رحلة صعود البطل "عبده موتة" وسقوط المجند محمد رمضان

تم النشر: تم التحديث:
RAMADAN
هاف بوست

في 2014، بالليلة الأخيرة من شهر رمضان، امتنع عن العمل سائقو الميكروباصات بالموقف الرئيس في مدينة 6 أكتوبر المصرية لنحو ساعة، توقفت خلالها تماماً المواصلات بين المدينة والقاهرة وبقية المحافظات، بينما ازدحمت المقاهي الشعبية الرخيصة بهؤلاء بجوار مهمشي المدينة.


يومها توقفت الأرض من أجل حِبيشة


لقد كانت الحلقة الأخيرة من مسلسل "ابن حلال"، الحلقة التي تشهد المصير الملحمي المحتوم لحبيشة؛ الفتى الصعيدي المجدع الذي يأتي للقاهرة طلباً للعيش، لكن حياته بها تتحول إلى سلسلة طويلة من التورط بجرائم لم يرتكبها غالباً، وفي الحلقة الأخيرة ينتقم حبيشة ممن ظلموه، ثم تقتله الشرطة بعد أن خاضت معركة للتخلص من أتباعه المخلصين.

كانت هذه هي القمة التي يندر أن يقترب منها أحد، وصل لها الممثل الشاب محمد رمضان بعد مسيرة خاطفة بمعايير السينما المصرية، أصبح أيقونة شعبية تمثل إحباط الأغلبية المهمشة، عبر سلسلة من الأدوار انتهت كلها بموت ملحمي لتطهير البطل الذي لوثته الدنيا، وليس قبل أن يحقق انتقامه الأخير من الخونة والظلمة.

كل ما كان على رمضان فعله هو أن يحفظ النغمة النادرة ليستمر، مع تجديدات بسيطة لكسر ملل الجمهور، لكنه عوضاً عن هذا خاض بإصرار رحلة عكسية لخسارة كل مكاسبه. رحلة يرصدها هذا التقرير منذ اللقطة الأولى له عام 2009، وحتى فيلم "الكنز"، آخر محاولاته الخاسرة مالياً وفنياً وجماهيرياً قبل أسابيع.


صعود أول بملامح شعبية جذابة


أول أدوار رمضان المهمة كان بفيلم "احكي يا شهرزاد" (2009)، كعامل في متجر لأدوات البناء، وفقط بجاذبيته الجنسية يقيم علاقة مع 3 شقيقات يمتلكن المحل. إنه نذل تقليدي كما أظهره الفيلم، لكنه لاعب حريف بالمعايير الشعبية، وانتهاء دوره بالموت حرقاً على يد إحدى الشقيقات هو عامل كاف لتطهيره أمام الجمهور.

مخرج الفيلم يسري نصر الله لم يكن من صناع الأفلام الشعبية، لكنه كان يتحدى معايير الوسامة البرجوازية المصرية، بتقديم بطل جذاب يحمل الملامح الشعبية والعادية.
على عكس رمضان الذي نعرفه، هو كان يحاول في بداياته أن يشارك بأفلام ذات طبيعة فنية، أفلام مهرجانات.


مرحلة المهرجانات الشعبية بتوقيع "السبكي"


المنتج أحمد السبكي هو من تنبه لإمكانات رمضان. السبكي معروف بأفلامه ذات الخلطة الشعبية الحريفة، قدمه في "ساعة ونص"، وهو فيلم بطولة جماعية عن إحدى كوارث حوادث القطارات المأساوية، وفيه قدم رمضان دور عامل قروي فقير على متن القطار.

هكذا دخل رمضان في خلاط السبكي الذي منحه شهرته الشعبية الآن. وفي 2012 قام ببطولة فيلمي "عبده موته" و"الألماني" اللذين قدما نفس القصة تقريباً لصعود فتى من حارة مهمشة ليصل بذراعه وذكائه إلى القمة ثم ينتهي بالطريقة الملحمية المعتادة.

