لماذا غيَّر السودان موقفه من دعم مصر في أزمة سد النهضة إلى العكس؟

تم النشر: تم التحديث:
SUDAN EGYPT
| ASHRAF SHAZLY via Getty Images

اتَّجه السودان نحو تبديل موقعه من سد النهضة الإثيوبي، فبعد أن كان واقفاً في صفِّ مصر، انحاز مؤخراً إلى جهة إثيوبيا.

وعقدت اللجنة الفنية الثلاثية المعنية بالسد الإثيوبي اجتماعاً بالقاهرة، يومي 11 و12 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، لكن وزراء ري الدول الثلاث لم يتوصلوا إلى توافق بشأن اعتماد تقرير مبدئي أعده مكتب استشاري فرنسي حول سد النهضة، يركز على تفاصيل فنية في مقدمتها طريقة ملء السد بالمياه لتوليد الكهرباء.

وأعلنت مصر تعثر المفاوضات بهذا الشأن، بعد رفضها للتقرير المبدئي لدراسات السد المائي، وفي المقابل رفضته كل من إثيوبيا والسودان.

وعلى الرغم من أن السودان دولة مصبٍّ في نهر النيل إلى جانب مصر، فإن موقفه تحول داخل المفاوضات، ليبدأ بالرفض والوقوف في معسكر القاهرة خلال العامين الأولين من مشروع إنشاء السد المائي، ثم إعلان التأييد والانحياز إلى موقف إثيوبيا خلال السنوات الأربع الماضية.

وتجلَّى ذلك التحول في أحدث تصريح لوزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، حين قال بوضوح إن مصلحة بلاده في سد النهضة الإثيوبي تتمثل في أن "السد يحفاظ على حصة مياه السودان التي كانت تذهب إلى مصر".

وأوضح غندور أن "مشكلة السودان كانت وما زالت في أنه لم يستخدم مياه النيل التي منحتها له اتفاقية 1959، والتي كانت تذهب لمصر طوال السنوات الماضية".

ومضى قائلاً "مصر ستخسر مياه السودان التي كانت تذهب إليها؛ بفضل السد (النهضة)"

وأشار أن بلاده قدَّمت لمصر أكثر من مرة مقترحاً بإقامة مشاريع مشتركة لزراعة القمح شمالي السودان، ولكنها لم تستجب، بحسب قوله.

صراع مكتوم

وعزا خبيران سياسيان سودانيان، سبب هذا التحول في موقف السودان إلى "صراع مكتوم" بين الخرطوم والقاهرة، إلى جانب تطلعاته في تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية من بناء السد الإثيوبي.

وعارضت الخرطوم تشييد السد سنة 2011، خشية التأثير على حصتها المائية السنوية (18.5 مليار متر مكعب)، غير أن الرئيس السوداني عمر البشير، أعلن تأييده أواخر 2013، موضحاً أنه سيوفر "كهرباء رخيصة" لبلده الذي يعاني نقصاً في الطاقة.

الأسبوع الماضي، قال وزير الموارد المائية والري والكهرباء السوداني، معتز موسى، إن بلاده "ستلتزم بالمسار العلمي والمهني، سبيلاً أساسياً لحل كافة التباينات في الرؤى والمواقف الخاصة بمفاوضات سد النهضة الإثيوبي".

جاء ذلك عقب أيام من إعلان مصر "تعثر المفاوضات، واتخاذ ما يلزم للحفاظ على الحقوق المائية للبلاد"، فيما أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عدم السماح بالمساس بحصة بلاده من مياه النيل.

وتخشى مصر، البالغ عدد سكانها 104 ملايين نسمة، من تأثيرات سلبية محتملة للسد الإثيوبي على حصتها المائية (55 مليار متر مكعب) سنوياً.

