نتائج الإسلاميين بالانتخابات المحلية في الجزائر تفجّر جدلاً حول مستقبلهم

تم النشر: تم التحديث:
LOCAL ELECTIONS IN ALGERIA
AFP via Getty Images

جدل واسع فجَّره تراجع الأحزاب الإسلامية في الانتخابات المحلية بالجزائر، لتتباين التفسيرات بين من يعتبر أن هذا التراجع يعكس إخفاقاً وانكماشاً للرصيد الانتخابي للتيار، وبين من يرده إلى "التزوير" الذي شاب الاقتراع.

ووفق أحدث النتائج الرسمية الأولية، حافظ حزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم، على الصدارة، بحصوله على رئاسة 603 بلديات (من أصل 1541)، و711 مقعداً بالمجالس الولائية، يليه "التجمع الوطني الديمقراطي"، بقيادة رئيس الوزراء، بـ451 بلدية، و527 مقعداً بالمجالس الولائية.

فيما حصلت "حركة مجتمع السلم"، أكبر حزب إسلامي بالجزائر، على رئاسة 51 بلدية و156 مقعداً بالمجالس الولائية، مسجلة بذلك تراجعاً من المركز الثالث في الانتخابات السابقة إلى السادس.

أما "التحالف من أجل العدالة والنهضة والبناء" الذي يعتبر ثاني أكبر ائتلاف حزبي للإسلاميين بالجزائر، فقد اكتفى بالمركز 15 في السباق، برئاسة 8 بلديات.


نهاية "الإسلام السياسي"


معظم القراءات لنتائج الاقتراع اتفقت حول التراجع اللافت للتيار الإسلامي في البلاد، ما اعتبره عمارة بن يونس، الأمين العام لحزب الجبهة الشعبية الجزائرية، وهو علماني معروف بعدائه للإسلاميين، "بداية نهاية الإسلام السياسي" بالبلاد.

من جانبه، كتب يوسف خبابة، النائب بالبرلمان عن "التحالف من أجل العدالة والنهضة والبناء" الإسلامي، على صفحته بموقع "فيسبوك"، تعليقاً على النتائج: "تراجع رهيب للإسلاميين في الانتخابات.. ما هي الأسباب؟ وما هي الحلول؟".

بدوره، علق فاتح ربيعي، الأمين العام السابق لحركة النهضة الإسلامية، على النتائج، بتدوينة عبر موقع "فيسبوك" جاء فيها: "أتمنى أن يلغي الإسلاميون من قاموس خطابهم هذه الأيام لفظ تزوير الانتخابات، وأن يفكروا ملياً في أسباب الإخفاقات".

"إخفاقات" يجزم عدد من المراقبين أنها لا تمس جوهر التموقع الحالي للتيار الإسلامي بالجزائر، ولا تخصم من رصيده، طالما هناك تشكيك يلازم مختلف الاستحقاقات الانتخابية، وفق أحزاب إسلامية، ما يجردها من حق حصولها على تقييم واقعي لحجم تموقعها في عيون الناخبين.


الأرقام عكس الأحكام


عبدالمجيد مناصرة، رئيس "حركة مجتمع السلم"، رفض الحكم القائل بتراجع موقع الإسلاميين، وخصوصاً حزبه، في الانتخابات البلدية والولائية الأخيرة.

واعتبر، خلال مؤتمر صحفي عقده، السبت الماضي، أن نتائج حزبه تحسنت على كافة الأصعدة، مقارنة بانتخابات 2012، وحتى بالنسبة للانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو/أيار الماضي.

وأوضح أن "الحركة كانت تترأس في 2012، 29 بلدية، فيما حصلت الآن على 51 بلدية (الداخلية تقول إنها 49)، أي بتقدم نسبته 75%"، بصرف النظر عن نتائج باقي القوى.

وتابع أن الحركة كانت، في 2012، متواجدة في 16 مجلساً ولائياً، بينما تسجل تواجدها حالياً في 23 مجلساً، أي بزيادة قدرها 43%.