شروط ملحمة البطل الشعبي:
يتعرض للظلم كمبرر للغضب
يتعرض للخيانة كمبرر للسقوط
يتعرض للحب كمبرر للمقاومة
يتعرض للموت كشرط للتطهير

حقق الفيلمان إيرادات قاربت الأربعة ملايين دولار بالمجموع، وكان الرقم مرشحاً للتضاعف لولا فشل "الألماني" لعرضه خارج موسم العيد.


الضابط المنتقم بعد نهاية البطل الشعبي


حتى صيف 2016، ظل رمضان ممثلاً براغماتياً يسعى لاستغلال الروح الشعبية. وتعمد الإقلال من الظهور الإعلامي، مفضلاً التواصل المباشر عبر صفحة فيسبوك التي تحمل أكثر من 5 ملايين مشترك.

ويحدث أن النجاح الضخم يلفت أيضاً انتباه السلطة الجديدة في مصر، وهي سلطة لا يرضيها تمرد شخصية حبيشة، لن ترعى أمثال عبده موته لأنها سلطة تدعي رعايتها للأخلاق، لكنها أيضاً سلطة براغماتية تسعى للاستفادة من الناجحين وتطويعهم.

ربما تواكب هذا مع إدراك رمضان لقرب نهاية ملحمته الشعبية. في 2013 حقق ثالث أدواره الشعبية "قلب الأسد" 2.4 مليون دولار، تقريباً ثلثي إيرادات "عبده موته" بعد عام واحد من عرضه، كما جلب له موجة انتقادات لأنه يمجد شخصيات البلطجية، ورد رمضان بتقديم دور ضابط شرطة منتقم في "شد أجزاء" ليحقق 2.8 مليون دولار، وهو أيضاً أقل من "عبد موته".


رمضان في المعسكر: جندي ومعلق وممثل مسرحي


يسهل رصد التغير في مسيرة رمضان بعد بدئه في خدمة التجنيد لمدة عامين. في المعتاد لا تتنازل وزارة الدفاع عن حقها في تجنيد أي شاب مصري تنطبق عليه الشروط، بل في الحقيقة ترحب بتجنيد النجوم مثلما حدث مع تامر حسني الذي أدى العقوبة بعد اكتشاف محاولة تهربه ليظهر بعدها في أحد أوبريتات أكتوبر.

بدأت هذه المرحلة بصورة نشرها على صفحته أثناء تقدمه للتجنيد، إذاً أصبحت إدارة التجنيد تسمح للمتقدمين بالتصوير داخلها ونشر الصور على فيسبوك ليلتقطها الإعلام.

في الفترة التالية لتجنيده قدم فيلماً عن سلاح الصاعقة كان هو الضيف الرئيسي به وأذيع في 30 يونيو 2017، وزاد ظهوره بالإعلام بشكل ملحوظ، أصبح مهتماً فجأة بالتعليق على الشؤون السياسية الجارية، وفي دعم المؤسسة العسكرية.

وبالتوازي مع كل هذا، سُمح للجندي المجند محمد رمضان بالاستمرار في تقديم مسرحيته "أهلاً رمضان" في عرض أسبوعي كل يوم جمعة.


رقم قياسي من الأفلام المرضي عنها أمنياً


قبل بدء تجنيده كان قد اتفق مع شركة "مصر للسينما" على تقديم فيلم من تأليف السيناريست محمد سليمان الذي تعاون معه سابقاً بدور رجل الشرطة في "شد أجزاء"، الاتفاق كان تدشين لتغيير في هيكل ملكية الشركة بعد استحواذ شركة إعلام المصريين التي يرأس مجلس إدارتها أحمد أبو هشيمة المعروف بولائه الكامل للسلطة.

ثم أعلن عن فيلم آخر لنفس الشركة من إخراج داود عبد السيد سيحمل اسم "حب"، لكنه لم يتخذ أي خطوات فعلية به حتى الآن.

كما بدأ فعلياً في تصوير دور رجل عسكري بفيلم "سري للغاية" لنفس الشركة، من تأليف وحيد حامد، وهو فيلم عن كواليس فترة حكم الإخوان وصراعات الإطاحة بهم من السلطة.

