كواليس أول جلسة طارئة للبرلمان بعد "مجزرة الروضة" لا صوت يعلو فوق "القرض الروسي"

تم النشر: تم التحديث:
PARLEMENT EGYPT
هاف بوست

"كل نائب قال كلمتين فقط، وبدلاً ما نشوف المصيبة اللي إحنا فيها والأهالي اللي مش لاقيين أكل، وأفقنا على قوانين النووي".. بهذه الكلمات وصف غريب حسان نائب محافظة جنوب سيناء، جلسة البرلمان المصري الأولى بعد مجزرة مسجد الروضة التي راح ضحيتها 309 أشخاص.

كانت الجلسة الأولى للبرلمان المصري بعد المذبحة، وذهب نواب شمال وجنوب سيناء محملين برسائل حزينة من الأهالي الذين يعيشون "وضعاً مأساوياً"، كما أضاف حسان لـ"هاف بوست عربي"، لكنهم فوجئوا برئيس البرلمان يصر على تخصيص الجلسة لمناقشة قوانين الطاقة النووية فقط، "بعد الضغط سمح لنواب سيناء بالحديث دون أن يسفر الأمر عن قرارات فعلية للبرلمان بشأن الحادث".

بعد 3 أيام من حادث مسجد الروضة الإرهابي، الذي راح ضحيته أكثر من 300 قتيل، عقد مجلس النواب المصري جلسته الطارئة الأولى منذ أحداث استاد بورسعيد في فبراير/شباط عام 2012، في تمام الساعة الـ 12 ظهراً، بحضور أكثر من 500 نائب مرتدين زي الحداد الأسود للنائبات، والبدل القاتمة للنواب. وهذه وقائع وكواليس الجلسة.


لا وقت للعزاء.. أنا ألقي كلمة باسمكم


إلا أن رئيس البرلمان علي عبد العال باغتهم في بداية الجلسة بعدم السماح لهم بالحديث إلا عن قوانين الطاقة النووية، مشيراً إلى أنه سيلقي كلمة باسمهم، إلى جانب الوقوف دقيقة حداد على أرواح ضحايا "الروضة".


الهدف من المذبحة إفساد فرحة مصر بالعصر النووي


وبرر عبد العال قراره بأن "حادث بئر العبد جاء ليفسد فرحة المصريين بإصدار قوانين هامة تدخل مصر المجال النووي". واستخلص من الحادث الإرهابي أن "الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة لأنه لم يستطع مواجهة الجيش ولا الشرطة فاتجهوا للحلقة الضعيفة وهم المواطنون العزل، لذا فإنها نهاية الإرهاب."

وقال عبد العال إن الجلسة الطارئة مخصصة لجدول أعمال محدد، يتمثل في مناقشة مشروعات قوانين الضبعة الثلاثة ولا يجوز من الناحية الدستورية الحديث عن شيء آخر، وهو ما اعترض عليه غالبية النواب، قبل أن يرد عليهم عبد العال: "سأجتهد من الناحية القانونية للخروج بإجراءات صحيحة للجلسة، وفي الوقت نفسه لا يتم إغفال هذا الحادث الأليم".


تقديم العزاء أثناء مناقشة الكهرباء


أما الاجتهاد القانوني فحدده في السماح للنواب بتقديم واجب العزاء أثناء تحديد موقفهم المبدئي من مشروعات القوانين المقترحة من وزارة الكهرباء، على أن تكون الأولوية لنواب سيناء. ورغم اعتراض النواب وعلو صوتهم في البداية إلا أنهم امتثلوا في النهاية، بعد أن كرر عبد العال على مسامعهم عبارات على شاكلة، "هذا وقت العمل وأي خروج عن جدول الأعمال يعرض الجلسة والقوانين الثلاثة للبطلان"، و"أُذكّرني وإياكم بخطاب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وقت هزيمة 1967، حينما قال إنه رغم بشاعة ما حدث، لكنها ليست ساعة للحزن، وإنما ساعة العمل والعمل الجاد"، "العمل جزء من مواجهة الإرهاب".


