فشل رغم دعم ترامب القوي.. واشنطن بوست: سياسة السيسي القمعية لم تحقق الأمن في سيناء

تم النشر: تم التحديث:
SISI TRUMP
MANDEL NGAN via Getty Images

عقب هجومٍ بشعٍ على مسجدٍ في شمال سيناء، أسفر عن مقتل 305 أشخاص على الأقل الجمعة الماضي، 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أصدر رئيس مصر، عبد الفتاح السيسي، تحذيراً شديد اللَّهجة على نحوٍ مميز؛ إذ وعد باستخدام "قوةٍ غاشمة" و"قبضةٍ حديديةٍ" رداً على الهجوم الصادم، بينما كان رد فعل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، غريباً للغاية.

رغم أنَّ مصر ليست غريبةً على العنف المتطرف، فإنَّ حجم وجرأة الهجوم قد صعقا البلاد، حسب الوصف الذي أورده إيشان ثارور، المحلل المتخصص بالعلاقات الخارجية، في تقرير بصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.

وأشار الكاتب إلى بشاعة ووحشية الإرهابيين، قائلاً إنَّ "الناجين والمسؤولين تحدثوا عن 5 شاحناتٍ صغيرة كانت تحمل أكثر من 30 رجلاً مسلحاً، بعضهم كان مُقنَّعاً، استهدفت مسجد الروضة حين بدأ الأمام في إلقاء خطبته".

وأُفيِدَ بأنَّ المُسلَّحين كانوا يحملون أعلام تنظيم داعش. وأضافوا: "لقي بعض المُصلِّين حتفهم في تفجيرٍ انتحاري، وقُتِلَ آخرون بينما كانوا يلُوذون بالفرار. وقد مرَّ المُهاجمون بين الأجساد المُلقاة على الأرض، التي كان بينها 27 طفلاً، يطلقون النار على من بدا أنَّه يتنفَّس".


رسالة ترامب الغريبة


لفت الكاتب إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ندد بالهجوم على "المُصلِّين الأبرياء العُزَّل" واستغلَّ هذه المناسبة لانتقاد الأيديولوجيا الإسلامية المُتطرفة. وجدَّد أيضاً دعوات بناء جدارٍ على الحدود الأميركية-المكسيكية، رغم أنَّ المُحلِّلين يرفضون، على نطاقٍ واسعٍ، فكرة وجود أي تسلُّلٍ جهادي كبير إلى الولايات المتحدة قادم من جهة الجنوب.

وقال ترامب في تغريدته على موقع تويتر: "هجومٌ إرهابيٌّ مروعٌ وجبانٌ على المُصلِّين الأبرياء والعزل. إنَّ العالم لا يمكن أن يتسامح مع الإرهاب. يجب أن نهزمهم عسكرياً ونعمل على تكذيب الأيديولوجيا المُتطرِّفة التي تُشكِّل أساس وجودهم!".

وقال في تغريدةٍ أخرى: "سأهاتف الرئيس المصري بعد قليل؛ لمناقشة الهجوم الإرهابي المأساوي الذي أودى بحياة الكثيرين، يجب أن نكون أكثر تماسُكاً وذكاءً من ذي قبل، وسوف نفعل هذا. نحتاج إلى الجدار (على حدود المكسيك)، ونحتاج إلى الحظر (المفروض على دخول مواطني دول، معظمها ذات أغلبية مسلمة)، ليبارك الله شعب مصر".

مشجع السيسي الأولُ


يقول إيشان ثارور: "على الرغم من حكم السيسي القمعي، الذي جرى في ظله اعتقال آلاف الإسلاميين والمعارضين المشتبه فيهم وتضييق المجال المتاح أمام المجتمع المدني- فإنَّ ترامب لا يزال المُشجِّع الأعلى صوتاً للرئيس السيسي في الغرب. وقد أشاد بسلوكه العملي وإدراكه أنَّ (أيديولوجية الموت هذه)، في إشارةٍ إلى التطرُّف الإسلامي، يجب أن تنطفئ.