وللرد على ما تم ترويجه من تراجع للحركة، نشر رئيسها السابق، عبدالرزاق مقري، مقالات متسلسلة، عبر موقع الحزب، تحت عنوان "لماذا لم يحقق الإسلاميون النجاح الانتخابي في الجزائر؟"

ووفق مقري، فإن "السؤال حول عدم نجاح الإسلاميين خاطئ، والسؤال الأجدر بالطرح هو: كيف استطاع الإسلاميون البقاء؟ ليأتي السؤال الذي بعده: هل للإسلاميين مستقبل في الجزائر".

واعتبر مقري وصف نتائج حزبه بالتراجع رغم وضوح تقدمه "تزويراً للوقائع من قبل البعض"، الذين يستندون إلى تقدم أكبر لباقي القوى.


مشهد ضبابي وضغط الإسلاميين بالجوار


الصحفي عبدالحميد عثماني قال معقباً عن الجدل الدائر، إنه "من الصعب قراءة مشهد انتخابي في ظروف غير شفافة، حيث يطعن الجميع في مجريات العملية بما فيها الأحزاب الفائزة، وهذا تطور غير مسبوق، ما يعني أن هناك تجاوزات وتصرفات مخالفة للقانون، يجب الإقرار بها أولاً، وذلك مهما كان تأثيرها محدوداً على النتائج وفق تبرير الحكومة".

وبخصوص ما يعتبره البعض تراجعاً للإسلاميين في الجزائر، أضاف عثماني في حديث للأناضول: "أظن أن الحكم نسبي وبحاجة إلى تدقيق من عدة جوانب".

وتابع أنّ التيار الإسلامي ينقسم إلى قسمين، أحدهما ما زال خارج العملية السياسية منذ إلغاء الانتخابات التشريعية، في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991، وهم أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة.

أما القسم الثاني، فهو "منخرط ضمن الأحزاب المعتمدة حالياً، والتمييز بين حجم وحضور الشريحتين شعبيّاً أمر في غاية التعقيد، طالما أنَّ المجال السياسي غير منفتح بصورة عمليّة".

ووفق عثماني، فإن تقييم نتائج الأحزاب الإسلامية في الاقتراع الأخير، يتخذ بدوره ثلاثة أبعاد: تنظيمية ورقمية وسياسية.

وعلى المستوى الأول، ميّز عثماني بين حركة مجتمع السلم (الحزب الأم لجماعة الإخوان المسلمين ومؤسسه الشيخ محفوظ نحناح) الذي حقق تقدّماً في هذه الانتخابات، سواء في عدد البلديات التي سيرأسها أو المقاعد التمثيلية التي نالها والأصوات التي كسبها، مقارنة بانتخابات 2012.

لكن "النتائج المتواضعة لتحالف 3 أحزاب إسلامية أخرى (أبرزها جماعة عبدالله جاب الله برمزيتها التاريخية التي تمتد إلى 40 عاماً)، صنعت صدمة كبيرة لدى المتابعين، بغضّ النظر عن تفسيراتهم لمخرجات الانتخابات".

وخلص إلى أن محصلة الإسلاميين تعدّ في نهاية المطاف، "باهتة، ليس بالنظر إلى قواعد لعبة الأرقام، لكن بالمنظور السياسي، لأنهم في تقدير المراقبين من بين التشكيلات الأكثر تنظيماً وانتشاراً".

كما لا ينبغي إغفال التأثير السلبي لصدى العملية السياسية في المغرب وتونس، حيث يسود التيار الإسلامي، حيث اعتبر عثماني أنّ "الرهانات تتوجه في الغالب نحو الإسلاميين، ما يزيد من الضغوطات السياسية عليهم".

من جهته، يقول نصير سمارة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر العاصمة، للأناضول: "برأيي الجدل المطروح لا ينبغي أن يشمل تراجع الإسلاميين من حيث عدد الأصوات التي حصّلوا عليه، وإنما تقدم أحزاب حديثة التأسيس عليهم في النتائج".

ومستدركاً: "لكن يمكن القول إن حضور الإسلاميين سواء كانوا تياراً أم كتلة نيابية، تراجع مقارنة بآخر انتخابات برلمانية".

وختم أن "الانتخابات البلدية ليست معياراً للحكم على انتشار الأحزاب، لأن التصويت فيها يخضع لمعايير مثل اختيار المرشحين والقبلية والقرابة، أكثر منها معايير أيديولوجية أو سياسية".