المغادرة بعد 3 قوانين وإغلاق ملف سيناء


إخراج رئيس البرلمان للجلسة الأولى بعد الحادث، تسبب في مغادرة غالبية النواب والنائبات لقاعة الجلسة العامة بغضون الواحدة والنصف ظهراً، بعد أن التقطت لهم كاميرات الصحف ووسائل الإعلام صوراً بزي الحداد أثناء الوقوف حدادا على أرواح الشهداء. وبعد أن أبدى قرابة العشرين نائباً ونائبة موافقتهم المبدئية أولاً على قوانين المحطات النووية لتوليد الكهرباء ثم تعازيهم لأهالي بئر العبد، انتهت الجلسة في الرابعة عصراً بالموافقة على القوانين الثلاثة، وإغلاق ملف سيناء لحين إشعار آخر.

جدول أعمال الجلسة الطارئة الأولى لمجلس النواب، اقتصر على مناقشة وإقرار قوانين إنشاء هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء والجهاز التنفيذي للمحطات النووية وتعديل قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعي، وهي المشروعات الثلاثة التي وصفها رئيس مجلس النواب بـ"المستعجلة"


الموافقة التي كان الرئيس السيسي في انتظارها


وحدد النائب طلعت السويدي رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب، أهمية القوانين الثلاثة، قائلاً "الموافقة عليهم تعني بدء التنفيذ الفعلي لمشروع الضبعة النووي الذي سبق واقترضت مصر من روسيا 25 مليار دولار لتنفيذه". موضحاً لـ"هاف بوست عربي" أن رئيس الجمهورية ينتظر موافقة البرلمان على تلك القوانين، ليقوم بتوقيع عقود إنشاء المفاعل النووي مع الجانب الروسي.

وكان الرئيس المصري قد وقع في 19 نوفمبر 2015 بالموافقة على قرض حكومي روسي بقيمة 25 مليار دولار"نصف الدين المصري الخارجي"، لتمويل الأعمال والخدمات الخاصة بمشروع محطة الضبعة النووية، الذي يهدف في مرحلته الأولى لإنشاء 4 وحدات لإنتاج الطاقة قدرة كل منها نحو 1200 ميجاوات. على أن تبدأ مصر بسداده بدءاً من أكتوبر 2029 ولمدة 22 عاماً.

وأضاف رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان أنه من المقرر أن يصدق رئيس الجمهورية على القوانين الثلاث ويوافق على عقود إنشاء المفاعل النووي مع الجانب الروسي، لإتمام التوقيع عليها، ثم عرضها على مجلس النواب في صورة اتفاقية بين مصر وروسيا حول تفاصيل إنشاء محطة الضبعة النووية. لتدخل مصر عصر الطاقة النووية رسميا بمجرد موافقة البرلمان على الاتفاقية.


مطالب نواب سيناء مرفوضة من المنصة


نواب سيناء على الجانب الآخر لم تشغلهم إجراءات إقرار القوانين الثلاثة، فحسب النائب غريب حسان" وافقنا على قوانين الطاقة لكن كان عندنا مطالب أهم"، مضيفاً أنهم طالبوا رئيس البرلمان بتمكينهم من "مقابلة" وزيري الدفاع والداخلية للحديث عن الوضع الأمني في سيناء وعرض رؤية الأهالي لكيفية مواجهة الإرهاب والتعاون والتنسيق مع الوزارتين مشدداً "المره دي ضربوا مسجد المرة الجاية يضربوا مدرسة" ، وأضاف لـ"هاف بوست عربي" طالبنا من البرلمان سرعة إصدار قانون حماية الشهود لحماية أهالي سيناء من بطش الإرهابيين.

