وأعادت مجموعات المعارضة السورية تنظيم فريقها المُفاوِض، تحت ضغط حقيقة أنَّها في الموقف الأضعف. وبينما قال النظام السوري في البداية، إنَّه سيقاطع المحادثات إن أصرت المعارضة على الإطاحة ببشار الأسد، فإنَّه لم يلبث أن أعلن أنه سيرسل وفداً، الأربعاء 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

ويقول مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستافان دي مستورا، إنَّ مهمته هي أن يكون متفائلاً دائماً. لكنَّ الأمر سيتطلَّب أكثر من التفاؤل للتعامل مع الحرب السورية متعددة الأوجه؛ من أجل إنهاء المعاناة، وترميم بلدٍ مُحطَّم، وبدء السعي لتحقيق العدالة للملايين من ضحاياه.


عازم على السيطرة


ويُعَد انتهاء القتال أمراً بعيد المنال. ففي الأيام الأخيرة، أسفرت غارات على منطقة الغوطة الشرقية التي تسيطر عليها المعارضة قرب دمشق عن مقتل العشرات.

ونظام الأسد عازمٌ على استرداد كل شبرٍ من الأرض فقده بعد الانتفاضة الشعبية في 2011، التي نادت بالإصلاح الديمقراطي، والتي رد الديكتاتور عليها باستخدامٍ هائل للقوة.

والشهر الماضي (أكتوبر/تشرين الأول 2017)، سيطرت القوة المدعومة من التحالف الدولي لمحاربة داعش على الرقة، "عاصمة الخلافة" التي أعلنها التنظيم، بعد حملةٍ من القصف المكثف.

لكنَّ المعارك تتواصل في صحراء سوريا الشرقية بالقرب من الحدود العراقية. وتتبارى قوات متنافسة، مدعومة من كلٍ من إيران والولايات المتحدة، من أجل السيطرة على النقاط الاستراتيجية. وربما توشك اللعبة السورية على نهايتها، وربما لا.


روسيا أولاً


من الواضح أن روسيا هي من يأخذ الخطوة الأولى في معظم الأحيان، فقد منح التدخل العسكري لفلاديمير بوتين -الذي قد بدأ عام 2015 لإنقاذ الأسد، بشكلٍ مشترك لموسكو مع إيران- اليد العليا.

إذ إنَّه استفاد من سوء تقدير الولايات المتحدة وتردد أوروبا بخصوص اتخاذ قرار الخوض بعمق فيما يحدث. وبعيداً عن تهديدات دونالد ترامب لإيران، تظل السياسات الأميركية غامضة، فهي تركِّز على أكثر من مجرد مكافحة الإرهاب.

واستضاف بوتين الأسبوع الماضي، محادثات في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، مع قادة إيران وتركيا وظهر أمام الكاميرات مع الأسد. فيما نظمت روسيا في وقتٍ سابق من هذا العام، محادثات مع جماعات المعارضة السورية في العاصمة الكازاخية أستانا. وهذه علامةٌ على تغيُّر المشهد العالمي؛ إذ تُهمَّش الأمم المتحدة والقوى الغربية على السواء في كل خطوة.


المستعرب الذي درب بوتين


يشير مقال نُشِرَ في صحيفة التايمز البريطانية إلى أن ثمة لحظات تحتاج فيها موسكو وواشنطن للتعاون بوضوح، لكن بوتين كانت لديه في معظم الأحيان نية اللعب على ترامب وخداعه.

ويرسم الكاتب ما يراه سيناريو ما يسميه نصر بوتين، الذي سيبدو بنظره كالتالي: بقاء الأسد في السلطة حتى يجد الكرملين بديلاً مناسباً، وستوسع روسيا قاعدتها البحرية في طرطوس لاستيعاب عشرات السفن الحربية، وستسعى أيضاً لتقرير من سيمثل المعارضة في مفاوضات الطاولة المستديرة المستقبلية، وأن تتولى أميركا والاتحاد الأوروبي قائمة تمويلات إعادة بناء البنية التحتية المحطمة في سوريا، على أن تنسحب الولايات المتحدة بعد فترة وجيزة، بوصة بوصة، من الشرق الأوسط.