لكن، لا يبدو أنَّ السيسي يقوم بعملٍ فعَّالٌ بارز. فحكومته حاولت تصوير هجوم الجمعة على مسجد الروضة كعلامةٍ على "ضعف ويأس وانهيار" قوات الجهاديين، التي لجأت إلى ضرب هدف رخو بدلاً من قوات الأمن المصرية. لكنَّ قوات الجيش المصري تنخرط في عمليات مكافحة تمرُّد مُنهِكة ودموية في شمال سيناء منذ سنوات، وتحديداً منذ أن تولي السيسي السلطة في انقلابٍ عام 2013، ولا تُظهِر حملتهم الأمنية أو الهجمات الإرهابية أي إشاراتٍ على التراجع".

ويضيف الكاتب: "تشهد سيناء، وهي منطقةٌ واسعةٌ تمتد في الحدود القاحلة بين إسرائيل ووادي النيل المصري، مستوىً خطيراً من العنف. وكما أشار زميلي آدم تايلور: (شهدت سيناء وفيات ناتجة عن الهجمات الإرهابية واسعة النطاق هذا العام أكثر مما شهدته أي دولةٍ أخرى، عدا سوريا والعراق وأفغانستان والصومال، وجميعها دول لديها كثافة سكانية أعلى من سيناء بـ10 أضعاف على الأقل). وقد لقي نحو 1000 من أفراد الأمن المصري حتفهم منذ 2013".


يزيد الموقف سوءاً


يقول مُحلِّلون إنَّ نهج السيسي لم يساعد في حل الوضع؛ فالتكتيكات القاسية أدَّت إلى استعداء السكان المدنيين، الذين يشعرون بالمرارة بالفعل. وقد أفادت جماعاتٌ حقوقيةٌ في وقتٍ سابق من هذا العام (2017)، بأنَّ القوات المصرية نفذت عمليات إعدامٍ خارج إطار القانون لمحتجزين مجهولين. ووثَّقت منظمة العفو الدولية حملة تعذيبٍ، وإخفاءات، وتصفياتٍ قامت بها السلطات المصرية.

ويقول مهند صبري، الذي ألَّف كتاباً عن سيناء، لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية: "لم يكترث الجيش قط بالخسائر المدنية. فالاستخدام المُفرط والمتهوِّر للقوة أودى بحياة عائلاتٍ كاملة. ورأينا ضرباتٍ جوية تقصف الناس في منازلهم، وقرىً تُمحى من على وجه الأرض. وهذا يُنبئك بشيءٍ عن الطريقة التي ينظرون بها إلى المجتمع السيناوي".

وينقل المقال ذاته تعليقات سيدة من السكان المحليين، تحدَّثت مع المراسلين خارج أحد المشافي التي يتلقَّى ضحايا الهجوم الرعاية فيها.

وتقول المرأة التي رفضت ذكر اسمها أو أن تُكمِل المحادثة: "سيستمر الجيش في اعتقال وقتل الشباب المحلي. وسيواصل الإرهابيون الذين يكرهوننا ويكرهون المسيحيين في استخدام ذلك كذريعةٍ لقتلنا. ليس هناك فائدة من الحديث عن أي شيء".


سيناء مكان مهم


لكن بالنسبة للمُحلِّلين وصُنَّاع القرار، تُعتبَر سيناء مكاناً مهماً تجب متابعته. فبينما تنهار خلافة داعش المزعومة في العراق وسوريا، يتحول التركيز إلى الطريقة التي يعيد بها الجهاديون تجميع صفوفهم عبر العمل مع أفرع التنظيم في مناطق أخرى والتي تكون مجهولة في كثيرٍ من الأحيان. وقد أظهر التنظيم بالفعل قدرته على العمل في أماكن نائية بينما يعمل على تجنيد مقاتلين بمناطق تعاني الإهمال السياسي والاجتماعي.

ولا يزال الكثير من أفراد القبائل البدوية، الذين يعانون قلة فرص حصولهم على الكهرباء، فضلاً عن شغل الوظائف الحكومية، يسعون إلى كسب عيشهم عن طريق عمليات التهريب، واقترنت هذه الشبكات بحالة تمردٍ متفاقمة.

وفي عام 2015، أعلن فرع تنظيم داعش في سيناء مسؤوليته عن إسقاط طائرة ركَّاب روسية مليئة بسياح كانوا يغادرون منتجع شرم الشيخ المطل على البحر الأحمر، ما أسفر عن مقتل 224، هم كل من كان على متن الطائرة.

