أحداث الرياض وحَّدت المنافسين خلف الحريري.. كيف حظي رئيس وزراء لبنان بموجة تأييد شعبي غير مسبوقة!

تم النشر: تم التحديث:
HARIRI
Anadolu Agency via Getty Images

استطاع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي يعتلي موجةً من التأييد الشعبي لم يعش نظيراً لها من قبل خلال السنوات التي قضاها في منصبه، توحيد الفصائل المتنافسة خلفه، بينما تمزق الطائفية باقي أرجاء الشرق الأوسط.

وقد أشعل الاعتقاد السائد بأن السعودية قد ضغطت على الحريري ليعلن استقالته في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري موجةً من الحماسة القومية التي بلغت أوجها الأسبوع الماضي.

فبعد أن أعلن رئيس الوزراء تراجعه عن استقالته علت صيحات حشود المؤيدين في شوارع العاصمة مرددةً: "سعد، سعد، سعد".

وقالت مها يحيى مدير مركز كارنيغي الشرق الأوسط في بيروت: "المثير بشأن سعد الحريري أن شعبيته تتخطى حدود مجتمعه، وأنها تجمع كل الطوائف - وهو تأييد قومي بشكلٍ أكبر. كان من الواضح أن حريته كانت مقيدةً بتعبيرٍ سياسيٍ، وأن ذلك مس عصباً حساساً على كثيرٍ من الأصعدة"، بحسب ما جاء في تقرير لصحيفة The Wall Street Journal الأميركية.

وكان الحريري قد أعلن استقالته خلال زيارةٍ للمملكة السعودية، بعدها ظل مقيماً في المملكة لأسبوعين. وكان الرئيس اللبناني ميشال عون وآخرون قد اتهموا السعودية باحتجازه رغم إرادته، وهي ادعاءاتٌ قد نفتها السعودية.

وتعد شعبية الحريري المعاد اكتشافها خبراً ساراً للولايات المتحدة وحلفائه الغربيين، الذين لا يرغبون في رؤية استقرار لبنان يتزعزع في الوقت الذي تغرق فيه دول الجوار كسوريا والعراق في الاضطرابات. غير أن الصفات ذاتها تعزز شعبية الزعيم السني في الداخل، خصوصاً استعداده للتوصل إلى حلولٍ وسطيةٍ مع الوكيل اللبناني لإيران، حزب الله، هي ما يراها رعاته القدامى في السعودية نقاط ضعفٍ مميتة.

وقد صرحت الكتلة البرلمانية عن حزب الله يوم الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أنها "راضيةٌ" عن التطورات الحالية.

وقالت مها يحيى أن حزب الله وحلفاؤه يفضلون التعامل مع الحريري أكثر من أي قائدٍ سنيٍ آخر.

وأضافت: "هم يحتاجون لرئيس وزراءٍ يعتنق كل ما يعتنقه الحريري من فكر، من العصرية والتعايش، تلك الأشياء التي تعطي لهذا البلد طابعه وتميزه، والتي هي أساسيةٌ بالنسبة له. هم يرون فيه شريكاً، شخصاً يستطيعون إشراكه، وهو يفهم جيداً فن المساومة".

ولطالما حثَّ السعوديون سعد الحريري على اتخاذ موقفٍ أكثر صرامة من حزب الله، الذي يشاركه السلطة في حكومته والذي يمثل القوة العسكرية والسياسية الكبرى في البلد. وقد تورَّطت السعودية وإيران في صراع نفوذٍ تدور أحداثه على امتداد الشرق الأوسط من سوريا والعراق وإلى اليمن.

ووفق الصحيفة، أراد السعوديون إزاحة الحريري من منصبه لأنهم رأوا بأن مشاركته النفوذ مع حزب الله تمنح الأخير غطاءً من الاحترام لا يستحقه، وفقاً لأشخاصٍ على معرفةٍ بتفكيرهم.


كيف دخل الحريري الحياة السياسية؟


وكان سعد الحريري البالغ من العمر 47 عاماً رجل أعمالٍ بلا أي خبرةٍ سياسيةٍ حين انخرط في العمل السياسي عام 2005 في أعقاب اغتيال والده الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء حينها رفيق الحريري.