ويتساءل الكاتب: كيف يمكن أن تُخدع الولايات المتحدة بهذه الطريقة؟ ويجيب عن تساؤله، مُرجعاً بداية ذلك إلى استخفاف أوباما بخبرة بوتين في الشرق الأوسط.

ويضيف أن بوتين، ضابط المخابرات السابق، قد تدرب على يد رئيس الوزراء والقيادي السابق في المخابرات الروسية والمستعرب يفغيني بريماكوف، الذي علّمه كيف يستخدم الشرق الأوسط كرصيد ومنطقة نفوذ ضد الولايات المتحدة.


حقيقة الانتخابات


بعد سنواتٍ من تجنُّب موسكو؛ بل وتصديه لأي مشاركة من الأمم المتحدة، من المُرجح أنَّ بوتين الآن سيحتاج إلى دعم الأمم المتحدة؛ لتعزيز مكاسب دولته، فلدى روسيا مصلحة تثير السخرية في السعي وراء مباركة الأمم المتحدة لخططها.

فالحرب المستمرة تستنزف الموارد، كما أنَّ إعادة بناء سوريا ستحتاج إلى مستوى من التمويل لا تستطيع روسيا وحدها تأمينه. والعلاقات بين روسيا وتركيا وإيران أقل وضوحاً مما يرغب قادتها في إبرازه. ولا تزال القضية الكردية محل جدل.

وفي ظل هذه الظروف، تعتقد الدول الغربية، بما في ذلك المملكة المتحدة، أنها لا تزال بإمكانها التحكم فيما سيحدث. المسار ضيقٌ وصعب، ولا ينبغي أن ينخدع أحد؛ إذ إنَّ وعود "الانتخابات الحرة"، على سبيل المثال، التي تندرج في خطط الروس، لن تكون إلا مظاهر فارغة.


مجاعة


حوَّلَت الحرب التي استمرت 6 سنوات سوريا إلى أرضٍ قاحلة، وهو ما يدعونا لتذكُّر كلمات المؤرخ الروماني تاسيتوس عندما قال "يخلق الصحراء ويسميها سلام". فما تشهده سوريا من ضربات جوية مُفجعة، وحصار يُفضي إلى مجاعة، وغرف تعذيب، لا يمكن أن ينتهى بين ليلة وضحاها، والحديث عن "النصر"، كما نسمع من الأسد، يقف في تضاد مع أي شعور بالكرامة.

ولا يمكن أن يكون هناك منتصرٌ في هذه الحرب، بعد مقتل نصف مليون شخص ونزوح ملايين آخرين. إنَّ السلام المُستدام لن يأتي إلا عندما تُتاح لجميع السوريين الفرصة لاختيار من يحكمهم واختيار الكيفية التي سيحكمهم بها. وينبغي أن يكون هذا -وليس صور مؤتمرات القمة- هو المعيار الذي نقيس عليه الدبلوماسية، حسب تقرير "الغارديان".


هل يخرج بوتين من سوريا؟


يمكن لبوتين أن يدَّعي، في الوقت الراهن، أنه قد حقق أهدافه، فقد ساهم في هزيمة داعش، وإبعاد المتمردين الذين يهددون حكم الأسد، وتعزيز موطئ قدم عسكري روسي في البحر الأبيض المتوسط، وعلاوة على ذلك أعاد نفسه إلى خريطة الشرق الأوسط. فيما يقول مسؤولون في المنطقة إنَّ الحكام في الشرق الأوسط، حتى الذين يختلفون مع سياسة بوتين في سوريا، قد بدأوا الآن في الإنصات إليه.

وتشير صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية إلى أن السؤال الأهم هو ما إذا كان بإمكانه أن يخرج من سوريا دون أن ينجذب إليها مرة أخرى. فعليه أن يُرسي النظام ويؤمِّن لنفسه هذا الخروج إذا كانت نيته -كما يقول العديد من أتباعه- أن يُعلِّم أقرانه في الغرب كيف أنَّ التدخلات يجب أن تتمحور حول استعادة النظام بدلاً من نشر الفوضى.