نقطة اللاعودة

سفير السودان لدى القاهرة، عبدالمحمود عبدالحليم، قال في بيان الإثنين الماضي، إن "إعلان مصر تعثر المفاوضات يثير الشكوك حول مستقبلها (...)، وإن ذلك ليس في مصلحة القاهرة أو الأطراف المتفاوضة معها".

عبدالحليم أكد أن "السودان له الحق في اتباع ما يراه مسانداً لمصالح شعبه، ومع ذلك ظلَّ إيجابياً طوال الاجتماعات السابقة، وعمل كثيراً لإنقاذ المفاوضات على صعيد المسارين الفني والسياسي".

ومورداً ما اعتبره سبباً لتحول الموقف السوداني من السد الإثيوبي، قال السفير السوداني المتقاعد، الطريفي كرمنو، إن موقف بلاده "متأرجح" بين معسكري إثيوبيا ومصر.

وعزا كرمنو ذلك في حديث للأناضول إلى "صراع مكتوم بين الخرطوم والقاهرة، حيال ملفات أخرى (لم يذكرها)".

وقال إن "مفاوضات سد النهضة الإثيوبي وصلت نقطة اللاعودة"، داعياً بلاده ومصر إلى التعامل مع الأمر الواقع.

وعلى مقربة من الطرح السابق، اعتبر الصحفي والمحلل السياسي السوداني، فيصل محمد صالح، موقف بلاده من مفاوضات سد النهضة الإثيوبي "رمادياً يشوبه الغموض"، بخلاف مواقف مصر وإثيوبيا الواضحة.

ورجَّح صالح، استناد بلاده في موقفها إلى مواقف سياسية وليست دراسات فنية، قائلاً "موقف الخرطوم يبدو كأنه رد فعل على العلاقات مع القاهرة، وهذا أمر غير سليم".

وشهدت السنوات الماضية، توتراً في العلاقات بين مصر والسودان، ومشاحنات في وسائل الإعلام، على خلفية عدة قضايا خلافية، من أهمها النزاع حول المثلث الحدودي في حلايب وشلاتين.

تعثر تكتيكي

وبوصفه إعلان مصر تعثر المفاوضات بـ"التكتيكي"، اعتبر ربيع حسن أحمد، مدير مركز دراسات المستقبل السوداني (حكومي)، أن تصعيد القاهرة حيال مفاوضات سد النهضة الإثيوبي يستهدف الضغط على بلاده.

ومن جانبه أوضح الخبير السوداني المتخصص في القانون الدولي، حاتم إلياس، أن الخيارات أمام مصر تنحصر في استكمال التفاوض أو اللجوء إلى التحكيم الدولي، وفقاً للاتفاقيات الدولية الخاصة بالممرات المائية المشتركة بين الدول.

ودعا إلياس القاهرة إلى التخلي عمَّا سمَّاه بـ"فوبيا (رهاب) مياه النيل"، والعودة مجدداً إلى طاولة التفاوض واستثمار الفرصة للوصول لإدارة مشتركة للسد الإثيوبي.

وبدأت الحكومة الإثيوبية إنشاء سد النهضة، في أبريل/نيسان 2011، على النيل الأزرق (أحد روافد نهر النيل)، بمدينة "قوبا" على الحدود الإثيوبية- السودانية.

وتتخوف مصر من تأثيرات سلبية محتملة للسد الإثيوبي على حصتها المائية 55.5 مليار متر مكعب، فيما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب.

بينما تقول أديس أبابا إنها لا تستهدف الإضرار بمصر، وإن الطاقة الكهربائية التي سيُولدها السد (منها 6000 ميغاوات داخلياً و2000 للبيع للدول المجاورة) ستساعد في القضاء على الفقر، وتعزيز النهضة التنموية في إثيوبيا.

وتنطلق أديس أبابا في ذلك من موقف مبدئي أعلنته من البداية، ويتمثل في حقها ببناء السد على أراضيها لأغراض التنمية وتوليد الطاقة الكهربية، دون الإضرار بدولتي المصب (مصر والسودان).