اندفع الملايين إلى الشوارع يطالبون بانسحاب القوات السورية، والتي كانت قد احتلت البلاد لما يقارب ثلاثة عقود. كانت الحركة التي سُميت تحالف 14 آذار مولد سعد الحريري باعتباره أحد أبرز قياداتها.

قضى بعد ذلك فترته الأولى كرئيس وزراءٍ في الفترة بين العامين 2009 و2011 في ظل الاتفاقية السياسية التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت لخمسة عشر عاماً، ليتشارك أطياف المجتمع اللبناني الثلاثة - السنة والشيعة والمسيحيون - السلطة في الحكومة على أن يظل منصب رئيس الوزراء دائماً حكراً على المسلمين السنيين.

واعتلى الحريري السلطة في العام التالي عقب اشتباك بين تيار المستقبل وحزب الله في شوراع بيروت. وقد التقى هو وحلفاؤه نظراءهم من حزب الله في قطر وتجنبوا حرباً أهليةً جديدة.

وفي 2011 استقال حزب الله وحلفاؤه، وأسقطوا بذلك الحكومة، على إثر خلافٍ مع تحالف الحريري بخصوص حكم المحكمة الخاصة بلبنان، وهي محكمةٌ تدعمها الأمم المتحدة كُلِّفَت بشأن التحقيق في اغتيال والده وإحضار القتلة للمثول أمام العدالة.

كانت المحكمة قد اتهمت عدداً من مسؤولي حزب الله وأصدرت بحقهم أوامر اعتقال. لكن حزب الله رفض أن يُسلِّم المسؤولين، ولم تلاحقهم الدولة البنانية. إذ لو أنها فعلت فربما كانت أطلقت شرارة حربٍ أهليةٍ جديدة.

وفي عام 2011 كذلك ذهب الحريري إلى منفى فرضه على نفسه لأسبابٍ أمنية. وفي العام 2012 أصدر الرئيس السوري بشار الأسد بحقه أمر اعتقال، زاعماً أنه كان يؤمن السلاح والدعم لأعضاء المعارضة السورية.

وقد انتُخِبَ الحريري رئيساً للوزراء عام 2016 في أعقاب اتفاقٍ باركه حينها كلٌ من السعودية وإيران. وقد جاء بميشال عون، حليف حزب الله، في رئاسة الجمهورية وأنهى شللاً سياسياً تسبَّبَ في حالةِ شللٍ للبلاد لأكثر من عامين.

وقبل انتخابه، كان الحريري قد أوشك على خسارة قاعدته الشعبية السنية التقليدية. فقد خسر تياره انتخابات البلدية لصالح منافسيه السنيَّيَن في ثاني أكبر المدن اللبنانية، مدينة طرابلس، التي تعد معقلاً للسنة. وفي بيروت فاز مرشحه بفارقٍ ضئيل.

وبالحديث عمَّا استجد من أحداثٍ في الرياض، فقد قال محمد القباني، عضو البرلمان اللبناني من تيار المستقبل الذي يرأسه الحريري: "ارتفعت شعبية رئيس الوزراء سعد الحريري بين كل أطياف المجتمع - السنة والشيعة والمسيحيين - بعد هذه الحادثة".

وقد قسم عماد سلامة، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بلبنان، مؤيدي الحريري إلى فئتين: الأولى تتضمَّن القاعدة التقليدية. وقد اندفع أولئك خلفه خوفاً من حدوث فراغٍ في القيادة السنية، ورفضوا أي بديلٍ له بما في ذلك شقيقه بهاء الحريري.

ويتابع: "النوع الآخر من المؤيدين قد منحه له خصومه التقليديون، وهذا النوع من الدعم يسعى لدق إسفين في العلاقات بين السعودية ولبنان، واضعينه في صورة الرمز اللبناني المعادي للسعودية، والذي اختطفته السعودية وقيَّدَت حرية قراره".

وقال البرلماني المستقل ووزير الاتصالات السابق، بطرس حرب، إنه وقبل الأحداث الأخيرة كان الحريري يفقد شعبيته؛ لأنه كان يُعتَبَر متساهلاً أكثر من اللازم مع حزب الله.

وأضاف: "لا شك أن التعاطف مع الحريري كان يتزايد نتيجةً للظروف التي أحاطت باستقالته".