رغم اتفاقه مع مجموعة MBC لبطولة 3 مسلسلات خلال 3 مواسم رمضانية، وتجاوب المجموعة مع التأجيل في موسم 2017 بسبب التجنيد، فقد أعلن أنه سيقدم مسلسلاً في 2018 يظهر به بشخصية ضابط جيش في شمال سيناء التي تشهد اشتباكات مستمرة مع جماعات مسلحة منذ 2013، والمسلسل من إنتاج شركة العدل جروب التي أنتجت معظم المسلسلات المعروضة في رمضان الماضي على شبكة DMC.


خمن ماذا فعلت مجموعة MBC الضخمة بهذا الشأن؟


بخلاف تهديد واهن بمقاضاته، لم تفعل شيئاً ضده حتى الآن، وهو ما يشير إلى توافقات أعلى من المسؤوليات القانونية بتعاقداتهما.

في خضم كل هذه الأعمال العسكرية، وعندما قورن دوره بالفنان إسماعيل يس الذي قدم سلسلة أفلام داعمة للمؤسسة العسكرية في الخمسينيات، كانت تصريحاته هجومية بلا مبرر "لا أحب أن نصدّر صورة الجندي المصري وهو يقع منه القايش، ويركب فوق مروحة الطائرة بالعكس، فهذا منظر غير لائق".

وبالتوازي مع أعماله الوطنية، أنجز بسرعة فيلم "الديزل" الذي يحمل بعض ملامحه الشعبية القديمة، بإنتاج السبكي، وقصة عن انتقام فتى فقير من شلة أغنياء تسببوا في مقتل حبيبته بوحشية.

ربما يفكر رمضان أن يضع "الديزل" في موسم عطلة منتصف العام خلال بداية 2018، بحيث يستعيد بعض صيته القديم كبطل شعبي، ثم يطرح نفسه كبطل وطني في مسلسل "زين" خلال رمضان، ثم فيلمه مع وحيد حامد في عيد الأضحى قبل أيام من 30 يونيو.


ثم المرحلة الأخيرة: هكذا انتقم جمهور عبده موته


رمضان يعبر عن حبه للمؤسسات الأمنية خلال فترة تجنيده، هذا شأنه، لكن ماذا عن رد فعل جمهوره على هذه الفترة؟
فيلمه الكوميدي "آخر ديك في مصر": حقق المركز الثاني في موسم عطلة منتصف العام الدراسي بإيرادات 490 ألف دولار.

فيلمه التالي "جواب اعتقال": كان مؤجلاً من عيد الأضحى 2016، وفيه قدم شخصية إرهابي ينقلب على جماعته، وتعرض الفيلم لعرقلة غامضة في الرقابة، ليتحول إلى إهانة لنجم بحجم رمضان في موسمه المفضل بعيد الفطر، حيث جاء بالمرتبة الثالثة بإيرادات توقفت عند 922 ألف دولار، وهو رقم أقل من ثلث إيرادات فيلم أحمد السقا "هروب اضطراري" صاحب المرتبة الأولى.

وكانت هذه هي المرة الأولى التي يهبط فيها رمضان للمركز الثالث بأحد مواسم الأعياد.

فيلم "الكنز": عُرض في موسم عيد الأضحى، وهو فيلم تاريخي من جزئين بتكلفة باهظة قاربت الأربعة ملايين دولار، ويقوم فيه رمضان ببطولة واحدة من 3 قصص يتكون منها الفيلم، بشخصية علي الزيبق المعروف بمشاغبته للسلطة في التراث الشعبي المصري، ورغم أن الفيلم يزدحم بنجوم آخرين، مع الترويج له بأنه بطولة مطلقة لرمضان، فقد تجاوزت إيراداته حاجز المليون دولار بصعوبة، وأصبح إطلاق الجزء الثاني من الفيلم مهمة مؤلمة لجميع المشاركين فيه.
ومرة أخرى يخسر رمضان جمهوره المفضل في العيد.