أما النائب رحمي بكير نائب محافظة شمال سيناء الذي بكى خلال الجلسة فقد طالب وزير العدل بعودة محكمة العريش للعمل من داخل شمال سيناء وليس من محافظة الإسماعيلية. الدافع هو التسهيل على أسر الضحايا إجراءات استخراج إعلان الوراثة اللازم للحصول على التعويض الذي قررته وزارة التضامن لأسر الشهداء والمصابين، وهو الطلب الذي أعلن رئيس البرلمان استجابة وزارة العدل له خلال الجلسة.

واكتفى رمضان سرحان نائب دائرة بئر العبد بشكر أهالي القرية والقوات المسلحة والشرطة ووزارة الصحة على جهودهم في "تخفيف آثار العملية الإرهابية"، بينما شن النائب عطية موسى هجوماً لاذعاً على الحكومة، معتبراً أن تقاعسها عن تنمية سيناء تسبب في استهداف الإرهاب لها.

وحضر نواب محافظتي شمال وجنوب سيناء جميعاً باستثناء نائب العريش حسام الرفاعي الذي نشر عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أمس، اعتذر عن حضور الجلسة لعدم تخصيصها للحديث عن أحداث سيناء.

وإلى جانب نواب سيناء اقتصرت كلمات النواب المقتضبة عن حادث الروضة على شكر الرئيس والقوات المسلحة والشرطة، والمطالبة بتغليظ العقوبات في القوانين الحالية أو سن قوانين جديدة، لتصفية الإرهابيين بدلاً من القبض عليهم والتحقيق معهم وفقاً لاقتراح النائب بسام فليفل أو تمني الشهادة كما فعل زعيم الأغلبية محمد السويدي رئيس ائتلاف دعم مصر.


إخراج سيئ


"البرلمان وظيفته أن يتفاعل مع قضايا المجتمع ويحدد أولوياته في ضوئها" أحد باحثي بالأمانة العامة لمجلس النواب تحدث لـ"هاف بوست عربي" شريطة عدم ذكر اسمه، مضيفاً أن "جلسة الإثنين هي أحد الأمثلة الواقعية لمهمة ووظيفة البرلمان الحقيقية في الوقت الحالي، أن رئيس البرلمان في كل حادثة إرهابية تتعرض لها البلاد، يتعمد أن يقصر الأمر على إلقائه بياناً دون أن يسمح للنواب بالحديث، ما يجعلهم يتسللون للحديث عنها ضمن حديثهم عن القوانين الأخرى"، مدللاً بحوادث تفجير الكنيسة البطرسية وبعدها كنيستي طنطا والإسكندرية. في كل مرة لا يكلف البرلمان نفسه عناء عقد جلسة طارئة أو عاجلة لمناقشة تداعيات الحادث.

ولفت الباحث بالأمانة العامة لمجلس النواب إلى أن رئيس البرلمان في جلسة الإثنين شتت النواب بين الحديث عن المجزرة التي تعرضت لها قرية بئر العبد يوم الجمعة الماضية، وبين الحديث عن القوانين الخاصة بقرض الضبعة النووي الذي هو أكبر قرض في تاريخ مصر، مضيفاً أنه بعد الموافقة على القوانين الثلاثة من المقرر أن يقر البرلمان اتفاقية القرض الروسي الأسبوع المقبل، لتبدأ مصر استلام الدفعة الأولى من القرض.

وأشار الخبير البرلماني أن رئيس البرلمان عقد لجنة عامة "وكيلي البرلمان ورؤساء اللجان الفرعية وممثلي الأحزاب والائتلافات البرلمانية ووزير الشؤون البرلمانية والأمين العام" قبل بدء الجلسة ووجه تعليماته بحث النواب على التهدئة والحديث عن الحادث في أضيق الحدود وهو ما جعل الجلسة الطارئة الأولى في عمر برلمان الدكتور علي عبد العال تظهر بهذا الشكل العبثي.