وفي العام الماضي (2016)، أفادت تقارير بإطلاق المُسلَّحين صواريخ من سيناء على إسرائيل. ويجري طيلة الوقت قتل مئات الجنود المصريين، في كثيرٍ من الأحيان، بكمائن منصوبة على الطريق أو باستخدام سياراتٍ مفخخة. ولا يبدو أنَّ حملة الجيش المصري الأكثر عنفاً، والمدعومة بمساعدةٍ إسرائيلية تتضمَّن غارات تشنها طائرات من دون طيار، يمكنها وقف هذا التهديد.


هل فرض داعش سلطته؟


وتؤكد مذبحة الجمعة التحدي الذي يُشكِّله الجهاديون. فقال زاك غولد (من المجلس الأطلسي) لصحيفة "واشنطن بوست": "أحد الأمور التي يحاول التنظيم فعلها في ظل ادعائه أنَّه ولاية تابعة لداعش، هو محاولة الحصول على نوعٍ من السلطة الآخذة في الاتساع، أو على الأقل إظهار ذلك. ولا يُظهِر هذ الهجوم بالضرورة أنَّ داعش لديه السلطة على المنطقة، لكنَّه يُظهِر أنَّ الدولة المصرية تفتقر إلى السلطة هناك".


الاٍرهاب لا يحارَب هكذا!


وهذه، بالطبع، ليست رواية الأحداث التي تسمعها من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أو مسؤوليه العسكريين. كما أنَّها لن تكون موضع ترحيب في البيت الأبيض؛ فصحيح أنَّ ترامب أشاد مراراً بالرجال العرب الأقوياء الذين يسحقون المتمردين بلا رحمة، لكن لا هو ولا السيسي يبدوان قادرَين على مواجهة الحقيقة الجلية، المتمثلة في أنَّ الإرهاب لا يمكن القضاء عليه بـ"القوة الغاشمة" وحدها.

ويبدو أنَّ ترامب غير مكترث بعملية المصالحة السياسية وإعادة البناء الاقتصادي المعقدة والتي ستحتاجها في السنوات المقبلة المجتمعاتُ التي مزقتها الحروب في الشرق الأوسط. ووفقاً لصحفيين، يبدو أنَّ حكومة السيسي غير مستعدة للتفكير في نهجٍ أكثر تعقيداً واستخدام أساليب ناجعة للتعامل مع المتمردين بسيناء.


التنسيق ضد "سي سي إن"


وعوضاً عن ذلك، وفي الوقت الذي كتب فيه ترامب تغريدة بها هجوم غريب على صحفيي شبكة "سي إن إن" الدولية خلال عطلة نهاية الأسبوع، واصلت وزارة الخارجية المصرية الإعراب عن غضبها الهائل، مُنتقدةً إحدى القصص التي نشرتها الشبكة ذاتها عن حادثة سيناء، والتي أشارت إلى عدم تمكُّن الصحفيين من الوصول إلى المنطقة. ويبدو أنَّ القاهرة تحرَّكت بموافقةٍ من ترامب.

وقال ترامب في تغريدته: "تُعد قناة فوكس نيوز الإخبارية أكثر أهميةً في الولايات المتحدة من شبكة (سي إن إن)، لكن خارج الولايات المتحدة، لا تزال (سي إن إن) الدولية مصدراً رئيسياً للأخبار الزائفة، وهي تمثل أمتنا أمام العالم بشكلٍ سيئ. إنَّ العالم الخارجي لا يرى الحقيقة منهم!"

وغرَّد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية على تويتر، قائلاً: "وكالعادة، تغطية مؤسفة من (سي إن إن) لمأساة سيناء اليوم. مُذيع الأخبار مهتم بدخول الصحفيين إلى سيناء أكثر من اهتمامه بأولئك الذين فقدوا حياتهم!".

لكن، ما قد يُحققه أيٌ من هذا لأولئك الذين يعانون في شمال سيناء والمحاصرين بها، أقل وضوحاً بكثير.

فقال محمد خليل، وهو أحد السكان المحليين الذين ساعدوا في دفن عائلاتٍ بأكملها معاً، لأحد زملائي: "كان الناس صامتين، بلا حراك، غير قادرين على إدراك حقيقة ما حدث".